ثقافة

المُصادرة إذ تعيد إحياء الإبداع.. الطيب صالح نموذجا

هل يمكن أن يؤدي المنع والمصادرة للإبداع إلى انتشاره وانتصاره، لا اندثاره كما يأمل أعداؤه ؟.. الإجابة هي نعم مؤكدة، في رأي الأديب والناقد الأدبي السوداني طارق الطيب، الذي يقدم ما جرى مع إبداع الأديب السوداني الأشهر الطيب صالح، دليلا على ذلك.

 ففي ورقة بحثية تحت عنوان «إحياء إبداع الطيب صالح بالمُصادَرة» يتناول طارق الطيب ما تعرضت له رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» من مصادرة وملاحقة وتضييق.. فقد مُنعَت الرواية وصودِرَت على مستوى النشـر والتوزيع والتدريس. لكن هذا المنع المتدرج لم ينجح في حظر الرواية أو في إماتتها، بل حدث العكس، فقد انتشـرت وتُرجِمتْ إلى أكثر من عشـرين لغة ووُزِعَتْ ودُرِّسَتْ في عشـرات الجامعات في كل أنحاء العالم.

يستعرض طارق الطيب في ورقته الصعوبات والملاحقات التي تعرضت لها رواية الطيب صالح منذ صدورها وحتى قبل نشرها بالعربية، ليس في السودان وحسب، بل في دول عربية أخرى.. فعلى صعيد النشـر لم تنشـر (موسم الهجرة إلى الشمال) كاملة كما كتبها الطيب صالح بخط يده، فهناك أسطر لم تظهر من أصل هذه الرواية في الكتاب المطبوع ولا في أي طبعة لاحقة.

 أما على صعيد التوزيع، فيشير طارق الطيب إلى أن المصادرة لم تطل الرواية نفسها، بل إنها طالت حتى بعض المجلات أو الدوريات الأدبية التي نشرت أو أشارت للرواية، مثلما حدث مع مجلة «حوار» الكويتية في عددها 24/25 (1966)، والذي اشتمل على رواية (موسم الهجرة الى الشمال)، حيث قامت دائرة الرقابة في الكويت في ذلك الوقت بمنع توزيع المجلة، وقد كتب وكيل وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت، بتاريخ أول ديسمبر 1966: أن «العدد احتوى على رواية طويلة حملت عنوان: (موسم الهجرة إلى الشمال) تضمنَت ألفاظا وعبارات تتنافى والآداب العامة».

اقرأ أيضا:

المرأة في أدب الطيب صالح.. بذور الثورة السودانية

«عمل خلاعي»!!

ويضيف طارق الطيب : أنه على صعيد التدريس أيضا ، فقد صدر قرار بمنع تدريس رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) ضمن مقررات كلية الآداب بجامعة الخرطوم ، و صودِرَت النسخ الموجودة من الرواية في المكتبات آنذاك بزعم أنها رواية إباحية.. وفي الوقت  الذي  أرجعت فيه وزارة التعليم العالي السودانية قرارها،  بمنع تدريس الرواية ، إلى اعتبار أنها “عمل خلاعي لا يعبر عن صورة واقعية أمينة لملامح الحياة في السودان”.  كانت الرواية تعبر الآفاق بترجمات في كل قارات العالم ، وبلغات تجاوزت الثلاثين لغة عالمية.

طارق الطيب

ويرى  طارق الطيب أن «موسم الهجرة  إلى الشمال» لم تصل إلى هذا الرواج والانتشار والتقييم الرفيع من كبار النقاد والأساتذة والعاملين في مجال الإبداع لِحظٍّ أو صدفة، أو لتناولها موضوعا فضائحيا يرفعها لمصاف الـ «الأكثر مبيعا»، بل هي من ضمن الروايات الفارقة عربيا والتي عُرِفَتْ أيضا في السودان على نطاق واسع وملفت.

 ويقول طارق الطيب في ورقته البحثية إنه اطلع قبل أكثر من ثلاثين عاما على المخطوطة الأصلية للطيب صالح التي احتوت على بعض مقاطع لم تظهر في الأصل المتداول والمعروف، «ولعلها لو صدرت وتضمنت هذه المقاطع لصار صاحبها مطلوبا للقضاء من أناس لا يفرقون بين الأدب و«قلة الأدب».

  ويشير إلى أن الهجوم على الطيب صالح جاء باعتباره كاتبا يتناول موضوع الجنس بشكل يخدش حياء القارئة والقارئ ،وهي التهمة الجاهزة المسلطة على أى كاتب عربي يحاول أن يقدم جديداً، وذلك دون الرجوع «إلى التراث العربي الغني بأشعار وكتابات صريحة عن الجنس مثل أشعار أبي نواس وبشار بن برد وامرؤ القيس، وابن الرومي وهو تراث قديم وله قيمته».

 

من أين أتى هؤلاء ؟

يعتقد طارق الطيب أن جملة الطيب صالح الشهيرة التي قرَّع فيها نظام الانقاذ السوداني البائد قائلا (من أين أتى هؤلاء  الناس؟)، كانت السبب في البحث عن مدخل رديء من أجل تشويه سمعة هذا الكاتب الكبير.فهذا القول الجريء – في رأي طارق الطيب – صار كمنفيستو  في الشارع السوداني وجعل  السلطة تفكر

في عقابه، وقد جاء هذا العقاب في صورة منع تدريس رواياته في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، كما مُنعت الرواية وغيرها من مؤلفات صالح من التداول في المكتبات، وهو الأمر الذي قوبل بسخرية واستهجان واسعيْن، فالرواية كانت قد صدرت منذ عقود طويلة وفي طبعات متعددة، ولم يكن لفعلهم من نتيجة إلا إعادة تسليط الضوء على الطيب صالح، و لفت الأنظار بشكل مستمر إلى قوة إبداعه.

 ويشير الطيب إلى أن جامعة الخرطوم – التي منحت الطيب صالح الدكتوراه الفخرية في الثمانينات – هي نفس الجامعة التي عادت بعد ذلك وقررت منع تدريس روايته بقرار من الحكومة، وهو ما يعكس حجم التخبط والعشوائية، كمعظم القرارات التي تُقصـي كل رأي مخالف في كل نظام ديكتاتوري.

وينتهي طارق الطيب في ورقته إلى أن «المصادرة تحيي الإبداع من جديد في كل زمان ومكان، ستتغير كل الحكومات وكل وزارات الثقافة وكل القائمين على المنع والحجب، وسيبقى الإبداع ، وسيبقى  الكتاب قابعا في ركنه، عائدا للظهور في كل عصر..ولن تزيد المصادرة  الإبداع إلا انتشارا وظهورا وتمردا».

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق