فن

عاطف الطيب.. صوت الفن المقاوم

من المؤكد أن لكل شخص من اسمه نصيبا؛ لكن يبدو أن «طيبنا» قد نال النصيب الأوفر، سيرة فنية وإنسانية حافلة مازالت تُلهم الأجيال برغم مرور أربعة وعشرين عاما على رحيله المباغت.. الطيب هو نبت كريم لهذه الأرض الطيبة، انتماؤه الأصيل لها لا تخطئه عين، ارتباطه الوثيق بها وبشعبها لم ينفصم ساعة من نهار، لم يكن التزامه بقضايا وطنه وأمته نابعا من إيمان قوي ومبدأ قويم فحسب؛ بل كان طبيعة راسخة في وجدانه، وطاقة دافعة وموجهة لا تضل طريقها أبدا نحو هموم المواطن البسيط وأعبائه.. لتصبح مقولة الانحياز للناس «الغلابة» بشأنه غير كاملة؛ لأن الحقيقة تقتضي القول أن الطيب لم يغادر ناسه، ولم يفارق خندق الكادحين أبدا، ولم يبتعد عنهم ولو لخطوات قليلة.

ملامح كاشفة

كانت رؤية عاطف الطيب من الداخل أكثر عمقا وكشفا، وكان إبداعه صادقا على نحو تصعب مقارنته؛ دون إبهار أو قدرات فائقة.. فقط إدراك حاسم لما تنطوي عليه تفاصيل الواقع الخشن من شاعرية حالمة تستنطق فينا الشجن النبيل على جرح مازال  ينزف، وزمن ولَّى برجاله فصار كل شيء برسم البيع.

منذ البداية رأي عاطف الطيب بعين بصيرته، أنه ليس في الوقت متسع، وأن عليه أن يسابق الزمن لإنجاز مشروعه الإبداعي، فكان يعمل يوميا لما يجاوز العشرين ساعة، ويقرأ ما لا يقل عن ثلاثة سيناريوهات ليختار منها فيلمه القادم قبل أن يُتم العمل في الفيلم الذي بين يديه، والذي كان ينهي له «الديكوباج» وهو السيناريو التنفيذي كاملا، قبل بدء التصوير.

الحب فوق هضبة الهرم

لم ينجذب عاطف الطيب كثيرا خلف جماليات الصورة، فالمطلوب حسب رأيه أن تكون الصورة موحية لا مبهرة، وهو إلى ذلك لا يريد للواقع أن يتخلى عن حضوره المثقل لحساب جمال ربما أتى مفتعلا ما يلبث أن يتبدد من ذاكرة الجمهور التى ستحتفظ  بمعاناة أبطاله الحقيقية ومكابداتهم لزمن طويل.. إلى جانب ذلك كان اهتمامه بشريط الصوت كبيرا، وربما فاق اهتمامه بالصورة، وقد نفسر ذلك بأنه أدرك أن الذاكرة العربية هي في الأصل سمعية، وأن الصورة بجمالياتها ليس لها قوة العبارة وأثر الصرخة ودلالة الموسيقى؛ حتى أنه كان يرى مساحات الصمت في الشريط مهمة لأنها تبعث على التأمل والتفكير.

تربص.. ودعاية سوداء

كشفت تلك الواقعية المباشرة التي تبناها الطيب بشجاعة نادرة- الكثير من سوءات المتاجرين بآلام المهمشين، وحفل الوسط السينمائي بالحاقدين على الطيب الذي استطاع حل المعادلة؛ فحققت أعماله النجاح الجماهيري، واحتفظت بقيمة فنية عالية.. كما أنها كانت ذات ميزانية محدودة لصرامة الطيب وحرصه الشديد على أموال المنتجين ،من خلال منهج وقف الهدر الذي أتقنه بعد عمله مساعدا لعدد من المخرجين الأجانب في أفلام صُورت في مصر.

ثم ظهرت تلك الأحقاد جلية في بيان وقّع عليه عدد من السينمائيين أساء إلى الطيب واتهمه بعدد من الاتهامات، وعلى خلاف الحقيقة تماما روَّجوا من خلاله لفرية أن أفلام الطيب جلبت الشؤم على منتجيها.. وقد مثّلت هذه الحادثة المؤسفة التي لم نعرف لها مثيلا- خنجرا مسموما طُعن به الطيب؛ لكنه لم يلتفت كثيرا لهذه التفاهة التي كشفت له زيف الكثيرين ممن كان يَعدُهم أصدقاء.

الهروب

لم تُحدث تلك الدعاية السوداء الأثر المطلوب؛ فقرر المتآمرون إخفاء سهامهم المتربصة إلى حين؛ إلى أن جاء العام 1992، حين قدم الطيب فيلمه «ناجي العلي» لتخرج الأفاعي من جحورها لتتهم الطيب بالخيانة والعمالة والإساءة لسمعة مصر.. وقد دخل السباق ممثلون وكتاب ونقاد لا وزن لهم ولا قيمة فنية تذكر.

لم يلتفت الطيب إلى تلك الأبواق الناعقة التي دفعت فنانا بحجم «نور الشريف» لعمل مسلسل إذاعي عن المخلوع مبارك حتى ينال الصفح عن جريمة «العلي».. ففي نفس العام قدم الطيب «ضد الحكومة» عن مافيا التعويضات؛ معريا جوانب كثيرة من أوجه الخراب الذي طال كل شيء؛ في ظل نظام يأبى مساءلة مسئوليه عن تقصيرهم في أداء مهام وظائفهم ما أدى لحدوث الكوارث بشكل يومي حتى صار الأمر اعتياديا.

ضد الحكومة

حياة صعبة

لم يكن من الممكن غض الطرف عن أسباب تلك الجسارة التي تحلى بها الطيب طوال حياته، فلا يكاد الخط الذي يحمل العداء للسلطة التي تقهر الإنسان وتقمعه يختفي من أعماله، وربما كان ذلك مرجعه إلى طبيعة الطيب وتكوينه الذي تأثر كثيرا بجذوره التي تعود إلى جزيرة «الشورانية» مركز المراغة محافظة سوهاج، وهي جزيرة شبه منعزلة في وسط النيل ولا شك أن صعوبة الحياة في هذا المكان هو ما دفع والده للنزوح إلى القاهرة، إذ يرجح أن الطيب ولد بحي باب الشعرية أواخر عام 1947، وقد تزامن ميلاده مع نكبة فلسطين، وفي سبيل السعي على الأرزاق يفتح الوالد محلا لبيع الألبان في حي بولاق، ويساعد فتانا والده بوصفه الولد الذي سبقته ثلاث إناث.. يوزع اللبن على المنازل المحيطة.. في تلك الآونة التقط الصبي بعين الفنان كثيرا من المشاهد التي جعلت قلبه الذي كان في صفاء اللبن، يحمل مشاعر قوية ملؤها الحب والتعاطف مع البسطاء.. ولكن تجارة الوالد تتعثر بسبب المنافسة الشرسة مع أصحاب محال الألبان الأخرى، فيضطر لإغلاق المحل ثم بيعه بثمن بخس، ما يجبر الفتى على العمل في تقديم المشروبات بقاعات الأفراح القريبة.. ورغم تلك الظروف الصعبة إلا أن الساحات والشوارع عرفت «الطيب» لاعبا ماهرا لكرة القدم، وكان على أعتاب الانضمام للنادي الأهلي؛ لولا أن الأقدار شاءت له أن يغير وجهته تماما عند بداية التحاقه بالمرحلة الثانوية، التي أنهاها وهو على قناعة كاملة أن مكانه القادم لابد أن يكون المعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون، وليس أي مكان آخر.

أبناء وقتلة

شهادة أبو سيف

«هل من المعقول أن هذا الفتى الأسمر الذي درّستُ له لسنوات لم يغير فيها مكانه إلى جوار النافذة، ولم يطرح سؤالا أو يشارك في مناقشة؛ هو نفسه مخرج «سواق الأتوبيس»؟ هكذا تساءل المخرج العظيم الراحل صلاح أبو سيف متعجبا بل مندهشا .لكن الفتى الصامت لم يكن شاردا ولا ذاهلا عما يسمع بل راصدا ومستوعبا وباحثا عن طريقه الخاص الذي يستطيع من خلاله ترك بصمته الخالدة قبل أوان الرحيل المبكر.. كان أبو سيف بعد ذلك إذا تحدث عن تلاميذه ذكر الطيب بإعجاب على رأسهم، وكان كثيرا ما يثني على طريقة الطيب في إخراج بعض المشاهد الصعبة قائلا: «لو كنت أنا المخرج لهذه المشاهد ما استطعت أن أضيف إلى ما فعله الطيب شيئا».

سواق الأتوبيس

 خطوات واعدة

أثناء الدراسة قضى الطيب وقته فى مشاهدة الأفلام والقراءة النهمة لكل ما يقع في يده من كتب تتعلق بالفن السابع إلى جوار قراءاته المتعددة في التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها.. وعمل أثناء فترة المعهد مساعدا للإخراج مع مدحت بكير في فيلم (ثلاثة وجوه للحب عام 1969)،.. ويتخرج «عاطف» في المعهد عام 1970، ثم يعمل مساعدا للمخرج فى فيلم (دعوة للحياة عام 1973) كما عمل مساعدا للمونتاج مع كمال أبو العلا. فى تلك الفترة  كانت مصر تخوض حربا ضروسا لاسترجاع الأرض ومحو عار الهزيمة.. لكن الرحيل المفاجئ للزعيم جمال عبد الناصر يُدخل الأمة العربية كلها في نفق مظلم.. ووسط هذه الأجواء يلتحق الطيب بالخدمة العسكرية، ويظل طيلة خمس سنوات بالجيش في سلاح الشئون المعنوية، ويقوم خلال تلك الفترة بإخراج فيلمه التسجيلي القصير «جريدة الصباح» في عام 1972، وفي العام التالي يعمل مساعدا للمخرج العبقري شادي عبد السلام في فيلم «جيوش الشمس» وهو فيلم وثائقي يخلد ملحمة العبور العظيم.. ثم يقدم في عام1978، فيلمه الروائي القصير «مقايضة» من إنتاج المركز التجريبي.. ثم ينخرط «الطيب» في العمل في مهنة مساعد المخرج مع يوسف شاهين في «إسكندرية ليه» 1979، ومع محمد شبل في فيلم «أنياب» 1981، ثم كان صقل التجربة بالعمل مع مخرجين أجانب صوروا أفلاما في مصر مثل «لويس جلبرت» في فيلم «الجاسوس الذي أحبني» و«جون غيلرمان» في فيلم «جريمة على النيل» و«مايكل بانويل» في فيلم «الصحوة» و«فيليب ليلوك» في فيلمه «توت عنخ أمون» و«فرانكلين شافنر» في فيلم «أبو الهول».

الجاسوس الذي أحبني

مسيرة خالدة

وقبل أن يتم عاطف الطيب عامه الخامس والثلاثين يخرج فيلمه الأول «الغيرة القاتلة» ولم يحظ الفيلم بأي نجاح ونال نقدا شديدا.. لكن ذلك لم يضعف عزم المخرج الشاب فأخرج في نفس العام «سواق الأتوبيس» الذي احتل المرتبة الثامنة في قائمة أفضل الأفلام المصرية، كما نال عددا من الجوائز العالمية.

ويعتبر العام 1986، هو العام الأهم في حياة «الطيب» الفنية إذ قدم خلاله رائعتيه «الحب فوق هضبة الهرم» عن قصة نجيب محفوظ، و«البريء» وهو الفيلم الذي أثار ضجة كبيرة، واحتاجت إجازته من قبل الرقابة موافقة أربعة وزراء وحذف بعض المشاهد وتغيير النهاية.. ولم يخف «عاطف الطيب» أن «البريء» كان أقرب أفلامه إلى قلبه.. رغم صعوبة ظروف التصوير في الصحراء، ورغم حدوث كثير من المشاكل كادت تضع «الطيب» نفسه خلف القضبان.

وفي عام الرحيل يقدم مخرجنا فيلم «ليلة ساخنة» الذي حاز على  إعجاب الجمهور والنقاد، وقد نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة «الهرم الفضي» بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي وجائزة الإخراج والجائزة الكبرى بمهرجان معهد العالم العربي بباريس عام 1996.

ليلة ساخنة

وفي الأيام الأولى من صيف عام 1995، يترجل الفارس عن جواده بعد أن قطع المسيرة الخالدة  في أقل فترة زمنية ممكنة قدم خلالها واحدا وعشرين فيلما روائيا طويلا.. فتحت المجال واسعا لجيل من المخرجين الشباب ليقولوا كلمتهم، وليسهموا بقدر وافر في نقل السينما المصرية إلى مكان آخر بعيدا عن النموذج التقليدي الذي كان قد انتهى فعليا، وبعيدا جدا عن السينما التجارية السائدة التي أسهمت بقدر كبير في بث روح الانهزام والفردية والابتذال في النفوس.. غادر الطيب جسدا لكن أعماله بقيت بصدقها وروعتها وانحيازها المباشر  للبسطاء والغلابة.

الفيديو جرافيكس

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق