منوعات

حين انتصر الجنوب (3): هايتي.. أرض الأحرار

 التاريخ :الأول من يناير 1804 أتم القائد الهاييتي جان جاك ديسالين إرتداء بدلته العسكرية وهو يطالع صورته في المرآة، بدا على شفتيه طيف ابتسامة، فبعد لحظات سيتحقق رسمياَ ما قاتل هو وشعبه من أجله طويلاً.. استقلال هايتي.

أدار ديسالين وجهه نحو صورة لأستاذه وقائده الراحل توسان لوفرتير، أدى للصورة التحية العسكرية وهو يتمتم: أتمنى لو أنك تشاهدنا من العالم الآخر يا سيدي.

Image result for ‫جان جاك ديسالين‬‎

جان جاك ديسالين

جلس ديسالين يراجع خطابه الذي سيلقيه على مسامع شعبه في غضون ساعات، وشرد ذهنه بعيداً، أخذ يتذكر ذلك التاريخ الطويل الذي أدى إلى هذه اللحظة.

ماض أليم

بدأت القصة حين وطأ كريستوفر كولومبوس هذه الجزيرة الكاريبية عام 1492 م وضمها باسم العرش الإسباني الذي كان يعمل لصالحه وزاد على ذلك أن تنكر لاسم الجزيرة الأصلي «إيتي» وأسماها «هيسبانيولا» أي الجزيرة الإسبانية.

Image result for ‫كريستوفر كولومبوس‬‎

كريستوفر كولومبوس

وعلى مدار العقود التالية، لم يجد كولومبوس وسادتُه الإسبان أية غضاضة في إستعباد من استقبلوهم بالترحاب وحسن الضيافة. فقد أجبروا السكان الأصليين للجزيرة على العمل بالسخرة في المناجم لاستخراج الذهب، الذي كان الدافع والمحرك الأول لرحلة كولومبوس، والذي تدفق من الكاريبي والأمريكتين على خزائن إسبانيا.

وبسبب ظروف العمل القاسية للغاية والأمراض التي جلبها الأوروبيون معهم، والتي لم تكن معروفة فى الجزيرة من قبل، تزايدت الوفيات في صفوف السكان الأصليين حتى شارفوا على الفناء.

قسمة الأشرار

ولم تتحسن الأوضاع حين سيطر الأسطول الفرنسي على الجزيرة بدءا من عام 1630، إذ سرعان ما تقاسم الفرنسيون والإسبان أرض الجزيرة، وحدد كل منهما مناطق نفوذه فيها واعتبرا نهر «ريبوك» الحد الفاصل بينهما.

وخلال أقل من قرن من الزمان، حوّل الفرنسيون مناطق نفوذهم التي سميت بـ «سانت دومينيك» إلى أضخم مزرعة في الكاريبي لانتاج قصب السكر والكاكاو والبن والقطن وغيرها من المنتجات، التي استلزمت زراعتها جلب سفن محملة بالعبيد من القارة الإفريقية.

تمثال القائد ديسالين

قسوة واستغلال

وبحلول عام 1789 الذي شهدت فيه فرنسا ثورتها الشهيرة قُدّر عدد الرقيق الذين جلبتهم فرنسا بنحو نصف مليون شخص. كان نظام الاستغلال الفرنسي لموارد سانت دومينيك شديد الصرامة، فكافة منتجات الجزيرة يجب أن تُباع لفرنسا وحدها، وفي الوقت ذاته فلا ينبغي أن تشتري الجزيرة أي سلع من أي طرف آخر سوى فرنسا.

وبعيداً عن الاستغلال الاقتصادي، وفي خطوة ستكررها فرنسا لاحقا في الجزائر، قرر الفرنسيون تحويل استعمارهم لسانت دومينيك إلى استعمار إستيطاني حيث جلبوا سكانا بيض من «البلد الأم» وأقطعوهم أراض، وكان لكل منهم الحق في امتلاك العبيد من ذوي البشرة السمراء.

من معارك الثورة

نسائم الحرية

لكن اندلاع كلا الثورتين الأمريكية (1776) والفرنسية (1789) ألهب خيال العبيد وبدأوا يتهامسون بإمكانية نيل حرية بلادهم.

ابتسم ديسالين وهو يتمتم «كم كنا سذجاً»، وهو يتذكر كيف سعى السود إلى نيل حقوقهم بشكل سلمي عن طريق الجمعية الوطنية (البرلمان) في فرنسا، متصورين أن مباديء الحرية والإخاء والمساواة تنطبق عليهم أيضاً، ليأتيهم الرد الصادم من برلمان «البلد الأم»: «أنتم لستم جزءاَ من الأمة ومن العبث أن تطالبوا بحقوقكم في جمعية تمثل الشعب الفرنسي».

تنهد ديسالين وهو يتذكر كيف دفع هذا الرفض بني جلدته من السود للتمرد على فرنسا، تذكر المحاولات الأولى للثورة عام 1790 بقيادة الشاب جيمس أوغي الذي قاد نحو 300 من السود وكيف قاتل قتال الأبطال حتى تم أسره وإعدامه.

ولأن الثورات لا تموت بموت قادتها، كان من الطبيعي أن يلهم تمرد أوغي قائداً آخر هو الزعيم الديني بوكمان الذي عقد اجتماعا في 14 أغسطس عام 1791 محرضا العبيد على الثورة.

ردد ديسالين كلمات بوكمان التي حفظها عن ظهر قلب: «إن إله الرجل الأبيض يدعوه إلى إرتكاب الجرائم ،أما إلهنا فيطالبنا فقط بالأعمال الجيدة، ولكن هذا الإله يدعونا أيضا إلى الانتقام وسيوجه أيدينا وسيساعدنا».

سرت دعوة بوكمان كالنار في الهشيم، هب آلاف العبيد وهاجموا قصور سادتهم من البيض، وفي غضون أسبوع لا أكثر كان عدد الثوار قد بلغ مائة ألف ثائر.

وللمرة الثانية، تمكنت القوات الفرنسية من أسر قائد الثورة وإعدامه، إلا أن هذه الخطوة ما كانت لتغير من الأمر شيئاً، فقد  انطلقت شرارة الثورة وباتت واقعاً ملموساً.

قائد جديد.. ومؤامرة خبيثة

التفت ديسالين مرة أخرى إلى صورة لوفرتير، تذكر عبقرية قائده العسكرية وكيف تمكن من استغلال الحرب التي كانت رحاها دائرة بين بريطانيا وفرنسا وسخرها  لصالحه.

القائد لوفرتير

فبحلول عام 1794 كان لوفرتير، القائد الجديد للثورة، قد حشد قوة من نحو أربعة آلاف مقاتل وعلى عكس التجارب السابقة كانت هذه القوة مدربة ومجهزة لخوض المعارك الحربية.

وبحلول العام التالي كانت إسبانيا قد تخلت عن مناطق نفوذها في الجزيرة لفرنسا، وهو ما دفع لوفرتير لمواصلة القتال بشكل أكثر ضراوة.

ابتسم ديسالين وهو يسترجع بفخر كيف كان جيش لوفرتير الذي كان جزءا منه يوجه الضربات تلو الضربات للقوات الفرنسية، وكيف إضطر الفرنسيون بحلول عام 1798 للتخلي عن جزيرة هايتي.

لم يستطع ديسالين منع نفسه من التأثر وهو يتذكر تلك الأيام المجيدة التي عاشها مع لوفرتير على مدار العامين التاليين، تذكر إعلان دستور الجزيرة ومصادرة أملاك الفرنسيين الذين فروا من هايتي.تذكر كيف عاشت الجزيرة لأول مرة دون أجانب على أرضها يستبيحون مواردها ويستعبدون أهلها.

راجع ديسالين فقرة في خطابه تشير إلى القائد الفرنسي نابليون، تذكر ديسالين كيف لم يطق الجنرال الفرنسي أن يقارن لوفرتير به، فكيف يقارن «بطل» فرنسا برجل أسود؟

Image result for ‫نابليون بونابرت‬‎

نابليون بونابرت

شرد ديسالين مرة أخرى وهو يسترجع مشهد الأسطول الضخم الذي أرسله نابيلون بقيادة  شقيق زوجته «تشارلز ليكليرك» لاستعادة الجزيرة وكان يضم خمسة وعشرين ألف مقاتل.

كان سحق الثورة مطلب أكثر من طرف، فإلى جانب فرنسا كانت هناك الولايات المتحدة، تلك القوة الجديدة التي برزت على المسرح العالمي والتي كان قادتها يخشون أن تُلهم هايتي العبيد السود في بلادهم فتدفعهم للثورة هناك أيضا. فكان من الطبيعي أن ترفض واشنطن الاعتراف بالجمهورية الجديدة في هايتي، وأن تدعم جهود نابليون لاستعادتها وإن لم تخاطر بالتدخل عسكريا فى هذا النزاع.

أضاف ديسالين فقرة إلى خطابه عن حملة ليكليرك التي -ورغم تقدمها في باديء الأمر – إلا أنها وبعد أربعة أشهر من القتال المتواصل لم تحقق غايتها بفضل صمود لوفرتير وجيشه والشعب خلفهما.

 توقف ديسالين عن الكتابة للحظة، بعد أن شعر بغصة وألم، وهو يتذكر كيف لجأ الفرنسيون إلى الغدر حين أدركوا عجزهم عن حسم المعركة. فكان أن بعث الجنرال الفرنسي برونيت رسالة للوفرتير يدعوه فيها للتفاوض ولبى القائد الهاييتي الدعوة مفترضا أن أعداءه سيلتزمون بالشرف العسكري، إلا أنه فوجيء لدى وصوله لمكان الاجتماع بأن الأمر برمته كمين نُصب له والغرض منه أسره.

بقي لوفرتير ثابتا وسخر من أعدائه قائلا: «لقد قطعتم جذع شجرة الحرية السوداء فقط ،ولكنها سترتفع مرة أخرى من جذورها».

ثورة العبيد

معركة النصر

نهض ديسالين ونظر إلى نفسه في المرآة باعتزاز، تذكر كيف حمل لواء الثورة بعد أسر لوفرتير وكيف إضطر ليكليرك إلى طلب مزيد من الجنود من نابليون .

استعاد ديسالين  صورة وصول عشرين ألف جندي فرنسي لنجدة ليكليرك، أغمض عينيه في ألم وهو يسترجع جرائمهم  الوحشية ضد الثوار السود ،والتي وصلت إلى حد  اغتصاب النساء .

ورغم ذلك، لم تحقق الإمدادات ولا الجرائم أي إنجاز يذكر لفرنسا، بل خسرت هذه الأخيرة أربعين ألفاً من جنودها ،سواء في ميدان المعركة أو بسبب إنتشار الأمراض.

تأمل ديسالين سيفه بزهو وهو يتذكر كيف تمكن مع جنوده من سحق الجيش الفرنسي في المعركة الأخيرة والحاسمة من الحرب، وكيف إضطرت فرنسا لأول مرة في تاريخها، وتحديداً في نوفمبر من عام 1803 للاستسلام لمن استعبدتهم يوماً.

ضحك ديسالين وهو يفكر كيف انتهت أسطورة نابليون، لا على يد قوة استعمارية منافسة له كإنجلترا أو إسبانيا، وإنما على يد قائد أسود. وبحلول الثامن والعشرين من نوفمبر عقدت فرنسا معاهدة اعترفت فيها باستقلال هايتي وانسحبت قواتها من الجزيرة.

لاحظ ديسالين أن شخصا يقف على باب غرفته منتظراً، التفت إليه مبتسما حين أدرك أنه تونير، أحد أمنائه الذي كان قد كلّفه بكتابة إعلان الاستقلال.

«حان الوقت»، قالها تونير لقائده، وهز ديسالين رأسه موافقا وخطا الاثنان إلى الخارج حيث كانت تنتظرهم جموع الهايتيين من الجنود والفلاحين.

رفع ديسالين يده محييا الجماهير وردد معها شعار الثورة الذى ظل ثابتا «الحرية أو الموت»، وأعلن أن هايتي باتت جمهورية مستقلة، وثاني جمهورية في نصف الكرة الغربي بعد الولايات المتحدة، وأول جمهورية يحكمها رجل أسود حر.

صفقت الحشود ورددت مع قائدها الهتاف الذي أصبح ملهما فيما بعد لعشرات الثورات حول العالم: «الحرية أو الموت».

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق