ثقافة

الفائز بتقديرية الشعر.. محمد الشهاوى.. شاعر الوجد والتصوف

شهدت قصيدة التفعيلة أو ما يعرف بحركة الشعر الحر منذ نشأتها إلى الآن عدة أجيال شعرية متتابعة: جيل الريادة الذى مثله صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى وجيل الستينيات الذى ينتمى إليه أمل دنقل ومحمد عفيفى مطر ومحمد إبراهيم أبوسنة وغيرهم ثم جيل السبعينيات ممثلا فى شعراء إضاءة (حسن طلب – حلمى سالم – أمجد ريان) وأصوات (أحمد طه – عبد المنعم رمضان – عبد المقصود عبد الكريم).

ومن هنا تأتى إشكالية بعض الشعراء الذى ظهروا فى أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وهم من أَطلق عليهم البعض «جيل الظل».. هذا الجيل، الذى كان جسرا واصلا بين جيلى الستينات والسبعينات، ويضم أسماء مثل أحمد الحوتى ومفرح كريم ومحمد أبو دومة وشاعرنا محمد محمد الشهاوى الفائز هذا العام بجائزة الدولة التقديرية فى الشعر- والذى نحتفل هنا بفوزه. ويغلب على هذا الجيل التزامه بالتفعيلة والتقفية ووضوح المعنى والرغبة فى التجديد وهى سمات فارقة بينه وبين من سبقوه أو لحقوا به من أجيال الشعراء. وللشهاوى مكانة متميزة فى هذا الجيل حيث حافظ على لغته الناصعة القوية المعبرة والتى تنهل من المعجم الصوفى والوجدانى بصفة عامة.

المخلص لشِعره

ولد محمد الشهاوى فى 25 مارس عام  1940 فى قرية عين الحياة القبلية بالمنشية الكبرى – التابعة لمركز قلين – بمحافظة كفر الشيخ، وحفظ القرآن الكريم فى صباه ثم التحق بالتعليم الأزهرى ونهل من التراث العربى فى أعلى وأبرز تجلياته، حتى استقام له الشعر فأصدر ديوانه الأول «ثورة الشعر» عام 1962 وهو مازال طالبا بالثانوية الأزهرية. وظل مخلصا للشعر طوال عمره إخلاصاً يشبه إخلاص الصوفى.

 وقد أبدع الشهاوى عبر مسيرته الشعرية الطويلة سبعة دواوين هى: «ثورة الشعر» – «قلت للشعر» – «مسافر فى الطوفان» – «زهرة اللوتس ترفض أن تهاجر» – «إشراقات التوحد» – «أقاليم اللهب ومرايا القلب الأخضر» – «مكابدات المغنى والوتر». ويتضح من مجرد استعراض هذه العناوين اهتمام الشاعر بتحديد مفهوم الشعر ورؤيته له ولدوره فى تصوير هموم الذات والواقع بمستوياته المختلفة. فالشعر عنده يرتبط بالتمرد والثورة والمغامرة والاختلاف.. إنه أشبه بالسفر فى «الطوفان» الذى يتوازى مع طوفان نوح، وأشبه بالإشراقات الصوفية التى توحد بين المحب والمحبوب، وما يتبع ذلك من مكابدات ومجاهدات. هذا بالإضافة إلى أعماله النثرية عن «صالح الشرنوبى» و«أنور المعداوى» و«محمد السيد شحاتة» و«على قنديل».

تجربة «سنابل»

تعرف شاعرنا محمد الشهاوى على الشاعر الكبير الراحل محمد عفيفى مطر عام 1967، وقد كان لعمل عفيفى مطر معلما للفلسفة فى كفر الشيخ تأثير كبير على شعراء هذه المحافظة، حيث التف حوله شعراؤها من مختلف الأجيال، فأصدر مجلة «سنابل» وهى أول مجلة أدبية إقليمية تصدر فى مصر، وكانت تطبع بدار الهلال وتوزع مع باعة الصحف شهريا، لكنها مُنعت من الصدور فى عام 1972 بسبب نشر قصيدة «الكعكة الحجرية» لأمل دنقل.

الشاعر محمد عفيفي مطر

بعيدا عن العاصمة

 والحقيقة أن وجود الشهاوى فى كفر الشيخ بعيدا عن القاهرة  لم يؤثر بالسلب على كونه شاعرا كبيرا، حيث التفت الجميع لتجربته ونال العديد من الجوائز المصرية والعربية. فقد حظى بمكانة مرموقة فى مصر والعالم العربى، وليس أدل على ذلك من قول نزار قبانى عنه «إننى أطرب جدا لشاعر مصر والعرب الكبير محمد الشهاوى». كما أحتفت به مؤسسة البابطين، حيث منحته جائزة أفضل قصيدة عن قصيدته الذائعة «المرأة الاستثناء» ـ  كما جرى تكريمه من قِبَل دائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية.

وفى مصر صدرت أعمال الشهاوى الكاملة عام 2013 عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، وأقام المجلس الأعلى للثقافة حفلا لتكريمه شارك فيه العديد من النقاد والشعراء.

ولم يكن شعر الشهاوى بعيداً عن الاهتمام الأكاديمى حيث قدمت عدة رسائل للماجستير والدكتوراه حول الخصائص الفنية لشعره، من بينها رسالة بعنوان «الصورة الفنية فى شعر محمد محمد الشهاوى» التى أعدها الباحث أشرف الشحات السيد إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة المنصورة، ورسالة الماجستير فى النقد الأدبى الحديث بعنوان «شعر محمد محمد الشهاوى دراسة أسلوبية» التى قدمها الباحث هانى على سعيد إلى كلية دار العلوم جامعة الفيوم، ورسالة الدكتوراه عن «التناص فى شعر محمد محمد الشهاوى» التى قدمها الباحث الليبى منير سعيد حامد سعيد بقسم اللغة العربية – كلية الآداب – جامعة المنصورة.

الشعر والذات

يبدو لى أن الشهاوى كان يضع نصب عينيه مقولة أرسطو «اعرف نفسك»، وبهذا المعنى فهو يرى أن الشعر الحقيقى لابد أن يبدأ من الذات، ثم يمتد للاهتمام بالعالم حين يقول «إن الاحتفاء والاهتمام بشؤون العالم لايمكن أن يكون حقيقيا ممن لم يحتف ويهتم بشأن ذاته المبدعة». كما يربط بين الإبداع والمغامرة حين يقول «الإبداع ابن المغامرة وابن المغايرة وأنا متيقن أن الشعر سيظل حيا وحاضرا ومؤثرا فى الوجدان العربى مادامت هناك أشواق تتوقد وأقلام تكتب ودواوين تطبع وأسماع تهفو لإيقاع الشعر المتدفق منذ فجر التاريخ إلى اليوم» وكأنه يرد على مقولة دجابر عصفور عن «زمن الرواية».

د. جابر عصفور

تنوع الأغراض الأساليب

امتاز شعر محمد الشهاوى بالتنوع على مستوى الأغراض، فنجده يكتب القصيدة الدينية فى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصيدة الرثاء حيث رثى أمير الشعراء أحمد شوقى والشاعر الرومانسى صالح الشرنوبى، ورائد الشعر الحر فى مصر صلاح عبد الصبور وشاعر السبعينيات الذى مات فى ريعان شبابه على قنديل والشيخ أحمد ياسين الذى اغتاله الكيان الصهيونى بعد صلاة الفجر، والتى يقول فيها «ياشيخ أحمد ياعظيم الذات / يوم القصاص وإن تأخر آت / فعلام يرتع سادر فى غيه / وإلام يزهو مجرم أو عات». كما كتب القصيدة ذات الروح الصوفية كما فى قوله «اخرج من ذاتك تظهر / وابعد عن نفسك تكبر / وتخط الحد الفاصل مابين العرض وبين الجوهر …وهنالك يصفو النبع ويحلو الماء» وهناك القصيدة الاجتماعية التى يصور فيها كفاح الفلاح المصرى الذى «على كفيه خارطة الزروع وأطلس العشب / وهاهو كل صبح وأمامه جاموسة عجفاء / يقابلنى فأقرأ فى ثنايا ثوبه المقطوع / ملحمة الرضا المنقوش فى الأغوار». وفى بعض قصائده تظهر نزعة التشاؤم ربما بتأثير من صالح الشرنوبى الذى كان شديد الإعجاب به. فيقول فى إحدى قصائده «ماذا جنيت من الحياة ومن وجودى فى الحياه / غير التعاسة والكآبة والسآمة والشكاه / غير العذاب المر والداء الذى غلب الأساه / أنا شاعر متألم تمضى المآسى فى خطاه».

ومن الطبيعى عند شاعر تغلب عليه صفة التصوف أن يتجه إلى مناجاة المرأة التى تأخذ أبعادا رمزية كثيرة ومن أعذب قصائده فى هذا قصيدته «أندلسية» التى التزم فيها بالشكل العمودى، والتى يقول فيها «فى فجاج السر أو فى العلن / رعوى فى المواجيد نشا – أيها الوجد الذى يملؤنى / منذ أن كنت صبيا دهشا – لى حبيب حبه يأخذنى / أبدا منى إلى حيث يشا». كما يرتبط  الشعر عند الشهاوي بالصدق والدفاع عن القيم العليا، لأنه يعلم يقينا أنه لو فعل عكس ذلك فسيهجره هذا الشعر، الذى هو من نفس الرحمن مقتبس كما كان يقول العقاد.

يقول الشهاوى فى قصيدة بعنوان «حتى لايهجرنى محبوبى» – والمحبوب هنا هو الشعر نفسه – يقول «ماذا لو أنى الليلة / أطلقت لنفسى حبل النفس / سافرت بكأس / هاجرت إلى الشقق المفرشة والجنس / هادنت الجلاد وباركت خطاه / طلقت القيم وسرحت الأخلاق ….يهجرنى المحبوب ولايأتى / تهجرنى الأشعار ولاتأتى».  وبجانب هذا التنوع فى أغراض الشعر عند الشهاوي، نجد تنوعا كبيرا فى الأساليب، ومن ذلك كثرة استخدامه لأساليب النداء والأمر والتوكيد والاهتمام بالإيقاع والصور المركبة.

لقد أثبت محمد الشهاوى أن الإخلاص للشعر وحده، هو الذى يحقق للشاعر مكانته الكبيرة، بغض النظر عن وجوده داخل القاهرة أو خارجها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق