منوعات

بيرم التونسي.. لم يكسره عدو ولم يحمه حبيب (1ـ 3)

لو كانت قيمة الكتب بأحجامها لكان دليل الهيئة العامة للتليفونات هو أعظمها، ولكن الحمد لله الذي جعل قيمة الكتب بفائدتها ومتعتها وفي ما تتضمنه من حق وخير وجمال.

أقول هذا وبين يدي كتاب، من مئة وأربع وأربعين صفحة من القطع الصغير، لكنه من تلك الكتب التي تؤرخ بها لنفسك فتقول: كنت قبل قراءته أعتقد شيئًا ثم صرت بعد قراءته أعتقد شيئًا مختلفًا. الكتاب هو «المذكرات» لمؤلفه الشاعر الفذ الأستاذ بيرم التونسي، رحمه الله.

تقرأ هذا الكتاب فتجد نفسك في حالة استغفار من ذنوب الكسل والإهمال والخضوع والخنوع والقنوط واليأس. تجد قلبك يضخ دماءً صافية لم تلوثها الحسرة على ما فات، دماءً زكية تفوح بروائح الأمل والمقاومة.

بيرم التونسي، هو ذلك الرجل الذي لم يكسره عدو، ولكن لم يحمه حبيب. لا أعرف شاعرًا تحالفت عليه النكبات، كما فعلت مع بيرم. الرجل الذي عاش ثمانية وستين سنة، لم يعرف في عمره حالة الاستقرار والهدوء أكثر من عشر سنوات، أما ما بقي من عمره فقد ضاع بين المنافي والمطاردات والجوع القاسي الفتاك.

قطاع الثقافة بدار أخبار اليوم المصرية الذي أصدر الكتاب، أحسن عندما جعله على قسمين، القسم الأول: يضم حكايات المنافي التي قصمت ظهر عمر بيرم، وقد كتبها الشاعر على هيئة مقالات ونشرها في الصحف التونسية التي كان يصدرها قبل سبعين عامًا. أما الجزء الثاني: فهو يضم مذكرات بيرم التي كتبها قبل مغادرته للدنيا بأيام قلائل.

 

بيرم الذي هو شهير وواضح مثل شمس الظهيرة، هو أيضًا خفي وغامض كأنه لغز. فكلنا يعرف بيرم، بمعنى أننا نسمع باسمه ونحفظ بعض أشعاره ونعلم بعضًا من حياته، لكن هل هذا يكفي مع شاعر بقامته؟

لقد رأيت وأنا أعد هذا المقال خلطًا سخيفًا وتلاعبًا فاجرًا بحياة الشاعر، بل بأشعاره، وكأنه لم يُنفق عمره دفاعًا عن هذا الوطن وعن ناسه الفقراء البسطاء، فهل هذا جزاء المحب المقاوم ؟

ماذا تقول مذكرات بيرم؟.

الجد المغامر

تونسي لا نعرف عنه إلا أن اسمه مصطفى، غادر تونس لحج البيت، وفي طريق عودته إلى بلاده مر بالإسكندرية المصرية، فطاب له المقام بها، فأقام وتزوج، بل وأسس مصنعًا لنسج الحرير بأنوال بدائية في حي الميدان بالإسكندرية، وولدت له زوجته ابنين، محمد ومحمود.

هذا ما كتبه بيرم عن جده مصطفى، فهل كان جده مغامرًا أم كان هاربًا؟. أنا أقول الآن: إنه إن لم يكن قد هرب من تونس، فقد ضاق بها. وقد قرأت خارج المذكرات عن ذلك ما نصه: «أن السلطان التركي كان قد أهدى إلى جدّ والد بيرم جارية فولدت له ولدًا إلا أن الرجل مات قبل أن يثبت نسب هذا الطفل له، ولما كبر الطفل (الذي هو مصطفى جد بيرم المباشر) رفضت أسرة أبيه الاعتراف به ومنعته من إرثه فهاجر إلى مصر وتزوج وأنجب ثلاثة أولاد، كان من بينهم والد بيرم».

هل كان الجد مصطفى يعرف شيئًا، عن صناعة الحرير؟.. لم يكن يعرف شيئًا، هو أسس المصنع وتركه للورثة.

نال الشقيقان محمد ومحمود نصيبهما الشرعي من المصنع، ثم قست الأيام على محمود فباع نصيبه لأخيه محمد الذي هو والد بيرم، ثم عندما مات الأب ورثه بيرم، ولكن أولاد عمه محمود أجبروه بطريقة ما على أن يترك لهم نصيبه، وهكذا خرج بيرم صفر اليدين من تركة كانت مبشرة باستقرار مادي لم يعرفه الشاعر على مدار سنوات عمره.

محمد مصطفى والد بيرم كان متزوجًا من اثنتين، الأولى تقيم في حي الأزاريطة، والثانية وهى أم بيرم كانت تقيم في حي الأنفوشي، ولد بيرم بحي الأنفوشي، لكن والده كان يقيم ساعة تلقيه الخبر في حي الأزاريطة فسجل ابنه في الأزاريطة، وهذا سبب شيوع معلومة أن بيرم من الأزاريطة.

الأب الفنان

ولد بيرم في حي الأنفوشي بالإسكندرية في الثالث والعشرين من مارس من العام 1893 فعاش طفولة فنية، يرجع الفضل فيها إلى والده، فقد كان فنانًا بالفطرة. كان محمد مصطفى يستأجر شعراء الربابة الذين يُنشدونه، قصص السيرة الهلالية وغيرها من السير الشعبية، كل هذا والأب يقوم بعمله ويسمع بأذنيه، بينما بيرم يسمع بكل كيانه وليس بأذنيه فقط، من تلك الساعات عرف بيرم الفن.

التعليم في زمن طفولة بيرم لم يكن متاحًا إلا في الكُتّاب، وتعليم الكتاتيب لم يكن أكثر من معرفة مبادئ القراءة والكتابة وحفظ بعض سور القرآن الكريم، ثم النابغ يلتحق بالأزهر الشريف أو المدارس العامة إن استطاع إليها سبيلًا، -أكتب هذا وأنا أنظر في عيون عبيد الاحتلال الذين يتباكون على عظمته! –

عندما وصل بيرم إلى الثانية عشرة من عمره مات أبوه، فلم يواصل التعليم في الكتّاب ولم يذهب لأي مدرسة كانت.

بعد موت الأب تزوجت أم بيرم، لكنها ماتت بعد زواجها بفترة قصيرة وهى في ريعان شبابها. كان بيرم أيامها ابن سبع عشرة سنة، فعرف مذاق اليتم الكامل.

لجأ بيرم للعيش في بيت أخته لأبيه وكانت تكبره بسنوات كثيرة، لكنها لم تكن تحبه، فقد كانت تُحصي عليه حركاته وسكناته وكانت تضيق بأي خدمة تؤديها إليه. وفي تلك السنوات خسر بيرم نصيبه من مصنع أبيه، فتأمل أي حياة عاشها شاعرنا؟.

فنون البقالة

في سنوات ضياعه لم يكف بيرم عن القراءة، لقد صادق طلابًا من الأزهر، فراح يستعير كتبهم ويطالعها حرفًا حرفًا، ثم بدأ رحلة شراء الكتب حتى وقع بين يديه كتاب عن عروض الشعر، فجن به، لأنه الكتاب الذي سيغير مجرى حياته. لقد عرف بيرم بحور الشعر وأوزانه فتدفق شعره حتى خاف منه أمير الشعراء أحمد بك شوقي على الفصحى، والأمير في هذه ظالم لبيرم، فبيرم ابن شرعي للفصحى وإن كتب بلهجة مصر.

أسس بيرم محلًا للبقالة، وتزوج من ابنة عطار يجاوره، وكان العطار رحيمًا به ويتولى ضبط أموره المادية.

من خارج المذكرات أنقل: «ماتت زوجة بيرم وقد تركت له ولدين (محمد ونعيمة) فلم يستطع أن يعتني بهما فتزوج بعد وفاة زوجته بـ 17 يومًا».

كان بيرم يبيع لزبائنه بعين ويقرأ بالثانية، فكبرت ثقافته ولكن بقالته كسدت، فقد قام أحدهم بافتتاح مقهى أمام بقالة بيرم، وكان رواد المقهى يغازلون النساء اللاتي يترددن على بقالة شاعرنا، فكفت النساء عن الحضور فبارت سلع بيرم.

من البقالة ذهب بيرم لمهنة لا يعرف عنها شيئًا، لقد حاول أن يكون صيادًا، فشارك صيادًا محترفًا في قارب، وخرج معه للصيد، وكانت ليلة خروجه مظلمة بحرها هائج، تكاد أمواجه تحطم القارب، وبيرم لا يعرف السباحة، فترك المهنة من أول ليلة.

في تلك السنوات كان سم الاحتلال قد تمكن من جسد الوطن، فكانت الضرائب القاسية تجلد ظهر الشعب، وكان محصلو الضرائب يستعينون بالمجلس البلدي الذي كان كل موظفيه من الأجانب في فرض الضرائب على أي بناء، بل على أي نشاط يقوم به مواطن مصري.

وقد طالب المجلس بيرم بضرائب مبالغ فيها، بل حجز على بيته، وهنا تدفقت شاعرية بيرم بقصيدته الشهيرة «المجلس البلدي» والتي يقول فيها :

قد أوقع القلبَ في الأشجانِ والكمدِ

هوى حبيبٍ يُسمّى المجلس البلدي

ما شرّد النومَ عن جفني سوى

طيف الخيال، خيال المجلس البلدي

كأنّ أمي أبلّ الله تربتها

أوصت فقالت: أخوك المجلس البلدي

يا بائع الفجل بالمليم واحدةً

كم للعيال؟ وكم للمجلس البلدي؟.

وبمناسبة هذه القصيدة، ليس صحيحا القول إنها أول شعر قاله بيرم. فقد كان قبلها يراسل الصحف بقصائده، فتنشرها تحت أسماء مستعارة، لكي لا تقدم للشاعر أي مقابل مادي عن قصائده. لكن مع هذه القصيدة على وجه التحديد (المجلس البلدي)، خافت الصحيفة من تحمل مسئولية نشرها منفردة، فنسبتها لصاحبها، فذاعت بين الناس، حتى أن بيرم نشرها في كتيب باع في أسابيع مئة ألف نسخة، وكانت النسخة الواحدة تباع بخمسة مليمات.

وما أن هدأت أحوال الشاعر المالية حتى جاءت ثورة 1919، ليبدأ بيرم دورة جديدة من حياته العجيبة، وهذا ما سنعرفه في الاسبوع المقبل بإذن الله.

(يتبع)

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق