منوعات

حين انتصر الجنوب(2): معركة «وادي المخازن» التي أنهت الإمبراطورية البرتغالية

بخطى ثابتة، صعد ملك المغرب عبد الملك درجات قصره ومقر قيادته المعروف بالقصر الكبير فى مراكش حتى بلغ قمته، ثم أشرف من علٍ على قواته المنتشرة حول القصر.

أخذ الملك يفكر فيما هو وجيشه مقبلون عليه، في ظل ما تواتر من أنباء عن اقتراب جيش البرتغاليين من منطقة وادي المخازن القريبة من القصر.

استنشق عبد الملك نسيما شعر وكأنه جاء من البحر، ذلك البحر الذي أتى بالغزاة، والذي كان حتى وقت قريب خاضعا  لسيطرة المسلمين، سواء من المماليك أو بني عثمان الذين سيطروا تماما على طرق التجارة.

تساءل الملك كيف تبدّل الحال، وكيف بات هولاء الذين خضعوا لسنوات لسلطان المسلمين في الأندلس يتجرأون على غزو بلاده؟

عاد عبد الملك بالذاكرة إلى نقطة إعتبرها بداية هذا الأمر كله، إلى ذلك اليوم من عام 1509م حين استغاث سلطان غوجارات في الهند بسلطان المماليك قنصوه الغوري إثر تعرضه لغزو الأسطول البرتغالي.

قنصوه الغوري

هب الأسطول المملوكي لنصرة غوجارات ولحماية الموانيء المملوكية في الطريق إلى الهند من السقوط في يد البرتغاليين، وكانت الغلبة فى بادىء الأمر لهذا الأسطول بقيادة الأمير حسين الكردي.

لكن خيانة وقعت من أحد حكام الهند، يسرّت للبرتغاليين تحطيم الأسطول المملوكي في موقعة ديو البحرية، لينفردوا منذ ذلك الحين بالطريق البحري الموصل للهند ولتقع الموانيء في يدهم واحدا تلو الآخر.

لوحة تمثل معركة وادي المخازن، متحف فورت دا بونتا دا بانديرا، لاغوس، البرتغال.

أخذ عبد الملك يفكر في أعدائه الذين لم يكتفوا بما استولوا عليه من الموانيء وطرق التجارة، ولكن هاهم الآن يسعون لاحتلال بلاد المغرب التي كانت ولازالت منافساَ رئيسياَ لهم. أطبق على أسنانه غضباَ وهو يتذكر من جاء بالأعداء ،وبهذه المعركة إلى أرض المغرب، وتمتم مثلا شائعا عن ظلم ذوي القربى حين تذكر أن ابن أخيه محمد الشهير بـالمتوكل على الله هو من إستدعى هولاء الغزاة واستنجد بهم.

تنهد عبد الملك وهو يسترجع عهد إبن أخيه كحاكم على بلاد المغرب، تذكر عنفه واستبداده ورغبته في العصف بأقرب الناس إليه، إخوته الذين لم يتورع عن قتل واحد منهم وسجن آخر. بل إنه هو ذاته (عبد الملك، وأخوه أحمد) كانا على وشك أن  يصبحا من ضحايا المتوكل، لولا أن استنجدا بالسلطان العثماني الذي أمدهما بجنود من الجزائر مهدت لهما طريق العودة والسيطرة على كل من مراكش وفاس، التي عهد بها عبد الملك إلى أخيه أحمد، ثم استقر هو في مراكش وباشر الحكم من هناك.

لم يدر بخلد عبد الملك أن يستعين ابن أخيه بالأوروبيين عليه، حيث لجأ إلى ملك إسبانيا فرفض طلبه، لكنه وجد القبول والإجابة لدى ملك البرتغال سباستيان، بعد أن وجد هذا الأخير في استغاثة المتوكل به فرصة للسيطرة على المغرب وتوسعة ملكه والإمبراطورية التي ورثها عن أسلافه.

خدعة عظيمة

مد عبد الملك بصره إلى الأمام وهو يحاول أن يتخيل شكل جيش الأعداء القادم لملاقاته. كان يدرك تماما أنه لا يواجه البرتغاليين فحسب ،وإنما جيشا أوروبيا كاملا، يضم إلى جانب جنود البرتغال الذين يزيد عددهم عن المائة ألف، عشرين ألف إسباني وثلاثة آلاف ألماني وسبعة آلاف إيطالي، ناهيك عن بضع مئات يقودهم المتوكل الذي بات حليفهم وجزءا من جيشهم طمعا في استرداد ملكه.

ابتسم عبد الملك وهو يتذكر رسالته التي أرسلها إلى سباستيان بمجرد علمه بأن أسطول هذا الأخير رسى في طنجة ثم واصل سيره إلى مدينة «أصيلا». استعاد رسالته التي تحدى فيها سباستيان أن يلقاه وجها لوجه كالرجال، مدركا أنه نجح في مسعاه في استدراج ملك البرتغال لملاقاته بعيدا عن الساحل.

التفت عبد الملك إلى جانب القصر فوجد أن جموع المتطوعين لازالت تتوافد على معسكره للمشاركة في المعركة المقبلة، ولا عجب في ذلك فقد سرى نداء الجهاد في كافة أنحاء بلاد المغرب ونادى المنادون «إقصدوا وادي المخازن للجهاد في سبيل الله».

كان عبد الملك يدرك تماما- كهولاء المتطوعين -أنهم بصدد معركة مصيرية ستحدد مستقبل الأمة ككل لا بلادهم فحسب.

قطع رسولٌ حبل أفكار عبد الملك حين وصل ومعه رسالة عاجلة تفيد أن سباستيان قد وصل إلى جسر وادي المخازن. فكر عبد الملك للحظة ثم أبلغ الرسول ما عليه نقله لأخيه أحمد المنصور الذي كان يقود جنود فاس. أكد عبد الملك على الرسول أن يبلغ أخاه أن يستغل ظلمة الليل لنسف قنطرة جسر وادي المخازن، فالوادي لا معبر له سوى هذه القنطرة.

انحنى الرسول أمام مليكه وانطلق لتبليغ الرسالة، عاد عبد الملك إلى استطلاع مسرح المعركة، ثم تنهد مفكراَ «إن هي إلا ليلة، يلتقي بعدها الجمعان، وإن غداَ لناظره قريب».

معركة الملوك الثلاثة

الزمان: الاثنين 4 أغسطس 1578م..والمكان: وادي المخازن، حيث انتظمت صفوف كلا الجيشين في ساحة المعركة. ورغم التفاوت الواضح في العدد والعتاد ،حيث لم يزد عدد جنود المغرب عن أربعين ألفاَ، إلا أن عبد الملك كان واثقا من النصر الآتى، وأخذ يخطب في جنوده مطالبا إياهم بالثبات في المعركة.

وبعد أن أطلق كلا الجيشين دفعة من نيران المدافع، حمل جيش المسلمين على البرتغاليين، وبدأ التراجع في صفوف جند سباستيان.

وبقي عبد الملك يشرف على سير المعركة، إلا أن ألماً ألم به، فلجأ إلى خيمته، وهناك أدرك دنو أجله، فأكد على كل من حاجبه وأخيه أحمد أن يكتما الخبر إن وقع، حتى لا يؤثر ذلك على معنويات الجنود.

وبالفعل، لم تزد وفاة عبد الملك أخاه أحمد المنصور إلا إصراراَ على إحراز النصر ،فحمل بمن معه من جنود فاس على العدو وأشعلوا النار في باروده، وبدأوا يحصدون البرتغاليين قتلى وجرحى.

وعبثاَ، حاول سباستيان الصمود بمن معه إلا أنه لقي مصرعه في قلب الميدان، وتبعه حليفه المتوكل الذي حاول الفرار فغرق في نهر وادي المخازن.

وبعد معركة دامت أكثر من أربع ساعات، بدا المشهد واضحاَ، فقد تراجع جيش الغزاة وفقدت الإمبراطورية البرتغالية جيشها وملكها وكبار قادتها وحليفها في أرض المغرب.

وبات المؤرخون يشيرون إلى معركة «وادي المخازن» باسم معركة «الملوك الثلاثة»، حيث شهدت نهاية كل من عبد الملك وسباستيان والمتوكل.

مجسم لمعركة «وادي المخازن»

كانت المعركة وبالاً على مملكة البرتغال، إذ تهاوت قوتها العسكرية ولم يبق من العائلة المالكة سوى شخص واحد، وما هي إلا بضع سنوات حتى ضمت إسبانيا البرتغال إلى ملكها.

أما في بلاد المغرب فورث أحمد المنصور عرش أخيه، وبقي هذا النصر محفورا في ذاكرة الأجيال حتى جاء غزاة جدد إلى تلك الأرض هم الإسبان، وتلك قصة أخرى.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق