منوعات

«بوغوص بك».. الأرمني الذي أفلت من مشنقة محمد علي ليصبح وزير خارجيته

في مدينة «تريستي» عاصمة منطقة «فريولي فينتسيا جوليا» شمال شرق «إيطاليا» حطَّ الفتي الأرمني «بوغوص يوسيفيان» رحاله على شاطئ البحر «الأدرياتيكي» ممنيا النفس بتحقيق الأرباح من العمل بالتجارة.. تمضي الأمور به على خير ما يرام، لكنه يضطر قبل انقضاء العام إلى العودة إلى «أزمير» مسقط رأسه ليكون إلى جوار والده في مرضه.. يموت الوالد بعد أن يُلقي في روع ولده أن وجهته القادمة يجب أن تكون مصر.. وتحقيقا لرغبة الوالد يقصد الشاب أرض النيل، ويستقر به المقام في مدينة رشيد ملتزما على جمركها.

مدينة تريستي الإيطالية

قضي «بوغوص» سبع سنوات في عمله برشيد جانيا الأرباح، سعيدا بالإقامة في المدينة الهادئة ،التي تنام على ضفاف النيل في حضرة البحر المتوسط..لكن الأمور تعقدت بقدوم الحملة الفرنسية، ما جعله يغادر مجددا إلى «أزمير» ليلحقه خاله «آركيل» بوظيفة مترجم بالقنصلية البريطانية. ورغم استقرار الأحوال إلا أن شغفه بمصر جعله يعود إليها ثانية،فكان وصوله إلي ميناء الإسكندرية مطلع عام 1800، وكانت الأحداث في المحروسة ماتزال فوق صفيح ساخن.   

التحق «بوغوص» بالعمل مترجما لدى ضابط بريطاني كبير يدعى «سيدني سميث» حتى عام 1802، ثم مترجما لدى خسرو باشا؛ فخورشيد باشا، كما التحق فيما بعد بخدمة محمد علي باشا كمترجم أيضا.

Related image

سيدني سميث

أمر بالإعدام

استطاع «بوغوص» أن يصبح ملتزما على جمرك الإسكندرية مقابل خمسين كيس كل كيس به خمسمائة قرش يؤديها للإدارة. لكن محمد علي طلب منه في عام 1810 أن يرفع المبلغ إلى خمسمائة كيس سنويا لمدة خمس سنوات، وتردد  بوغوص في القبول، لكن محمد علي طمأنه بأن الحركة التجارية ستتضاعف في جمرك الإسكندرية بعد إتمام حفر ترعة المحمودية، وأنه يضمن له الربح، كما تعهد بإكمال المبلغ له من ماله الخاص إذا قل دخل الجمرك عن خمسمائة كيس سنويا، على أن تقتسم الأرباح بين الطرفين.

 وكان من ضمن الاتفاق أن يعين محمد على مراقبا لحسابات الجمرك، وقد جرت الأمور على نحو رائع لمدة ثلاث سنوات؛ إلى أن وشى المراقب بالخواجة مدعيا «أنه قبض مبلغًا لم يدونه في دفاتره»، فاستدعاه محمد علي وكان يومئذ في دمياط، وحاكَمه فأثبت الواشي دعواه بالحساب.

مدينة رشيد أواخر القرن الثامن عشر

«فَلْيُسق من قدميه» صرخ محمد علي بتلك الجملة التي تردد صداها في جنبات القصر، وكانت هذه العبارة تعني حكم الإعدام الفوري. وتشاء الأقدار أن يوكل أمر إعدام «بوغوص» إلى كبير الحرس، وهو رجل كردي، كانت لـ «بوغوص» عليه يدٌ فيما مضى عندما أنقذه من الموت.

اقتاد الرجل «بوغوص» وهو في شر حال، وبدلا من أن يذهب به إلى السجن، ذهب به إلى «دهبية» على النيل يملكها، وتركه وعاد.. وفي الصباح سأله الوالي عن «بوغوص» فأجابه: «أطال الله بقاءَ سمو مولاي». وما هي إلا أيام حتى بدأت تقارير الكُشَّاف في الورود حافلة بالتضارب وما يستعصي فهمه ويصعب فك رموزه.. وأمضي الباشا نهاره بين كتبته الذين أسقط في أيديهم أيضا.. فلما شق الأمر، وبلغ به الغضب مبلغا، صاح: «من لنا ببوغوص الآن… كيف أني قتلته؟»، وكان رئيس حرسه حاضرًا، فامتقع لونه واضطرب، فأدرك محمد علي ذلك، فقال له بغضب: «ادعه حالا» فلما أدخله عليه استقبله بوجه بادي البِشر، بينما كانت الدماء على وشك التجمد في عروق «بوغوص».

محمد علي

لم يُضع الباشا وقتا، إذ سرعان ما عرض عليه تلك المسائل المعقدة، ولم تمض الساعة حتى استطاع الرجل حل وفك رموز تلك التقارير، وإظهار ما بها من الخلل والتضارب، وبيان ما هو صحيح وماهو من قبيل التلاعب.. تهللت أسارير الباشا فأمر بطعام وجلس ليأكل مع «بوغوص» بعد انصراف الكتبة.

حلَّال المشاكل

لم يكن حل المعضلات المالية هو ما امتاز به «بوغوص» فقط، فامتيازه الأول كان في إجادته لعدد من اللغات منها الأرمنية والتركية واليونانية والإيطالية والفرنسية، لذلك لم يستطع محمد على الاستغناء عنه طوال ثلاثة عقود عمل فيها مترجما ومستشارا وفيلسوفا له وناظرا للتجارة والأمور الإفرنجية. لذلك فهو يعد أول وزير خارجية للدولة المصرية الحديثة، كما كان أول غير مسلم يمنح رتبة «بك» بعد أن رقّاه الباشا إلى رتبة الفريق. وكان الباشا كثيرا ما يردد «إن بوغوص هو الرجل الوحيد الذي أثق به كل الثقة واعتمد عليه كل الاعتماد».

ويذكر الدكتور جمال الدين الشيال في كتابه «تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عهد محمد علي» أن “بوغوص” بك  كان يُكلف بالعديد من الأمور في شتى المجالات ،نظرا لمعرفته الواسعة بطبيعة العلاقات السياسية بين الدول الأوروبية ،وما يفرضه ذلك من ضرورة التعامل الحذر مع كل دولة على حدة ،بما يحقق مصالح الدولة المصرية. فنراه يُكلف من قبل الباشا بإرسال هدية إلى مدير الترسانة البحرية بـ “تولون” بفرنسا، ردا على إرساله عددا من الكتب في مجال العلوم البحرية وإنشاء السفن، ونراه يُكلف أيضا بمتابعة الطلاب العائدين من البعثات الدراسية في فرنسا ،والتنبيه عليهم بسرعة إنهاء أعمال الترجمة المكلفين بها.

 كما يشير الدكتور جمال إلى طلبات قُدمت اليه، لتوفير خرائط لمنطقة الفرات الأعلى بالعراق، وحوالات بريدية باسمه لتغطية نفقات البعثات التعليمية في فرنسا. كما أنه قاد الدبلوماسية المصرية في المفاوضات عقب انتهاء الحرب بين مصر والدولة العثمانية، فيما عُرف بصلح «كوتاهية» عام 1833، الذي عُدَّ بمثابة اللبنة الأولى على طريق استقلال مصر عن الدولة العثمانية..

ومن الطريف أن محمد علي لم يحدد راتبا له، بل قرر أن يترك له الأمر ليأخذ من أموال الدولة التي كانت تجري تحت يديه ما يشاء، لكن «بوغوص» لم يأخذ سوى ما يقتات به وهو أقل القليل. والمعروف أنه لم يتزوج، ولم يكن له أقرباء بمصر، حتى استدعى ابن شقيقته «نوبار» الذي سيكون له شأن عظيم في السياسة المصرية، وسيكون أول رئيس وزراء في تاريخ مصر، وكان هذا الاستدعاء عام1842، أي قبل وفاته بعامين فقط.

نوبار باشا

وقد أولى «بوغوص» اهتمامه للجالية الأرمنية في مصر وخاصة في الإسكندرية، التي كان يقضي فيها معظم الوقت، إذ كانت مقرا لديوان الأمور الإفرنجية والتجارة، فتبرع بقطعة أرض كان يملكها لتقام عليها مدرسة مازالت قائمة إلى يومنا هذا، وتعرف بمدرسة «بوغوصيان». كما اهتم بإدخال عدد من الأرمن من أصحاب الكفاءة في وظائف الدولة مثل «آرتين بك تشراكيان» الذي خلفه في المنصب بعد وفاته، و«إسطفان بك دميرجيان» الذي تولى نفس المنصب بين عامي 1850-1853، وقد بلغ من سيطرة الأرمن على هذا الديوان أن أطلق الأجانب عليه آنذاك اسم الديوان الأرمني.

الأيام الأخيرة

وقد أورد «نوبار» باشا في مذكراته أن خاله قد عاش منطويا ومنزويا في صالون صغير لا يستقبل أحدا ولا يذهب إلى الوالي قبل أن يصلى صلاة قصيرة، وكأنه يدخل إلى قفص الأسد، وذلك بسبب تأثير الأحداث التي مر بها والمواقف الدموية التي كان شاهدا عليها وتركت آثارها في نفسه.كما ذكر أنه كان يقضي الليالي جالسا على كرسيه لا يغمض له جفن.

 لكن هناك من يرى أن كثيرا مما أورده «نوبار» يعد من قبيل المبالغة، إذ كيف لرجل على هذه الدرجة من الكفاءة في الإدارة وإنجاز الأعمال والمهام.. أن تكون حياته على هذا النحو؟

ويصف «نوبار» باشا في مذكراته أيام «بوغوص» الأخيرة قائلا: «وقد ارتبطت مكانة «بوغوص» في مصر بشخصية محمد علي؛ لذا عندما داهمت الباشا الشيخوخة ولم يعد قادرا على الإدارة، لم ينج أحد من كبار موظفي الدولة من سوء معاملة الحفيد عباس حلمي الأول وعلى رأسهم «بوغوص»، الذي أصيب بحالة اكتئاب شديدة امتنع على إثرها عن تناول الطعام والشراب حتى وافته المنية بمقر إقامته بالإسكندرية مطلع العام 1844، عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.

Related image

عباس حلمي الأول

وعندما علم محمد علي أن الجنازة تمت بدون مراسم عسكرية، هاج وأرسل خطابا إلى حاكم الإسكندرية ورئيس حاميتها يُوبخهما ويُهددهما لتغاضيهما عن إقامة جنازة عسكرية لـ«بوغوص» وأمر باستخراج الجثة وإعادة دفنها بمراسم عسكرية كاملة بأقصى سرعة.

ويضيف نوبار «لم يتم استخراج الرفات ،لكن أقيم قداس مهيب بالفعل حضره كل قوات الضباط، واصطف عسكر حامية الإسكندرية في حديقة الكنيسة بكامل أسلحتهم، بينما كان اللواء وضباطه كلهم داخل الكنيسة».

وعقب وفاته لم يجدوا لدى بوغوص بك، سوى تسعة عشر شلنا فقط، وأوراقا بيضاء ممهورة بختم محمد علي وتوقيعه كان قد تركها له لتصريف شؤون الدولة أثناء سفره إلى السودان، كما وُجد في صندوق خاص به سبعة عشر قيراطا من الماس كان محمد علي قد أعطاه إياها ليحفظها كأمانة عنده.

المصادر:

–     جورجي زيدان – تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر جـ1.

–     جمال الدين الشيال-تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي.

–     خالد فهمي –كل رجال الباشا محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة.

–     لطيفة محمد سالم –مذكرات نوبار باشا.

–     محمد رفعت الإمام – تاريخ الجالية الأرمينية في مصر.

–     محمد مبروك محمد -الإدارة المالية في عهد محمد علي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: