منوعات

الأكبر عددا والأكثر إحباطا: دراسة عن الشباب والحراك الاجتماعي والسياسي في مصر وتونس

«وبلّغ يا سمير غطاس.. يا ضيف المعتقل سنوي .. بصوتك دا إللى كله نحاس صباح الخير على الثانوي .. وأهلا بيكو في القلعة .. وباللي في الطريق جايين .. ما دامت مصر ولادة .. وفيها الطلق والعادة .. حتفضل شمسها طالعه.. برغم القلعة والزنازين» هذه الأنشودة التي أبدعها أحمد فؤاد نجم، وقام بتلحينها وغنائها الشيخ إمام عيسى، تصلح – بكل تأكيد- لكى تعبر تعبيرا وافيا وضافيا عن دور الشباب في الحراك السياسي والاجتماعي في مصر والعالم العربي.

«مشاركة الشباب في الحراك السياسي والاجتماعي ودورهم في الثورات الاجتماعية والسياسية» واحد من أهم الموضوعات البحثية التي فرضت نفسها مؤخرا على باحثي العلوم السياسية في العديد من الجامعات العربية والعالمية. وفي هذا الإطار تمت مؤخرا مناقشة رسالة ماجستير للباحث عصام شعبان حسن، حول «الشباب والحراك الاجتماعي والسياسي، ودورهم فى ثورتي مصر وتونس»، بكلية الدراسات الإفريقية العليا، بجامعة القاهرة، تحت عنوان «أثر الحراك السياسي الشبابي في ثورتي مصر وتونس، دراسة في الأنثربولوجيا السياسية»، تحت إشراف أستاذة الأنثربولوجيا بكلية الدراسات الإفريقية العليا، الدكتورة إيمان البسطويسي، والدكتورة سلوى درويش أستاذ الأنثربولوجيا بذات الكلية.

يشير الباحث عصام شعبان في دراسته إلى أن الشباب في المجتمعيْن المصري والتونسي يمثلان قاعدة الهرم السكاني العريضة، حيث تصل نسبتهم إلى نحو خمسين بالمائة من تعداد السكان بكلا البلدين، بالإضافة إلى كونهم يمثلان الفئة الأكثر فقرا وتهميشا.

 طرحت الدراسة العديد من التساؤلات المتعلقة بدور الشباب بكلا البلدين في الحراك السياسي خلال الفترة بين عامي (2001 – 2010) وكيف مهد ذلك الحراك لثورتي مصر وتونس فيما بعد. كما اهتمت الدراسة برصد مجمل الحركات الاجتماعية الشبابية التي ظهرت خلال تلك الفترة، وأهم المطالب التي طرحتها، وعلاقة تلك المجموعات الشبابية بالأحزاب السياسية والنخب، ومن ثم مستقبل تلك الحركات الشبابية في مصر وتونس بعد الثورة.

الباحث عصام شعبان

بذور الثورة

ينطلق الباحث في دراسته معتمدا على مدرستي الصراع الاجتماعي والحرمان النسبي، مشيرا إلى أن هاتين المدرستين قد التقيتا – من وجهة نظره – في أن الشعور بالحرمان يفرز حركة احتجاجية تهدف إلى التغيير، يكون هؤلاء المحرومون قوامها الأساسي. ويدلل الباحث على فكرته تلك بالإشارة إلى دراسة الباحث تيد روبرت جير التي جاءت تحت عنوان «لماذا يثور الناس؟» والتي يؤكد فيها على العلاقة القوية بين البناء الاقتصادي القائم بمجتمع ما، والشعور بالحرمان والتهميش الذي يدفع إلى الاحتجاج الاجتماعي ومن ثم الثورة.

وهنا يؤكد الباحث على أن الشعور بالحرمان النسبي وما يرتبط به من انتشار لظاهرة الفقر، قد حظيا بإهتمام عالمي خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث ظهرت العديد من الدراسات التي تتناول قضايا الفقر والتهميش والاستبعاد الاجتماعي، ومن ثم برزت العديد من المدارس النظرية التي أولت إهتماما خاصا بتلك القضايا التي تؤكد على ضرورة خلق مجتمع  أو نظام جديد يستوعب ويحقق مطالب الفئات المحرومة المهمشة والمستبعدة إجتماعيا وسياسيا.

بين الحركات الشبابية والأحزاب السياسية

اعتمدت الدراسة على أدوات البحث الأنثروبولوجي من مقابلات وملاحظة بالمشاركة، وتحليل لخطابات الحركات الثورية وشعاراتها ،ومحاولة معرفة مسار ومستقبل الحراك فى مصر وتونس، حيث أجريت الدراسة الميدانية على الشباب من الفئة العمرية (18-35) عاما من مصر وتونس، مع التركيز على ساكني العاصمة القاهرة وتونس، خاصة فئة الشباب النشط في الحراك والمنتمي إلى حركات شبابية وأحزاب وغير المنتمين إلى تنظيمات شبابية أو حزبية.

 وقد كشفت نتائج الدراسة عن أن اغلب الشباب الذي انتمي إلى الحراك السابق على الثورة كان نشطاً في حركات غير حزبية بالرغم من انتمائهم الفكري والحزبي في بعض الأحيان، فاعضاء «حركة 6 أبريل» المؤسسين على سبيل المثال، انتمى أغلبهم للتيار الليبرالي، وشباب «اتحاد الشباب الليبرالي» انتموا إلى أحزاب ليبرالية عديدة لكن الاتحاد ظل منظمة شبابية غير حزبية، وكذلك شباب «حركة العدالة والحرية» أغلبهم كمؤسسين، انتمي إلى أحزاب يسارية «ناصرية وماركسية» إلا أن الحركة ذاتها لم تكن حزبية.

المشاركة السياسية للشباب قبل اندلاع الثورة وفقا لنتائج الدراسة لم تكن معدومة تماما كما كان يحلو للبعض أن يروج ويُدين الشباب قبيل الثورة، واصفين إياهم بأنهم شباب غير منتم وغير مهتم بشئون وأحوال وطنه، وغير مشارك بالشأن العام.

نتائج الدراسة تؤكد أيضا أن عدم المشاركة السياسية آنذاك في أطر النظام الرسمية كان لها أسباب عديدة، منها أن الشباب كانوا لا يرون أن الاحزاب ترفع مطالبهم أو تمثلهم ،أو أنها تهتم بشئونهم أو تعبر عن أمانيهم. بالإضافة إلى أن معظم قيادات تلك الأحزاب كانت على علاقة وثيقة بالسلطة. وفي هذا السياق يستشهد الباحث بما صرح به الراحل الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع السابق حول الدعوة إلى مظاهرات 25 يناير 2011، التي وصف فيها الداعين إليها بأنهم «شوية عيال لاسعين».

الدكتور رفعت السعيد

على العكس من ذلك جاء موقف الشباب من الحركات الشبابية أكثر ايجابية من موقفهم من الأحزاب السياسية، حيث رأوا أن تلك الحركات تهتم برفع مطالب الشباب في التغيير والمطالبة بالحق في العمل والأجر العادل، وغيرها من المطالب، التي دفعت بالحراك الثوري بمصر وتونس على حد سواء.

غير أن موقف الشباب من الأحزاب السياسية لم يمنع من أن يرصد الباحث عدداً من الحركات الشبابية التي ارتبطت في نشأتها وتطورها بأحزاب سياسية معينة في مصر ومن أمثلتها حركة «شباب حزب الوفد» التابع لحزب الوفد، و«اتحاد شباب حزب الغد» التابع لحزب الغد، و«اتحاد الشباب التقدمي» التابع لحزب التجمع، و«اتحاد الشباب الديمقراطي» التابع للحزب الشيوعي. هذا بالإضافة إلى العديد من الحركات الشبابية ومن أمثلتها: «شباب الاشتراكيين الثوريين» و«حركة شباب من أجل التغيير» و«حركة شباب 6 إبريل»

أما الحركات الشبابية التي رصدها الباحث في تونس فقد تمثلت في «شباب الحركات الإسلامية» و«الشباب والاتحادات المهنية والمجتمع المدني»، و«الاتحاد العام لطلبة تونس» و«مجموعة الألتراس»، و«مجموعة مناهضة التضييق على الفضاء الإلكتروني».

مستقبل الحراك الشبابى

«الثورة لم تنجح في تحقيق مطالبها» كانت النتيجة الأبرز التي أشار إليها أغلب الشباب في كلا البلدين، وهو ما دعا الباحث إلى التأكيد على أن الشباب في مصر وتونس يعانون من حالة إحباط نتيجة لعدم تمكن الثورة من تحقيق مطالبهم، وهو ما يفتح المجال من وجهة نظر الباحث إلى عدة سيناريوهات مستقبلية فيما يتعلق بمستقبل الحراك الشبابي بكلا البلدين.

وتتراوح تلك السيناريوهات بين الإنسحاب التام من المجال العام، أو «الكفر بالثورة» على حد وصفه، ومن ثم الإنخراط في أشكال أخرى يغلب عليها طابع الممارسة العنيفة، وبين مواصلة الحراك وصولا لحدوث انتفاضات وحراك شبابي أخر مستقبلا، مشيرا إلى أن تونس مؤهلة وفقا لنتائج الدراسة لهذا الحراك أكثر من مصر، ذلك أن سخط الشباب على عدم قدرة الثورة على تحقيق مطالبها في تونس تفوق نسبة سخط الشباب المصري وذلك وفقا لما ورد بنتائج الدراسة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: