رؤى

العُقلاءُ الأوائل(1): واصِـل بن عطاء.. مشروع الفيلسوف السياسي

على امتداد تاريخ الفكر العربي- الإسلامي، يبقَى تيار المعتزلة، كفِرقة كلامية، أو حركة فكرية، في موضِع الصدارة، سواء على مستوى المبادئ والتنظير والرؤى، أو على مستوى إثارة الجدل والإشكاليات؛ ذلك أنّ نشأة المعتزلة (أهل العدل والتوحيد) لا يزال يكتنفها الغموض والتضارُب، على الرغم من تتابُع البحث والتصنيف حولها من جانب الباحثين العرب والمستشرقين.

لكن بالإجمال يمكن تعريفها بأنها «حركة فكرية تنمُّ عن تطور الفكر الكلامي الإسلامي باتجاه مزيد من الوعي والعمق والتعقل الذي يأخذ بمفهوم الإنسان: كيانه ومسؤوليته بإزاء مفهوم إرادة الله وقدرته وسلطانه على الكون والبشر» (عادل العوا، المعتزلة والفكر الحُر، ص 51).

عادل عوا

أسهم المعتزلة في إذكاء الفكر العربي، وتطويرِ مساراته عبر التاريخ، وعقلنة النصوص الإسلامية، بحيث تخفّ سطوة النقل على العقل، فيخضع الدين والوحي لسلطان هذا العقل، فما يأتي به الوحي لا يكون إلا لتفصيل ما تقرّر جُملته في العقل، والرسل يتمّمون، فقط، عمل العقل، فالعقل قبل السمع، والسمع منبّه للعقل من غفلته، على حد تعبير مفسّرهم الأشهر محمود بن عمر الزمخشري.

الزمخشري

وحتى الحواس، نفسها، ليست إلا آلات تحسّ النفس بها، فهي لا تُدرِك وإنما تتأثّر، ولا يستحيل تأثيرها إدراكًا إلا بواسطة العقل، الذي جعلوه في صدر مصادر التشريع، الأمر الذي جعل للمعتزلة السبق في ظهور فلسفة أصيلة مصدرها الإسلام، خصوصا في فترة التكوين الأولى التي بدأت في مطلع القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، وذلك بصرف النظر عن تأثُّر بعضهم بفلسفات أخرى، كفلسفة أفلاطون وأرسطو، أو الفلسفة الهندية والفارسية القديمة. فليس من الإنصاف أن نعدّ المعتزلة «مجرد ناسخين للفلسفة اليونانية، حسب وصف خصومهم في الفكر، مثل عبد الكريم الشهرستاني وأبي حامد الغزالي، وغيرهما» (رشيد الخيّون، معتزلة البصرة وبغداد، ص 28)، فالمعتزلة جديرون بأن يكونوا طلائع المفكرين العقليين في الفكر الإسلامي، فهم الذين انتقلوا بالفكر من السماع والتقليد إلى النقد والتفكير، وهذا ما ميّزهم عن أصحاب الحديث ويُسمون بأهل السنة.

 ويأتي أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزّال (80هـ – 131 هـ)، مؤسس المعتزلة، ورئيسها التاريخي، كأول مَن أنتج فلسفة إسلامية خالصة، بعيدًا عن تأثيرات الفلسفات الشرقية أو اليونانية، فقد ظهر بأفكاره التي مثّلت « اللبنة الأولى» لمبادئ المعتزلة في وقت كانت الدولة الأموية فيه تقترب من الأفول، بعد أن تغيّرت البنى المعرفية للفكر العربي/ الإسلامي نتيجة اتّساع الرقعة الجغرافية لدولة الخلافة الإسلامية، شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا.، وهذا ما خلق انفتاحًا ثقافيا وعقلانيا، بالسلب أو بالإيجاب، تغلغل في بنية الثقافة المعرفية العربية والإسلامية، التي انتقلت من عصر الرواية والمشافهة إلى عصر الدراية والتدوين.

 وهكذا كان ظهور واصل بن عطاء، في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، متساوقا مع الواقع المعيش، متّحدا مع الوضع الجديد ذي الملامح العقلانية والانفتاحية، فلم يكن غريبا – والحال كذلك – أن يكون الرجل، المؤسِّس، ذا مشروع فكري واجتماعي وسياسي، مرتبطا بالواقع، ومتجذّرا في صُلب الثقافة الإسلامية عموما.

  جاء واصل بن عطاء بعد أن تشكّلت واستقرّت أيديولوجيا «الجبر» منذ تأسيسها في العام 41 هـ على يد معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية، الذي استخدم عقيدة الجبر في اللعبة السياسية؛ تمكينا لدولته الملَكية، قائلا: «لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإيّاه، ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيّره»، والمقصود بالجبر هنا هو: نفي القدرة على الفعل عن العبد، ما يترتب على ذلك أن وجود الخليفة أو الحاكم على رأس السلطة إنما هو أمر محدَّد من قِبَل الله، وبالتالي فالمسلم مجبَر على قبوله ولا ينبغي بحال الاعتراض عليه. وبذكاء شديد استخدم الأمويون مع عقيدة الجبر عقيدة الإرجاء؛ فإذا كان الجبر يبرّر مظالمها، فإنّ الإرجاء تفلت به من الحُكم على إيمانها بعد ارتكابها تلك المظالم بحق الرعية.

 كان واصل بن عطاء على وعي تام بذلك كله، لكنه كان صامتا فترة طويلة في حضرة دروس أستاذه الحسن البصري (20 هـ – 110 هـ)، حتى إذا حانت اللحظة تكلّم مناظرا هذا الأستاذ في حكم مرتكب الكبيرة، الذي هو – عند واصل – فاسق، أي في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، ليكون هذا المبدأ أولى الصيغ العقدية ذات الصبغة السياسية لمواجهة عقيدة الجبر عموما ومظالم الدولة الأموية خصوصا، وهي صيغة وقاعدة فكرية ابتكرها واصل بن عطاء ، لمواجهة مظالم الساسة وتلاعبهم بالدين من ناحية، والتصدي، من ناحية أخرى، للخوارج، وهم حركة المعارضة المسلَّحة التي كفّرت مرتكبي الكبيرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا ظلّ واصل بن عطاء مستمرئا حالة الصمت المطبق، طوال الفترة التي سكن فيها إلى أستاذه الحسن البصري، مختلفا إلى دروسه في مسجد البصرة، قبل أن يعتزله مكوّنا تيارا فكريا جديدا يريد له أن يغزوَ الآفاق؟ ربما كان سبب هذا السكوت هو ترقُّب واصل وتخوّفه من مصير شهداء علم الكلام الأوائل، ممن سبقوه في القول بالقدر، أي تقرير الاختيار للفرد، والتصدي لعقيدة الجبر، وأبرزهم معبد الجهني (المقتول عام 80 أو 90هـ)، وغَيلان بن مسلم المصري/ الدمشقي (المقتول عام 107 هـ)، لكنه مع ذلك بدأ يُرسل تلاميذه ومبعوثيه سراً إلى اليمن والجزيرة وخراسان وأرمينية وطنجة، في محاولة منه لمقاومة الدولة الأموية. ومن المرجح أنه قد فتح قنوات اتصال سياسية مع العلويين الذين عُرفوا وقتذاك باسم (الكيسانية)، عن طريق زيد بن علي بن الحسين (المقتول عام 122 هـ)، ما يبرر وجود علاقة قوية بين الاعتزال والتشيع على المستوى السياسي الإجتماعي. ولا أدلّ على ذلك من احترام الزيديين له، وللفكر المعتزلي، معظمه، وحفظهم تراثه، وهو ما يدعونا إلى تكوين صورة شِبه حقيقية حول واصل بن عطاء – رغم ندرة الأخبار المدوَّنة عنه، وعدم وصول شيء من كتبه إلينا إلا عناوينها – مفادها أنه لم يكن عالِم كلام أو فيلسوفا فحسب، بل كان ذا قدرة على المناورة السياسية، والتوغل اجتماعيا في أكثر من بيئة ثقافية واجتماعية وسياسية.

معبد الجهني                              غَيلان بن مسلم المصري

   لقد أنجز واصل بن عطاء، بالإضافة إلى ردوده على الخوارج والجبرية والشيعة والمرجئة والمانوية، أصول مذهب الاعتزال الأولية، فقد تبلورت في عهده لذلك التيار العقلاني أربعة أصول، هي: التوحيد، القدر (مسؤولية الإنسان عن أفعاله)، المنزلة بين المنزلتين، القول بخطأ وفسوق أحد الفريقين من أصحاب الجمل فقط، مع عدم تحديد الطرف المخطئ، أما أصحاب صفّين فقد تبرَّأ منهم، وصار كل ما طرحه أساسا لمن جاء بعده، بحيث كانت شخصيته طاغية على تلامذته وأتباعه، وملهِمة لتيار الاعتزال عموما.

     وعَى واصل بن عطاء لمتطلبات عصره، الذي شهد ظروفا سياسية واجتماعية وفكرية عصيبة، فكانت آراؤه إفرازا طبيعيا لذلك العصر، واستجابة لرُوحه التي سادت بعد اتساع رقعة العالم الإسلامي، وما نتج عن ذلك من عقلنة الدين، لمواجهة المتغيرات الشاملة والطارئة التي وجد المسلمون أنفسهم في مواجهتها .وفي مقابل ذلك، كانت الفِرق الأخرى المعارِضة تجنح ، إما إلى اتخاذ مواقف سلبية مائعة، أو مواقف عنيفة مسلَّحة ترتوي بالدم والتخريب، فكانت آراء واصل ردَّ فعلٍ وسطًا، ذا مبدأ ثابت، على ذلك كله، وهو ردّ فعل يهتدي بالعقل والتعقُّل، لا يخالف القرآن، بل يفهم مقاصد آياته، وشمولية نظرته إلى الكون، وذم التقليد، والدعوة إلى النقد والتمحيص، والتأكيد على مسؤولية الإنسان الفردية.

ويظل واصل بن عطاء رجلَ سياسة ومناوَرَة، في المقام الأول، رغم محاولات بعض الباحثين تجريد مشروعه الفكري من السياسة، فما «المنزلة بين المنزلتيْن» إلّا منهجٌ سياسي قبل أن يكون كلاميا أو عقديا، بل هو المنهج الذي أخذ ينخر في جسم الدولة الأموية في شيخوختها، كاشفا عللها، مما سهّل مهمة العباسيين لاجتثاث تلك الدولة، العام 132 هـ، أي بعد وفاة واصل بنحو عام فقط.

ومما يؤسًف عليه، أن مؤلفات واصل لم يصل إلينا منها سوى عناوينها فقط، ولم يبقَ منها إلا بعض الرسائل والخُطب، ولو أن هذه المؤلفات كانت وصلت الينا، لعرفنا بصورة أوضح، طريقته في التفكير والجدل والتعقُّل، ولعرفنا سيرورة الخلاف العقدي والسياسي الذي اتّسمَت به تلك الفترة بالغة الأهمية في التاريخ الإسلامي، فترة أفول دولة ومولد دولة جديدة، لكن التعصب المذهبي عند البعض من أهل السنة، والتلاعب بالسياسة كان السبب في اندثار كتب المعتزلة، التي لم يسلم منها ويصل إلينا إلا القليل.

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: