منوعات

«حلمي شعراوي.. سيرة مصرية إفريقية» (3): كيف تهدد إسرائيل مصالح مصر في أفريقيا؟

لعبت مصر دوراً محورياً في دعم حركات التحرر الوطني بإفريقيا في ستينيات القرن الماضي، ما جعلها تحظى بمكانة متميزة داخل القارة السمراء، غير أن هذا الدور قد بات محل تراجع شديد، في العقود الأخيرة. هذا الدور المصري في إفريقيا وكيف كان وإلى أين صار، كان أحد المحاور المهمة الحاضرة بقوة خلال كتاب السيرة الذاتية للأستاذ «حلمي شعراوي» والذي صدر مؤخرا تحت عنوان «حلمي شعراوي.. سيرة مصرية و إفريقية».

يربط البعض بين نكسة 1967 وتراجع دور مصر على الساحة الإفريقية، بينما يرى البعض الآخر أن هذا الربط غير صحيح، ذلك أن جمال عبد الناصر ظل يلعب دورا محوريا بالقارة حتى عشية وفاته، وأن التراجع الحقيقي لدور مصر جاء مع عقد السادات لإتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1979. وفي هذا الإطار يقدم حلمي شعراوي – برؤية الخبير المتعمق في شؤون أفريقيا وتاريخها- وجهة نظره في أسباب تراجع دور مصر عن أن تكون الفاعل الرئيسي بقارة إفريقيا كسابق عهدها.

أنور السادات                                  جمال عبد الناصر

اقرأ أيضا:

حلمي شعراوي ورحلته مع إفريقيا.. السيرة الذاتية حين تكتب التاريخ

 لماذا تراجع الدور المصري في إفريقيا؟

لفهم الأسباب وراء تراجع الدور المصري على الساحة الأفريقية، من وجهة نظر حلمي شعراوي، فلابد من التوقف عند ما كتبته الدكتورة ريم أبو الفضل (محررة الكتاب) في ختام السيرة الذاتية لشعراوي، بعنوان «قراءة في فكر الأستاذ حلمي شعراوي»، حيث تؤكد ما قاله شعراوي عن أن فترة حكم السادات ومن ثم مبارك، شهدت الإهمال ثم الإنهيار في المجال السياسي والثقافي معا بالنسبة لإفريقيا، وأن فترة مبارك على وجه الخصوص شهدت إهمال الإدارة المصرية للقارة الإفريقية وغياب الرؤية الاستراتيجية، مع غياب مفاهيم الوحدة ولقاء المصالح بين دول القارة. حتى أن أواخر أيام مبارك شهدت عدم التزامه ومعه الرئيس السوداني السابق عمر البشير، بحضور اجتماعات القمة الإفريقية.

حسني مبارك

 ويرى شعراوي -كما تقول ريم أبو الفضل- أن «مبادرة حوض النيل» التي وقعتها مصر مع السودان وأوغندا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وبوروندي وتنزانيا ورواندا وكينيا وإريتريا عام 1999، كانت تفتقد «لسقف أو إطار سياسي ينتهي مؤسسيا باجتماعات منتظمة لرؤساء هذه الدول».

  كما يرفض شعراوي آراء عدد من الباحثين عن أن مشروع «سد النهضة» كان مفاجئا، ذلك أن تلك القضية كانت مطروحة منذ مؤتمر المياه الدولي المنعقد في لاهاي عام 2000، والذي رأس أعماله وزير الري المصري الأسبق محمود أبو زيد، حيث تمت مناقشة تقرير للجنة دولية تحت عنوان «إقامة الخزانات والمشروعات على الأنهار». ويرجع شعراوي تعنت إثيوبيا في هذا المجال إلى افتقاد مصر لعناصر القوة في إفريقيا التي كانت تتحلى بها من قبل، وضعف دورها الدولي بشكل عام أمام عجرفة القوة الإثيوبية.

ولاستعادة مكانة وتأثير مصر على الساحة الإفريقية يوصى شعراوي بضرورة العمل على التوجه لدوائر متنوعة مثل الاتحاد الإفريقي، وضرورة العمل على خلق مناخ تعاون ثقافي مع إفريقيا، يقوم بالأساس على حركة الترجمة، والتواصل بشكل عام مع القارة الإفريقية، وذلك بهدف تحسين صورة العرب بشكل عام لدى الأفارقة، الذين لا يرون في العرب سوى مستعمرين لأراضيهم.

سد النهضة

إقرأ أيضا:

حلمي شعراوي.. سيرة مصرية إفريقية(1): صفحات من حياة عاشق إفريقيا

إسرائيل ودول القارة السمراء

 يؤكد حلمي شعراوي أن السياسة المصرية تجاه إفريقيا منذ خمسينيات القرن الماضي كانت على وعي تام بخطورة الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل داخل إفريقيا ومن ثم مدى تأثيرها على علاقات مصر مع البلدان الإفريقية، ولذلك فقد حرصت القيادة المصرية على حرمان إسرائيل من حضور مؤتمر باندونج في إندونسيا عام 1955، ومن ثم منعها من حضور مؤتمر الشعوب الإفريقية والآسيوية عام 1958، مع تركيز مصري واضح على محاصرة مشروعات إسرائيل التى كانت تهدف للتغلغل في دول حوض النيل.

 ويشير شعراوي في هذا الإطار إلى عدد من الكتابات الإسرائيلية التي كانت تشير إلى «عزلة إسرائيل»، بوصفها «دولة منبوذة». غير أن هذا الوضع لم يستمر كثيرا، حيث جاءت فترة منتصف السبعينيات، وإختيار الرئيس أنور السادات للمعسكر الغربي الذي باتت فيه أمريكا «تملك 99% من أوراق اللعبة» – كما كان يردد السادات – وهو ما انعكس بدوره على مصر وعلاقتها بالعالمين العربي والإفريقي على حد سواء.

يضيف حلمي شعراوي أن أداء مصر تجاه إفريقيا في هذا الوقت اتسم بالضعف ما أتاح الفرصة لإسرائيل أن تتسلل في صورة تقديم تدريبات للجيوش وخاصة الحرس الجمهوري، وأعمال الأمن والمخابرات، وصولا لمساعدة عدد من الدول الإفريقية في الحصول على منح وقروض من البنك والصندوق الدوليين.

أثيوبيا وسد النهضة

مشروع «سد النهضة» في إثيوبيا هل كان نتيجة لتراجع الدور المصري في إفريقيا؟ تساؤل يطرح نفسه بقوة على من يتناول علاقة مصر بإفريقيا. وفي هذا السياق يشير حلمي شعراوي إلى أن إثيوبيا تاريخيا كانت قد فرضت على نفسها عزلة مطولة، فمنذ صراع الفرس والروم حول سواحل الحبشة ومدخل البحر الأحمر، وحتى إحتلال الإيطاليين لمرتفعاتها، ثم النفوذ السوفيتي في عاصمتها وجيشها، والأدبيات الإثيوبية تعكس إحساسا بالضعف.

لكن المثير للدهشة- من وجهة نظر شعراوي – هو ما قرأه حديثا من أدبيات إثيوبية  تتحدث عن أن مصر تلعب دورا في إضعاف إثيوبيا، حيث يكررون دائما أن «مصر تريدنا دولة ضعيفة»، «أن مصر استغلت ضعفنا»، «أن مصر عقدت منفردة اتفاقيات 1891، 1929، 1959»، و«إن مصر تؤكد ملكيتها وحدها لكل مياه النيل التي تنبع في إثيوبيا».

يضيف شعراوي أن صحيفة «الهيرالد» الإثيوبية لم تكن تكل عن الحديث حتى منتصف نوفمبر عام 2016، عن «أن مصر تريد إضعاف إثيوبيا»، وأن هناك ضرورة لصياغة «خطاب دولي»، إثيوبي يواجه عمل مصر في تعويق تمويل مشروعات إثيوبيا. وهنا يؤكد شعراوي أن المثقفين الإثيوبيين في الداخل يقعون في خطأ كبير بمجاراة مزاعم نظام الحكم، بدلا من الاهتمام بما تورده مختلف التقارير الدولية عن سوء أوضاع المواطن الإثيوبي الاقتصادية.

صحيفة «الهيرالد» الإثيوبية

إقرأ أيضا:

حلمى شعراوى..سيرة مصرية أفريقية(2): مصر والطريق إلى قلب القارة السمراء

مصر والموقف من السد

يتناول حلمي شعراوي موقف مصر من سد النهضة، والجدل الذي ثار حول تلك القضية، والتساؤلات التي شغلت الرأي العام المصري، حيث يؤكد أنه أولى إهتماما خاصا بتلك القضية، من خلال إثارة قضية مبادره مياه النيل، والتفاوض حول اتفاقية عنتيبي. وفي هذا الصدد يتهم شعراوي جهاز الري في مصر بالإهمال، والعجز عن التفاوض السليم، ويوضح أنه أرسل وثائق كل هذا الجدل بمعاونة الدكتور المرحوم رشدي سعيد، إلى مجلس الشعب المصري السابق عبر النائب أبو العز الحريري رحمه الله، والنائب حمدين صباحي، بعد إنتخابهما بالمجلس، كما نشر بأكثر من موقع حول تلك القضية، مطالبا بالتفاوض من موقع القوة عبر مؤسسات الدولة.

حمدين صباحي                                أبو العز الحريري

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق