منوعات

فى ذكرى إنطلاقتها: «صوت العرب»… كلمة ناصر.. ولسان عروبتنا الثائر

قبل ستة وستين عاما، وبينما لم يكن قد مر على قيام ثورة 23 يوليو  1952، سوى أقل من عام، انطلقت إذاعة صوت العرب، لتصبح صوت مصر القوي والمسموع فى كل أنحاء العالم العربى. ومع أنه لم تكن وقتها قد تبلورت  أهمية الاعلام، أو تشكلت ملامح الدور الخطير الذى يمكن أن تؤديه وسيلة إعلامية ما، فإن صوت العرب منذ انطلاقتها حققت تلك المعادلة التى لم تكن معروفة وقتها، وقامت بأداء وظيفتها على أكمل وجه، كذراع إعلامية قوية تساند وتؤازر وتعضد التوجهات السياسية للدولة المصرية وقيادتها الوليدة، وتدلى بدلوها لصالح القضايا التى تهتم بها، وفى الطليعة منها القضايا التى تناقش أو تعنى بالهم العربي.

أدرك الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مبكرا أهمية الدور الذى يمكن أن تلعبه إذاعة تتوجه للشعوب العربية وتخاطبها باسم القطر العربى الأكبر، وباسم الشقيق الذى يقف مع أشقائه فى كل مواقفهم وقضاياهم. ومن هنا كانت استجابة عبد الناصر السريعة بضرورة إنشاء إذاعة تخاطب الجماهير والشعوب العربية بناء على اقتراح عرضه عليه الدكتور عبد القادر حاتم، الذى أصبح فيما بعد وزيرا للإرشاد وهي تلك الوزارة المختصة بالإعلام، فى عصر السادات.

الرئيس جمال عبد الناصر

لاحظ عبد القادر حاتم مدى النجاح الذى حققه برنامج صوت العرب الذى كان يقدمه الإذاعى المتفرد أحمد سعيد على إذاعة القاهرة، فاقترح إنشاء ّاذاعة بنفس الإسم، و كان من حسن الحظ أن يرأسها أحمد سعيد نفسه مذيع البرنامج الذى حقق جماهيرية كبيرة لتبدأ صوت العرب إرسالها الإذاعى فى الرابع من يوليو عام 1953.

قاعدة جماهيرية

أراد عبد الناصر من خلال هذه الإذاعة وغيرها، إعلاما ناهضا يرتبط به وبفكره التقدمى والتحررى، وأراد أداة إعلامية تكون ذراعا مساندا ومؤازرا لثورة يوليو وأهدافها، ومنبرا كبيرا لحركات التحرر فى الوطن العربى. وقد كانت هذه الذراع الإعلامية هى صوت العرب. ومع بداية التفكير فى انشائها، وقع الاختيار على الشاعر المعروف صالح جودت، لكن الرجل كان معروفا بهدوئه الشديد، و بالتالى عدم التعاطى مع الأحداث والمواقف التى تشهدها مصر وثورتها الوليدة والوطن العربى كله بالشكل السريع والمطلوب، فكان لابد من شخصية مغايرة تماما فوقع الاختيار على أحمد سعيد.

الإذاعي أحمد سعيد

كان  أحمد سعيد مذيعا نابها يمتلك صوتا جهوريا، شديد الحماس والانفعال، لديه قدرة هائلة على مخاطبة الجماهير والتفاعل معها و مع الوتيرة الوطنية المتصاعدة آنذاك بفعل نجاح الثورة، وبفعل ـتأثير قائدها الشاب الذى أجمع المصريون والعرب على وطنيته.

وقد استطاع أحمد سعيد، ومنذ بداية البث الإذاعى لصوت العرب، أن يضع بصمته، وأن يكون قاعدة جماهيرية عريضة فى كل أنحاء الوطن العربى، حتى أنه ،وفى بلدان عربية كثيرة ومع انتشار أجهزة الراديو الترانزستور، كان أغلب من يشترون أجهزة الراديو يسألون: هل تبث هذه الأجهزة «صوت العرب» وأحمد سعيد؟ وكثيرون من المستمعين فى الوطن العربى كانوا يطلقون على أجهزة الراديو «صندوق أحمد سعيد». ومع مرور الوقت، وتطور تقنيات البث الإذاعى، وقدرة أثير الإذاعة على الوصول إلى أبعد المناطق والأماكن فى العالم العربى، تصاعدت جماهيرية «صوت العرب»، وأصبحت هى الإذاعة التى تحتل المركز الأول  منفردة بلا منافس أو منازع فى كل أرجاء الوطن العربى. وكان طبيعيا أن تزداد ساعات البث الإذاعى لصوت العرب من نصف ساعة فى البداية لتصبح على مدار اليوم كله ولمدة 24 ساعة متواصلة.

 ورغم وجود إذاعات حاولت الوصول للمواطن العربى وخلق قواعد جماهيرية من المستمعين مثل: إذاعة بى بى سى من لندن ،وصوت أمريكا من واشنطن ،والشرق الأدنى من قبرص، إلا أن كل  هذه الإذاعات لم تزحزح صوت العرب عن مكانتها لدى المستمع العربى ولم يكن لها وجود إلى جوارها.

أدوار تاريخية

نجحت صوت العرب نجاحا هائلا فى إشعال ثورة الجزائر ودعمها ضد المستعمر الفرنسى، ويكفى أن بيان الثورة الجزائرية تمت صياغته فى مكتب رئيس إذاعة صوت العرب، حيث شارك فى صياغة هذا البيان كل من أحمد سعيد وأحمد توفيق المدنى عضو جبهة التحرير الجزائرية وفتحى الديب مسئول الشئون العربية بالمخابرات المصرية أنذاك. وتبنت صوت العرب النضال الجزائرى، ووقفت إلى جانب الثوار، وإلى جانب جبهة التحرير، حتى تحقق للثورة النجاح فى النهاية وحصلت الجزائر على استقلالها.

 ويكفى للتدليل على الدور الخطير والمؤثر الذى لعبته صوت العرب فى نجاح الثورة الجزائرية أن الجنرال الفرنسى جاك سوسينل قائد قوات الاستعمار والحاكم الفرنسى للجزائر، أصدر قرارا بإعدام  أى جزائرى يضبط مستمعا لصوت العرب وبالمؤبد حتى الجلد لمن يعرف مستمعا لصوت العرب ولا يبلغ عنه.

 وفى المغرب وقفت «صوت العرب» مع الحاكم الوطنى الملك محمد الخامس وابنه الحسن الثاني ضد الاستعمار الفرنسى وقفة سجلها التاريخ، واستمرت تدعم وتساند وتؤازر ثورة المغرب ضد الاحتلال الفرنسى. وقد تبنت صوت العرب الموقف الوطنى العروبى لعبد الناصر، واتخذت مما قاله فى شأن المغرب وحاكمها محمد الخامس، نبراساً وهاديا فى التعامل مع  نضال المغرب ضد المحتل الفرنسى. إذ قال عبد الناصر وقتها: «إننا لم نعزل فاروق عن عرش مصر لأننا ضد الملكية كنظام، وإنما لمفاسده ومعاداته لأمانى الشباب، أما محمد الخامس فملك تخلى عن عرشه لينضم للشعب، ويرفض احتلال فرنسا له، فهو قد ارتقى بنفسه من ملك يرث ملكا إلى زعيم شعب يخلد للأبد، فادعموا ثورة الشعب من أجل فرض عودته على فرنسا وتصفية الاستعمار الفرنسى».

 وفى حديث له عام 2000 فى مناسبة الذكرى الثلاثين لرحيل عبد الناصر، قال أحمد سعيد: «كان بعض الحكام العرب يرتعدون خوفا من برامج الإذاعة (يقصد صوت العرب) و أشهرها برنامج أكاذيب تكشفها الحقائق الذى كان يقدمه»

أزمة دبلوماسية

 وليس هناك أدل على مدى ما حققته صوت العرب من تأثير/ ليس فى المحيط العربى فقط ولكن فى العالم كله/ من تلك الواقعة التى حدثت بالفعل ودون أدنى مبالغة. إذ كان مقررا أن يقوم وفد مصرى بزيارة إلى لندن برئاسة سيد مرعى عام 1965 وكان الوفد يضم بين أعضائه أحمد سعيد رئيس إذاعة صوت العرب، ولما عرفت الحكومة البريطانية أسماء أعضاء الوفد الزائر طلبت من عبد الناصر رفع اسم أحمد سعيد من الوفد بحجة أنه كان يحرض عبر أثير صوت العرب على قتل الجنود البريطانيين في عدن، ورفض ناصر الطلب، واجتمع مجلس العموم البريطانى لمناقشة الموضوع، وكادت تحدث أزمة دبلوماسية عنيفة بين البلدين، لولا أن هارولد ويلسون رئيس وزراء بريطانيا آنذاك تدخل وألقى خطابا لاحتواء الأزمة.

سقطة يونيو

تولى أحمد سعيد مسئولية إذاعة صوت العرب لمدة أكثر من 14 عاما منذ بدء بثها الإذاعى فى الرابع من يوليو، وحتى سبتمبر عام 1967. وعلى قدر ما كانت بداية أحمد سعيد ومعظم أيامه بها ناجحة ومحققة لأهدافها تماما، فإن نهايته كانت دراماتيكية ومأساوية إلى حد كبير.إذ تحمل الرجل جزءا كبيرا من أوزار نكسة يونيو1967، وكان فى طليعة ضحاياها، فقد ظل أحمد سعيد  لأيام يذيع أخبارا وبيانات مضللة عن نصر مؤزر حققته  القوات المصرية على إسرائيل، فيما كانت الحقيقة التى كان سعيد يعرفها هى عكس ذلك تماما ،واستيقظ المصريون على خدعة كبيرة تسببت فى احباطات نفسية لازمت الشعب المصرى لشهور وسنوات. أما الخطأ الفادح الذى ارتكبه أحمد سعيد فقد كان – وكما ذكر الإعلامى الكبير وأحد المسئولين بالإذاعة المصرية وقتها السيد الغضبان لـ«أصوات أونلاين»، هو أن أحمد سعيد واصل اصراره على إذاعة البيانات والأخبار  التى ضللت الرأى العام  قبل أن يفيق على الكارثة التى عرفها أحمد سعيد مع زملائه بعد ساعات من اندلاع الحرب، وقد احجم بقية المذيعين عن ذكر أية أخبار وبيانات تضلل المواطنين، بينما استمر سعيد فى بياناته وأخباره بحجة الحفاظ على الروح المعنوية للشعب وعدم إحباطه.

«أثير العمر» مع الإعلامي المخضرم السيد الغضبان (3): حين قرر الإذاعيون منع بث بيان المشير عامر

في الحلقة الثالثة يكشف الغضبان كيف رفض العاملون بالإذاعة بث شريط مسجل بصوت زكريا محي الدين يعلن فيه رفضه تكليفه برئاسة الجهورية خلفا لعبد الناصر. ويوضح كيف رفض هو شخصيا (الغضبان) طلب زميله أحمد سعيد أشرطة الأغاني التي تتحدث عن عبد الناصر لكي تتم إذاعتها تلبية لمطالب الشارع له بالرجوع عن قراره. كما يكشف الغضبان عن أحد الأسرار المهمة عن الدور الذي لعبته الإذاعة في تلك الفترة، ويتعلق بالموقف من المشير عبد الحكيم عامر.. حيث قرر العاملون بالإذاعة حينها اغلاق الإذاعة في الساعة الواحدة صباحا، بعد توارد أنباء عن احتمال وصول المشير عامر لإلقاء بيان إلى الشعب عبر أثير الإذاعة.. وعن ذلك يقول الغضبان «اتفقنا أنه في حالة حضور المشير عامر والقائه البيان أن يتم بثه في الإذاعة الداخلية دون وصوله إلى الجماهير عبر أثير الإذاعة حتى وإن كلفنا ذلك حياتنا.. ولاءنا في هذا الوقت لم يكن لأي شخص.. ولكن كان للبلد»(الحلقة الثالثة)منى سلمان – Mona SalmanMona Salmanالسيد الغضبانLena El Ghadban

Posted by Aswat Online on Monday, June 10, 2019

 

وأيا كان الأمر ستظل إذاعة صوت العرب باقية بوصفها الإذاعة الوطنية الكبيرة التى قدمت اسهاما قوميا كبيرا فى حركات التحرر فى الوطن العربى، الإذاعة التى اجتمع حولها وعليها كل العرب رغم عوامل الفرقة التى كانت وما زالت تتكالب عليهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق