ثقافة

عبيد عباس.. الأديب الجنوبى الذى هرب من البندقية ليعانق القلم

في زمن يبدو بعيدا الآن، كان الصبي عبيد عباس، يحمل البندقية لخاله بينما يعمل الخال في حقله بمركز دشنا الذي ينتميان إليه بشمال محافظة قنا.. وهو مركز مشهور بحزم أهله بالإضافة إلى شهامتهم ومروءتهم وسمعتهم في الثراء ولطف العلاقات فيه بين المسلمين والمسيحيين، ويضم داخله قرية السمطا المسلحة، والتي يهابها الناس ويتجنبون المرور بها لتوقعهم الخطر، وإن كان أهلها، كغالبية صعايدة الجنوب المصري، موفوري الخصال الطيبة.  

قلم لا بندقية

ربما تصور الخال حينها أنه يشد عزم الصبي ويعوّده على مواجهة الأعداء بقوة رادعة ويهيئه لصراعات الحياة الضارية، فلم يكن يدري بالطبع أن حمل السلاح مبكرا هكذا إما أن ينتهي بالتعلق به وإدمانه، وهو الاحتمال الأغلب، وإما أن يدفع إلى كراهية ثقله ومخافة نيرانه ورفض آثاره البشعة وهو ما حدث فعليا مع عبيد؛ إذ نما الصبي وكبر بيد لا تطيق سلاحا وروح وديعة مسالمة وعقل ألمعي منير وقلب محب للحياة وللناس.

ولد الأديب والشاعر المتميز عبيد عباس ونشأ في قرية أبي مناع بحري التابعة لمركز دشنا بمحافظة قنا في 16 أكتوبر من عام 1976 (43 عاما الآن) وانتقل للمعيشة في عاصمة محافظته بعد دراسته الجامعية هناك والعمل بالتدريس (حاصل على ليسانس الآداب والتربية- قسم اللغة الإنجليزية)، وتزوج وأقام في المدينة،

كتب عبيد عباس الشعر الفصيح بكافة أشكاله، وكتب المسرح الشعري بفيوض مدد من شاعريته الباذخة فأجاده وتفوق فيه، وكتب القصة القصيرة أيضا، صاغ فرائده كلها بطريقته التي لا تشبه أحدا ولا يستطيع أن يشبهها أحد مهما جد واجتهد، والأهم أنه أحب «عملية الكتابة» نفسها محبة خالصة، عشق الأقلام والأوراق والانكفاء على المنضدة بهما وكيبورد الكمبيوتر وانحناءة ظهره عليه كاتبا ومراجعا أطروحاته، وأحب السينما للغاية، ومع أفلامها العالمية المهمة وجد عزاء نفسه في واقع الأيام الحزين، وأقبل على تأمل الوجود وعلى القراءة الكثيفة المنوعة، وقد اتجه مؤخرا، بقوة، إلى نقد التشدد الديني وتفنيد آراء المتشددين قديما وحديثا، منتصرا للرؤى التقدمية ومقدما المودة على البغضاء والرحابة على الضيق وآخذا بالرخص والأعذار، ومؤمنا بسعة رحمة الإله وبالمفاجآت السارة التي عنده للعباد..

هناك.. فى الجنوب

ينشر أعماله الجديدة في الدوريات المصرية والعربية المتخصصة الكبرى وفي صفحته بالفيسبوك، ويشارك في الفعاليات الأدبية والثقافية بمصر والعالم العربي قدر الإمكان، وفي مشواره القيم الغني تولى رئاسة أندية أدبية، وحمل مسؤوليات إدارية واستشارية كان آخرها بيت الشعر بالأقصر، ونال عضوية الأمانة العامة لمؤتمر أدباء مصر، وحصد جوائز كبرى. هو يحاول الابتعاد عن الأعمال الروتينية متفرغا للإبداع ومكتفيا بأعباء الوظيفة الحكومية لأنها دخله الوحيد؛ لكنه ينجح ويخفق.

آثر البقاء في جنوبه المصري وكلما فكر في الانتقال بحياته إلى القاهرة، أكبر أحلام المبدعين والمثقفين، وجد منطقا يرده عن التفكير في المسألة ويقينا يبقيه حيث أرادت الأقدار له من البداية أن يكون.

يحبذ جلسات الحوار الشامل مع الأصدقاء في المقاهي، وإن غاب عنها فربما لانشغاله بأغان إنسانية وعاطفية مدهشة ينتقيها من التاريخ ويحتفل بسماعها وحده، أو متابعة شؤون أولاده الصغار، أو تأدية واجبات أسرية وعائلية يحرص عليها ويتمسك بها..

يتفوق عبيد عباس إنسانيا كما يتفوق كمبدع؛ فهو شديد الكرم، متقدم الخطو في حادثات رفاقه وأزماتهم، متكلم متدفق عذب، وبسيط وصادق ومختلف.

من قصائده

من قصيدته (نهر الضِّياء) في المديح النَّبويِّ:

ميزانُك العلم والأخلاقُ لو جُمِعَا

في الأرض؛ صار السَّلام المحضُ يختالُ

وكادت النَّاس أن تغدو ملائكةً

تمشي على الأرضِ لا غِلٌّ وأغلالُ

لأنَّهم باسمِكَ الميمونِ إنْ دخلوا

في نهرِ حبِّكَ صاروا الماءَ فانسالوا

ومن قصيدته (ممفيس.. وكونشيرتو الجحيم):

دقَّت طبول الزَّيف يا ممفيسُ

واشَّابه الزِّنديقُ والقدِّيسُ

لا هدهدُ الإشراقِ لاح بليلنا

يومًا، ولا بصُرت به بلقيسُ

متأرجحون فكلُّنا الجلَّاد والْ

مجلودُ، والوطنيُّ والجاسوسُ!

ومن قصيدته (شاهنامة):

أخناتون هنالك في المحرابِ يصلِّي للشَّمس

فمن سيرُدُّ جموعَ الحِيثيِّين؟ ..

يترجم كهَّان المعبدِ برديَّة عام الفيلِ

إلهٌ للبيتِ سيرسلُ طيراً؛

فانسحبوا للخلفِ قليلاً

وانتظروا..

***

إبداع غزير

أصدر عبيد عباس عددا من الأعمال تنوعت بين الديوان الشعرى والمسرحية الشعرية والقصة القصيرة ذكر منها

 ديوان «الخروج عن النص» و ديوان «ربما يوما أقابلكم ولا ألقى السلام» والمسرحية الشعرية «أمير الصعاليك» عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة وديوان «الشارع» عن مؤسسة أخبار اليوم  وديوان «حلم طفولى» للأطفال و المجموعة القصصية «حذاء فان جوخ القديم»ـ عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة

حاصد الجوائز

حصل  عبيد عباس على عدة جوائز مصرية وعربية فى شعر الفصحى والمسرح الشعري منها:

ـالجائزة المركزية الكبرى لهيئة قصور الثقافةـ القصيدة المفردة و جائزة الشارقة في المسرح (مسرحية شعرية)ـ لمركز الأول 2009 و جائزة الشارقة في المجموعة القصصية (مجموعة حذاء فان جوخ القديم) 2016 وجائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في الشعر عام  2009 و جائزة كتاب اليوم في الشعر عن ديوان «الشارع» 2010 وجائزة فلسطين للإبداع الثقافي 2012وجائزة البردة العالمية 2012 وجائزة الدولة القطرية 2013 وجائزة دبي الثقافية في المسرح 2013.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق