فن

فى ذكرى رحيل السندريلا: سعاد حسنى.. أحاديث وأحلام السنوات الأخيرة

منذ 18 عاما وتحديدا يوم الخميس 21 يونيو 2001، رحلت السندريلا سعاد حسنى، إثر سقوطها من شرفة شقة صديقتها نادية يسرى بالدور السادس ببرج ستيوارت تاور بمنطقة ميدافيل في العاصمة البريطانية لندن. كانت الفاجعة قاسية بكل المقاييس بالنسبة للملايين من محبى سعاد، وكانت الصدمة أشد قسوة على من عرفوها واقتربوا منها على المستوى الشخصى والإنسانى ومنهم كاتب هذه السطور.

سعاد حسني، التى حاولت منذ أكثر من ربع قرن وعلى مدار ما يقرب من ستة أشهر أن أحظى منها برد على مكالماتى الهاتفية المتواصلة بشكل شبه يومى على هاتف شقتها فى الدور الرابع فى 17 ش يحيى ابراهيم بالزمالك، إذا بها ذات يوم بهيج ترفع سماعة الهاتف لترد علىّ بنفسها وبصوتها الآسر، لتشكرنى على إصرارى على الحديث معها، وتطلب منى أن أبلغ سلامها الخاص لأستاذنا الكاتب الراحل الكبير محمد جلال رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون الأسبق، بعد أن عرفت أننى صحفى بذات المجلة، فقد كان الأستاذ جلال من أوائل الصحفيين الذين استقبلوا موهبة السندريلا بحفاوة، وهى تبدأ أولى خطواتها الفنية فى فيلم «حسن ونعيمة» عام 1959 .

ومنذ ذلك الوقت أصبحت واحدا من المقربين من السندريلا، فلم تكن سعاد تبحث عن صحفي ينشر آخر أخبارها، أو يكتب عن مجدها الفنى الذى يعرفه الجميع. كانت فقط تبحث عن بشر يحبون سعاد الإنسانة، لا سعاد الفنانة الشهيرة. فى ذلك الوقت كانت السندريلا تمر بأزمة مرضية شديدة الوطأة، إذ كانت تعانى شرخا قارب أن يكون كسرا فى فقرتين قطنيتين بعمودها الفقرى، استوجب منها أن تحزم حقائبها وتسافر إلى باريس بحثا عن العلاج. وهناك نصحها الكثيرون بأن تعرض نفسها على أشهر جراحى العظام روى كامى، وهو الطبيب الذى عالج الفنانة شريهان وأجرى لها عدة عمليات ناجحة إثر تعرضها لحادث خطير. لكن تكاليف العلاج على يد هذا الطبيب كانت باهظة، وأكبر من قدرة سعاد المادية، فعرضت نفسها على طبيب آخر أقل أجرا وبالطبع أقل مهارة وهو «لوي سينيه».

كانت عيادة هذا الطبيب بمدينة مارسيليا فذهبت إليه سعاد وأجرت جراحة  تثبيت شريحة معدنية تجبر شرخ أو كسر فقرتى ظهرها، وبقيت فى مارسيليا لمدة ثلاثة أشهر. ولما عادت إلى مصر بدا واضحا أن العملية الجراحية لم تنجح بالشكل الأمثل، فعاودت الآلام السندريلا، آلام بدأت تداهمها على استحياء أثناء تصوير حلقات مسلس «هو وهى» فى منتصف الثمانينيات، وهو المسلسل التليفزيونى الوحيد الذى مثلته سعاد وشاركها البطولة صديقها الأثير المقرب أحمد زكى من إخراج يحيى العلمى. فى هذا المسلسل قامت سعاد بعدة استعراضات مرهقة أثرت على ظهرها الذى كان قد بدأ يفقد مقاومته، بعد نيف وثلاثين عاما من حادث سقوطها من سلم منزل أسرتها، عندما كانت فى الخامسة من عمرها، آلام بدات تتفاقم حتى وصلت إلى درجة لم تعد سعاد تتحملها فلجأت إلى الكورتيزون كى تستطيع تحمل هذا القدر الرهيب من ألم الظهر الذى وصل إلى ذروته، ولم تعرف السندريلا ولا المقربون منها كيف استطاعت أن تكمل تصوير فيلمها الأخير «الراعى والنساء» الذى أبدعت فيه وأدت دورا استثنائيا فازت عنه بجائزة خاصة من مهرجان الاسكندرية السينمائى عام 92.

 ومن المهم هنا أن نقول إن الحالة النفسية السيئة التى كانت عليها السندريلا عقب رحيل أستاذها وأبيها الروحى صلاح جاهين فى أبريل عام 1986، كان لها أثر سلبى على قدرتها على مقاومة المرض الذى تفاقم عليها بمرور الوقت ووصل إلى ذروته مع بداية التسعينيات. فقد كان صلاح جاهين يمثل بالنسبة لسعاد حسني عالما من الحضور الفنى والإنسانى الطاغى، وسندا وظهيرا وأبا وأخا أكبر.

اذكر هنا أننى سألتها عن صلاح جاهين وهل فعلا تعرضت علاقتها الإنسانية به لبعض التوتر، ضحكت سعاد كثيرا وقالت لى: «حاول بعض الأغبياء الجهلاء الوقيعة بينى وبين صلاح جاهين، فاكتشفنا الحكاية وضحكنا كثيرا، فلم يكن ممكنا لعلاقتى الإنسانية والفنية بجاهين أن تتعرض للخدش». وحين رحل جاهين بكت سعاد كما لم تبك من قبل، وأدخلها رحيله فى مرحلة اكتئاب طالت، غير أنها وجدت كثيرا من السلوى والعزاء حين تعرفت على ماهر عواد، آخر أزواجها، واقتربت منه بل وأحبته وتزوجته

كان ماهر عواد صحفيا بوكالة أنباء الشرق الأوسط، غير أنه كان عاشقا للسينما والفن، وخصوصا فن السيناريو والحوار، باحثا عن مكان يليق بموهبته فى سوق السينما المصرية القائم فى كثير من جوانبه على العلاقات والشلل والتربيطات. كان ماهر قد فرغ لتوه من كتابة قصة وسيناريو فيلم تقدمى يحمل أبعادا وأفكارا جديدة بل وإسقاطات على الواقع المصرى. شاهدته سعاد حسنى يتحدث فى أحد البرامج التلفزيونية عن رؤاه السينمائية فأدركت أنه كاتب موهوب ومبدع حقيقى، وعلم هو بإعجاب السندريلا بموهبته من بعض الأصدقاء المشتركين فاتصل بها ليشكرها وليتفقا على لقاء قريب. وفى ذلك اللقاء عرض ماهر على سعاد سيناريو وحوار فيلم «الدرجة الثالثة» فوجدت فيه السندريلا رؤية سينمائية متجاوزة، فقد كان يحمل اسقاطات كثيرة على الواقع المصرى فى عصر مبارك، وقد تنبأ الفيلم بظاهرة الألتراس فى ملاعب الكرة، حيث يعرض للصراع بين أهل المقصورة الأثرياء وبين مشجعى كرة القدم الغلابة البسطاء الذين يحبون ناديهم بلا مطامع ولا مكاسب. لكن ورغم ذلك لم ينجح الفيلم، بل فشل فشلا جماهيريا ذريعا، حيث لم يستمر فى دور العرض أكثر من ثلاثة أيام، وهو أمر لم يكن منطقيا بكل المقاييس. وقد ذهب بعض النقاد فى تفسيرهم لأسباب سقوط الدرجة الثالثة، إلى أن سعاد لم تقدم فى هذا الفيلم الاستعراضات الخفيفة الجميلة التى دائما ما كان جمهورها ينتظرها منها. لكن حتى إذا كانت هذه الفرضية تحمل بعص  الصحة، فإنها لا تبرر سقوط فيلم لسعاد حسنى مع أحمد زكى بهذا الشكل. فسعاد هي صاحبة الرقم القياسى للاستمرار فى دور العرض، حيث ظل فيلمها «خلى بالك من زوزو» اكثر من عام كامل بدور العرض، وهو رقم يقف متفردا ومنفردا، لا يطاوله فيلم آخر فى تاريخ السينما المصرية حتى اليوم.

المرجح، كما يذهب البعض، أن فيلم «الدرجة الثالثة» تعرض لمؤامرة من بعض رجال نظام مبارك الذين رأوا أنه يحمل اسقاطات تخص الفاسدين والحيتان الكبار من سدنة ذلك العصر البائد.

أثناء تصوير فيلم «الدرجة الثالثة» حدث الإعجاب والحب بين سعاد وماهر عواد فتزوجته على الفور، وقد رأت سعاد فى ماهر ذلك الرجل الذى يحمل صفات إنسانية تشبهها، إنه طيب حالم رومانسى ويحمل فى دمه جينات الموهبة والتفرد، وهو أيضا  يمتلك إحساسا انسانيا ونبلا يشبه نبل سعاد. وإلى الآن يعيش ماهر عواد على ذكرى السندريلا، وهو الوحيد تقريبا الذى رفض رفضا قاطعا ملايين القنوات الفضائية لكى يتكلم ويتحدث عن سعاد وعلاقته بها كزوج وحبيب.  وقد ذكر لى عم مهدى حارس العمارة التى كانت تقطن بها السندريلا وخادمها الأمين الذى كانت تأتمنه وتعطف عليه، أنه فى أثناء محنة سعاد المرضية، زارها أحمد زكى، وربما كان هو الفنان الوحيد الذى سمحت له سعاد بزيارتها.

يضيف عم مهدى «جاء الفنان الكبير أحمد زكى إلى بيت سعاد وكنت فى استقباله على باب العمارة وصعدت به فى المصعد  بناء على أوامر السندريلا، وفتحت لنا سعاد الباب، وكانت بمفردها وقمت بتقديم الشاى والقهوة لهما، وأردت الإنصراف، فأمرتنى سعاد بحسم وقوة أن أبقى معهما». كانت سعاد رغم صداقتها بأحمد زكى، تعرف أنه ليس من اللائق أن تجلس معه بمفردها احتراما لزوجها ماهر عواد، هكذا فسر عم مهدى وهكذا أمنت على كلامه. 

 أحمد زكى الذى قالت عنه سعاد إنه ضرتى فى الفن، والذى كان اشد الناس حزنا يوم رحيل السندريلا، فقد شاركها آخر ثلاثة أعمال فى حياتها وهى «هو وهى» و«الدرجة الثالثة» و«الراعى والنساء»، وكان قبلها قد شاركها فى بطولتى فيلمي «شفيقة ومتولى» و«موعد على العشاء».

وقبل زواجها من ماهر عواد الذى استمر 14 عاما وحتى رحيلها، تزوجت سعاد حسنى زواجا مشهرا ومعلنا من المصور صلاح كريم عام 66 واستمر الزواج لمدة عام وبضعة أشهر، ثم من المخرج على بدرخان واستمر الزواج 11 عاما، ومن الممثل زكى فطين عبد الوهاب لمدة 6 شهور.لكن سعاد، كما يؤكد الكثيرون ممن عاصروهما، تزوجت زواجا عرفيا من عبد الحليم حافظ لمدة تقترب من الست سنوات. وحين سألت السندريلا ذات يوم عن زواجها من حليم، وعما يقوله مجدى العمروسى صديق العندليب عن أن هذا الزواج لم يتم، ردت سعاد بسخرية: «يمكن خايف (العمروسي) أطالب بحقى فى الميراث «ثم ضحكت ضحكة ساخرة وقالت: «أنا مش أقل من عبد الحليم علشان اتمسح فيه».

كانت سعاد تكره مرضها لكنها كانت تعرف أنه ابتلاء الخالق، فتصبر عليه، وأذكر هنا أنها قالت لى ذات مرة وهى تحدثنى عن مرضها: «أشعر أن ظهرى هو عدوى الوحيد فى هذه الحياة».

وحين حزمت حقائبها وسافرت إلى لندن كانت تبحث عن حلم عودتها إلى السينما مرة أخرى، وهناك كانت تتناوبها مشاعر كثيرة لكن الشوق لمصر كان هو ما يغلب عليها، وفى حياتها وأمور معيشتها لم تكن تتعامل فى الأغلب الأعم إلا مع مصريين. فقد كانت تعالج أسنانها لدى طبيب مصرى هو الدكتور هشام العيسوى، وكانت تستخدم فى تنقلاتها تاكسيات تتبع شركة يملكها المصرى مصطفى رجب، وأقامت فى فندق يملكه مصريون لمدة طويلة، وحتى نادية يسرى التى سقطت من شرفة شقتها ربما ذهبت إليها لتقيم معها بعض الوقت مدفوعة بأنها مصرية.

ومن لندن كانت سعاد تتواصل مع أهلها وزوجها وأصدقائها المقربين فى مصر، وقد قالت لى يوما إنها كلفت أهلها فى مصر ليرسلوا باسمها ورودا إلى بعض اصدقائها وأحبائها، بعد أن لاحظت وجود هذه العادة الجميلة فى انجلترا فى عيد الحب، حيث يرسل الناس ملايين الورود لبعضهم البعض.

 وفى لندن حلمت سعاد بأن تعود إلى مصر وأن تستهل عودتها بمسلسل إذاعى من تأليف زوجها ماهر عواد، وأن تقف على خشبة المسرح فى مسرحية استعراضية يلحن استعراضاتها كمال الطويل، وأن تعود بفيلم سينمائى كبير، لكن الأجل الذى كتبه الله كان أسبق من أحلام سندريلا المؤجلة. سقطت السندريلا من برج ستيوارت تاور، أو برج الموت كما يطلق عليه، رحلت كما رحل فى ذات المبنى السكنى الليثى ناصف قائد الحرس الجمهورى الأسبق فى عصر السادات، وكما رحل بعدها أشرف مروان صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسكرتير السادات للمعلومات. رحلت سعاد وسرها معها، غير أن  كل من اقتربوا منها فى سنواتها الأخيرة ،وسمعوها لا تتحدث إلا عن أملها وحلمها بأن تعود لمصر ولفنها وجماهيرها، لا يمكنهم إلا أن يتوقعوا أنها قُتلت ولم تنتحر، حتى وإن لم يمتلكوا دليلا ماديا على قتلها.. رحمها الله.

الفيديو جرافيكس

نص: محمود مطر

تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: