رؤى

نصر حامد أبو زيد: بين الإسلام العصري وأسلمة العصر

لم يكن نصر حامد أبو زيد مجرد أستاذ جامعى تم رفض ترقيته بعد فحص أبحاثه المقدمة لهذا الغرض، فحقيقة الأمر أن هذه الحادثة – فى حالة نصر أبو زيد تحديدا – كانت واجهة لصراع أعمق وأشد عنفا يتجاوز حدود الجامعة إلى المجتمع المصري بأكمله، الأمر الذى يعيد إلى الذاكرة معركة طه حسين – الذى يصفه أبو زيد بالفدائى الأول – فى قضية «الشعر الجاهلى» ومعركة محمد أحمد خلف الله فى أطروحته عن «الفن القصصى فى القرآن»، وبهذا لم يكن أبو زيد بدعا أو حالة طارئة على هذا المجتمع المصرى – بأكثر من معنى – بل كان امتدادا لدعاة العقلانية – خاصة المعتزلة – فى التراث العربى ولرواد التنوير فى العصر الحديث.

طه حسين

كتابات أبو زيد – فى حقيقتها – «امتداد خلاّق لأفضل مافى تراثنا العربى الإسلامى من اجتهادات فى مناهج التفسير والتأويل للنص الدينى، وأقصى مايمكن أن نقوله فى هذه الكتابات هو عكس ماقاله المهمش الأشعرى على المتن فى تفسير الزمخشرى لآية من آيات القرآن الكريم : «لقد سقط من منصة النص إلى حضيض التأويل»، فلاشك أن هذا السقوط الذى اتهم به الزمخشرى هو فى الحقيقة ارتفاع بالنص من حدود حرفيته إلى آفاق دلالاته العليا»، و «حتى لايصبح التكفير غطاء للتجميد والتجهيل والصراعات المجدبة» بتعبير الكاتب والناقد الراحل محمود أمين العالم، ومعلوم أن الزمخشرى أحد المعتزلة وكان يوصف بأنه أقربهم إلى أهل السنة ومع ذلك فقد اتهمه المهمش الأشعرى بالسقوط  فى «الحضيض» لأنه لم يلتزم بظاهر النص وحرفيته ولعل من اللافت – هنا – أن نشير إلى اختيار نصر أبو زيد لموضوع «الاتجاه العقلى فى التفسير- دراسة فى قضية المجاز فى القرآن عند المعتزلة» في أطروحته للماجستير، مما يعد اختيارا مبكرا للعقل فى مقابل النقل وللتنوير فى مقابل التكفير، ولتعدد دلالات التأويل فى مقابل أحادية المعنى الظاهر المتبدى فى حرفية النصوص.

محمود أمين العالم

الإسلام والعلمانية

إن كل ماسبق يؤكد أن الصراع لم يكن – قديما وحديثا – بين الإسلام والعلمانية التى اتهمها دعاة الإسلام السياسى بالخروج على الدين ومعاداته، وهذا مايوضحه أبوزيد بجلاء فى مقاله (الاستقطاب الفكرى بين «الإسلام العصرى» و«أسلمة العصر» فى مصر) بقوله «إن الصراع يدور فى جوهره على أرض الإسلام وليس خارج حدوده، بين من يريدون «إسلاما عصريا» وبين من يريدون «أسلمة العصر».. (مجلة «الطريق» مايو 1994) وبما أننا على أرض «الإسلام» فإن الصراع قائم بين رؤيتين «إسلاميتين».. ترى الأولى الإسلام بوصفه «صيرورة تاريخية اجتماعية استمرت ومازالت مستمرة بفضل انفتاح الدلالة والمعنى للنصوص الأصلية وما تحمله من مضامين» وبهذه الرؤية يصبح «الإسلام» – حقا – «صالحا لكل زمان ومكان» بفضل تجدد دلالاته ومسايرتها للتطورات الحادثة من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة.  

وفي المقابل هناك الرؤية الثانية الجامدة التى تتعامل مع الإسلام بوصفه «الواقعة التاريخية الأولى للوحى ،وأن تحولاتها وانفتاحها محض ضلال وتزييف يجب الخلاص منه». وبهذا المفهوم تم وصف التاريخ الإسلامى كله بالانحراف والخروج على الإسلام فشاع مفهوم «جاهلية العصر الحديث» على يد سيد قطب وشقيقه محمد قطب، ومن قبلهما أبو الأعلى المودودى. ومن هنا جاءت رؤيتهم الارتكاسية للزمن الذى ينأى عن الصلاح ويوغل فى الفساد كلما ابتعد عن «الينبوع» الصافى للإسلام وعصره الذهبى: عصر النبى.. و كذلك أصحابه الذين أضفوا عليهم قداسة لم يدًّعوها هم أنفسهم، وهذا هو خطأ أهل السنة الجوهرى قديما وحديثا، حيث ينظرون – كما يؤكد أبو زيد- إلى «حركة التاريخ وتطور الزمن بوصفها حركة نحو الأسوأ على جميع المستويات، ولذلك يحاولون ربط معنى النص ودلالته بالعصر الذهبى عصر النبوة والرسالة وظهور الوحى، متناسين أنهم فى ذلك يؤكدون زمانية الوحى، لا من حيث تكون النص وتشكله فقط، بل من حيث دلالته ومغزاه كذلك، وليس هذا مجرد خطأ مفهومى ،لكنه موقف أيديولوجى من الواقع يساند التخلف ويقف ضد التقدم والحركة» (أبوزيد في كتابه «مفهوم النص –  دراسة فى علوم القرآن»).

سيد قطب

إن تثبيت دلالات النص القرآنى التى هى اجتهادات بشرية مرتبطة بسياقات عصر معين سيؤدى حتما إلى تجميد دلالات النص ومحاولات كبح حركة الواقع نفسه أو اتهامها بالضلال والانحراف، ومن هنا تأتى أهمية تأكيد أبو زيد على ضرورة انفتاح  دلالات النص لكى تستوعب مستجدات الحاضر والمستقبل .

النص والسياق التاريخى

لكل مفكر مقولته الرئيسية التى يدور حولها مشروعه الفكرى كله وأعتقد أن ربط «النص» الدينى، سواء أكان القرآن الكريم أوالسنة أم نصا شارحا متمثلا فى اجتهادات الفقهاء والمفسرين، بسياقه التاريخى والثقافى ومحاولة تفسيره فى إطار هذا السياق، هو مقولة نصر أبو زيد المحورية والتى قد تبدو بدهية، لكن نتائجها فى غاية الأهمية حيث يترتب عليها أن المصدر الإلهي للإسلام لايمنع تعدد وتطور الرؤى البشرية له، من زمن لآخر ومن مجتمع لمجتمع. 

أدرك ابوزيد حقيقة أن أنماط التفكير والعادات والموروثات القديمة تتحكم في هذه الرؤى والتأويلات للنصوص المركزية للشعوب وتعوق تطورها مع الزمن، فاجتهد لاستيعاب آخر ما وصلت إليه الدراسات الحديثة في تفسير النصوص – الدينية وغير الدينية – وتأويلها وهو المجال المعرفي الحديث الذي أصبح يُعرف اليوم بـ«الهرمينيوطيقا». ويمكن القول بأن الهرمينيوطيقا عند أبو زيد تهدف إلى «نفى المفاهيم التاريخية الاجتماعية الأصلية وإحلال المفاهيم المعاصرة الأكثر إنسانية وتقدما»  وهذا مايلخصه د.نصر فى كتابه «نقد الخطاب الدينى» بقوله «إن النصوص- دينية كانت أم بشرية – محكومة بجدلية الثبات والتغير فالنصوص ثابتة فى المنطوق متحركة متغيرة فى المفهوم».

الإلهى والبشرى

من المقولات كثيرة التردد فى خطاب أبو زيد، تفريقه الدائم بين «الإلهى» و«البشرى»، بين الدين فى نصوصه المقدسة والفكر الدينى باعتباره اجتهادات بشرية لفهم تلك النصوص وما يترتب على ذلك من اختلاف تلك الاجتهادات، من عصر إلى عصر ،ومن بيئة إلى بيئة ،ومن مفكر إلى مفكر داخل البيئة المعينة – كما يقول فى كتابه «نقد الخطاب الدينى». ولا شك أن هذا التفريق يمنع تحول هذه الاجتهادات إلى عقائد فيدخل فى مجال الدين ماليس منه، «ويصبح الاجتهاد البشرى ذو الطابع الأيديولوجى نصوصا مقدسة» كما يقول فى «التفكير فى زمن التكفير».

هذا التفريق الحاسم بين الإلهى والبشرى هو مالم تدركه لجنة الترقية وما ترتب على ذلك من اتهام بالكفر حين انتزع د. عبد الصبور شاهين إحدى العبارات الواردة فى دراسة أبي زيد «الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجية الوسطية» والتي يقول أبو زيد فيها: «وقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر لا من سلطة النصوص وحدها،بل من كل سلطة تعيق مسيرة الإنسان فى عالمنا» فاستنتج د. شاهين أن النصوص المقصودة هى القرآن والسنة، وهو مالم يقل به د.نصر على مدار الكتاب وما نفاه بعد ذلك صراحة حين أكد أن النصوص المقصودة هى النصوص الشارحة لا المقدسة بداهة واستشهد بقول الإمام على ردا على الخوارج حين قالوا «لا حكم إلا لله» حين قال: «القرآن بين دفتى المصحف لاينطق وإنما يتكلم به الرجال» ويبدو د.نصر كأنه كان يستشرف ماسوف يحدث له حين يقول «إن سعى الخطاب الدينى لتكريس سلطة النصوص ولتكريس شموليتها هو فى الواقع تكريس لسلطة عقول أصحابه وممثليه على باقى العقول وهكذا تتكرس شمولية تأويلاتهم واجتهاداتهم فيصبح الخلاف معها كفرا وإلحادا وهرطقة».

 

د. عبد الصبور شاهين

الأيديولوجى والعلمى

يفرق ألتوسير – المفكر الفرنسى – بين الأيديولوجيا والعلم، فيرى أن الأيديولوجيا برجماتية نفعية تزيف المعرفة لتبرير مصالح فئة اجتماعية محددة، وهى فى ذلك كله تناقض العلم الذى يسعى إلى كشف الحقيقة. ولاشك أن هذه الثنائية كانت فى وعى نصر أبو زيد عند مقارنته بين خطابه العلمانى والخطاب المتقنع باسم الدين، فخطابه يهدد خطاب «الإسلامويين» لأنه يحلله ويكشف الخطأ والتلاعب فيه وأن المسألة لم تكن مسألة «ردة» لأنهم يعلمون أنه لايوجد دليل عليها فى كل كتبه وأبحاثه، وأولى خصائص هذا الخطاب السلفى أنه ينتهى – كما يقول فى كتاب «نقد الخطاب الدينى» – «إلى التعارض مع الإسلام حين يتعارض مع أهم أساسياته وهو العقل ويتصور أنه بذلك يؤسس «النقل» والواقع أنه ينفيه بنفى أساسه المعرفى. إن العودة إلى الإسلام لاتتم إلا بإعادة تأسيس العقل فى الفكر والثقافة.

 ولايرى نصر أبوزيد خلافا فى النوع بين الاعتدال والتطرف فى بنية الخطاب الدينى بل خلافا فى الدرجة، فكلا الخطابين في نظره «يعتمد التكفير وسيلة لنفى الخصم فكريا عند المعتدلين، ولتصفيته جسديا عند المتطرفين». ولا يغفل أبو زيد الوجه الآخر لهذا الكهنوت الدينى وهو الاستبداد السياسى ويرى ضرورة الخلاص منهما معا من خلال خلق وعى جمعى رافض لكل أشكال الوصاية الدينية والسياسية على الجماهير.

 وعن الإسلام والعلمانية يعتبر نصرأبو زيد أن العلمانية ليست إلحادا بل «تعنى فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية وليس حتى فصل السياسة عن الدين» وأن من أهم مبادئها – كما يقول فى «نقد الخطاب الدينى» – «أنه لاسلطان على العقل إلا العقل» ويرى أنه لاينبغى أن يتحاشى العلمانيون استخدام هذا المصطلح خشية الاتهام بالكفر لأنه لايمكن بناء المجتمع المدنى الذى نسعى إليه إلا على أسس علمانية تقوم على حقوق المواطنة الكاملة والحرية والعدالة ،وهو ما يتفق مع المقاصد العليا للإسلام الذى جاء لتحرير الإنسان من كافة صنوف الوصاية والاستعباد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: