فن

صاغ بداية حليم الحقيقية واشتكته أم كلثوم للقضاء: محمد الموجي.. ملحن جدد شباب الموسيقى

فى أحد أيام عام  1951 وبينما تنتظر مصر مخاض ثورتها الكبيرة على الأسرة العلوية، كان الملحن الناشىء محمد أمين محمد الموجى يسير  بصحبة صديقه المؤلف الغنائى الشاب المبتدىء أيضا سمير محجوب وإذا بهما يسمعان صوتا جديدا يحمل طابعا غنائيا مختلفا ينطلق من أحد أجهزة الراديو النادرة فى ذلك الوقت.، وأصر الشاب محمد الموجى على معرفة اسم مطرب الأغنية ومؤلفها وملحنها، وبعد أن انتهت الأغنية عرف الموجى وصديقه أن المطرب هو عبد الحليم حافظ وأن ما غناه كان قصيدة «لقاء» للشاعر صلاح عبد الصبور من تلحين كمال الطويل

ثنائى حليم والموجى

كان محمد الموجى يعمل آنذاك ملحنا فى الإذاعة المصرية بعد أن استقال من وظيفته الحكومية بمصلحة الأملاك الاميرية  التى كان  قد عُين بها بعد أن حصل على دبلوم الزراعة. انطلق محمد الموجى في اليوم التالي إلى مكتب رئيس الإذاعة آنذك  حافظ عبد الوهاب ليسأله عن ذلك المطرب الجديد الذى سمعه يغنى قصيدة لقاء، ليتعرف بعدها الموجى على عبد الحليم، ليصنعا لنا بعد ذلك ثروة غنائية رائعة.

 يوصف محمد الموجى بأنه كان  واحدا من المجددين الكبار فى الموسيقى العربية، ومن محاسن الصدف أن تزامنت بداياته هو وعبد الحليم حافظ وكمال الطويل مع ثورة يوليو. وكما كانت ثورة يوليو، ثورة على القديم الفاسد، فقد كانت هناك بموازاتها ثورة أخرى فى الموسيقى والغناء على النمطى والتقليدى. وكان الموجى فى طليعة أولئك المجددين فى الغناء باعتماده على عناصر حديثة فى التكوين النغمى والإيقاع والآلات، كما اعتمد فى ألحانه على المقدمات الموسيقية، مبتعدا عن  التطريب الذى كان سائدا فى النصف الاول من القرن العشرين، وهو الأمر حاول الموسيقار محمد عبد الوهاب فى ألحانه أن يتخلص منه.

 أخذ الموجى كلمات «أغنية صافينى مرة» التى ألفها صديقه سمير محجوب ليذهب بها إلى صديقه الجديد عبد الحليم حافظ .ووضع الموجى لحنها وغناها عبد الحليم لأول مرة فى مسرح حديقة الاندلس بالأسكندريةـ لكن جمهور عروس البحر المتوسط لم يتفاعل معها بالشكل المأمول، إلا أنها حققت نجاحا هائلا حين غناها عبد الحليم بعد ذلك بوقت قصير فى القاهرة عام 1954، وهو النجاح الذي لم يتوقعه الموجى ولا حليم، لتكون «صافينى مرة» بداية الانطلاقة الحقيقية والكبرى للعندليب الأسمر.

ومن المؤكد أن عبد الحليم ومنذ النجاح الساحق لأغنية صافينى مرة، أدرك أن الموجى سيكون تميمة نجاحه المدوى، فأصبح يشكل معه ثنائيا غنائيا متفردا، ليبلغ عدد الأغنيات التي لحنها الموجى لعبد الحليم حفاظ، 54 أغنية، تنوعت بين العاطفى والوطنى والدينى، نذكر منها على سبيل المثال «حبك نار –يا حلو يا اسمر – يا مواعدنى بكرة- كامل الأوصاف –رسالة من تحت الماء –لفى البلاد يا صبية، وأخيرا «قارئة الفنجان» التى ودع بها عبد الحليم  جمهوره عام 1976  قبل أن يرحل فى أواخر مارس عام  1977 وكأن القدر لعب لعبته لتصبح بداية حليم الحقيقية مع الموجى وتكون آخر اغنياته أيضا مع الموجى.

الموجى وثومة.. قصة طريفة

أدركت كوكب الشرق أم كلثوم أن ألحان الموجى هى تميمة نجاح لأى مطرب، لذا سعت للعمل معه، وكان طبيعيا أن يرحب الموجى، فمن ذا الذى لا يرحب بالعمل مع أم كلثوم فلحن لها «للصبر حدود» عام 63 و«إسال روحك» عام 70، كما لحن لها «حانة الأقدار» و«الرضا والنور» و«يا صوت بلدنا» و«يا سلام ع الأمة» و«أنشودة الجلاء».

وهناك واقعة طريفة حدثت بين أم كلثوم والموجى .فقد أعطته كلمات “للصبر حدود ” لكى يلحنها سريعا كما طلبت، فأخذ الموجى كلمات الأغنية واختفى ومرت أيام دون أن يتصل بكوكب الشرق ليقول لها  أى شىء عن اللحن، وطالت مدة الاختفاء  فقررت أم كلثوم أن ترفع دعوى قضائية ضد الموجى، وذهبا إلى المحكمة وسأل القاضى الموجى عن سبب عدم قيامه بتلحين الأغنية فأجابه: سيدى القاضى أحكم على بالتلحين ،ففهم القاضى ما يقصده الموجى بأن الإبداع لا يكون بحكم قضائى، وفهمت أم كلثوم فخرجت تضحك وتتحدث مع الموجى وكأن شيئا لم يحدث ،وأبدع بعدها الموجى لحن “للصبر حدود كأروع ما يكون.

مشوار طويل

تسابق كبار المطربين والمطربات للظفر بألحان الموجى الذى لحن أكثر من 700 أغنية طوال مشواره الفنى الحافل، فلحن لفايزة أحمد «انا قلبى إليك ميال» – و«يامة القمر ع الباب»- «بيت العز»- «يا لاسمرانى» – «من الباب للشباك»، كما لحن للمطربة «وردة»، «عايزة أحب» –«مستحيل» –«لازم نفترق»- «أكدب عليك»- أهلا يا حب- سبحانه رب الوجود – و«يا رب». كذلك لحن لنجاة الصغيرة، وصباح وماهر العطار وهانى شاكر وعلى الحجار وعزيزة جلال وميادة الحناوى وطلال مداح وغيرهم من المطربين المصريين والعرب، ولحن للسندريلا سعاد حسنى «مانتش قد الحب يا قلبى» كما لحن أوبريت صغيرة على الحب ووضع الموسيقى التصويرية والألحان لعشرات الافلام والمسلسلات مثل «أميرة حبى أنا»- ابنتى العزيزة –عمر بن عبد العزيز –ألف ليلة وليلة.

ومن المهم هنا أن الإشارة إلى أن محمد الموجى جرّب الغناء فى بداية حياته وتقدم لاختبارات الإذاعة لاعتماده مطربا، لكن لجنة الاختبار رأت فيه ملحنا عبقريا لتهدينا موسيقارا كبيرا ومجددا. كما خاض الموجى تجربة التمثيل، فمثّل فى ثلاثة أفلام هى «رحلة غرامية»- «انا وقلبى»- «العزاب الثلاثة». وفى الأول من يوليو عام 1995 رحل محمد أمين محمد الموجى الشهير بمحمد الموجى ابن مركز بيلا بكفر الشيخ عن دنيانا عن عمر ناهز الثانية والسبعين، إذ كان قد ولد في الرابع من مارس عام 1923، تاركا كنزا كبيرا من الألحان التي ستبقى في ذاكرة الموسيقى العربية.. رحمه الله

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق