منوعات

معسكرات الاعتقال الأمريكية.. صفحة سوداء في التاريخ الأمريكي (2 – 2)

يُعرّف قاموس Oxford English Dictionary ’معسكر الاعتقال‘ بأنه «مكان يتم فيه احتجاز عدد كبير من الأفراد، خاصة السجناء السياسيين أو أعضاء الأقليات المضطهدة، في مساحة ضيقة نسبيا ولا تتوافر فيها مرافق ملائمة، من أجل القيام بأعمال قسرية، أو انتظارا لعمليات إعدام جماعي».

في ضوء هذا التعريف، وغيره، يري سياسيون وحقوقيون، سواء من داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو خارجها، أن مراكز إيواء المهاجرين في الولايات المتحدة تمثل امتدادا تاريخيا لمعسكرات الاعتقال، وأن إدارة الرئيس ترامب تعيد كتابة فصول مشينة من التاريخ الأمريكي.

في هذا السياق، يقدم موقع «أصوات أونلاين» عرضا وترجمة للجزء الثاني من مقال الكاتب الأمريكي بريت ويلكنز، المتخصص في قضايا العدالة الاجتماعية والحرب والسلام، الذي يحمل عنوان A Brief History of US Concentration Camps (تاريخ مختصر لمعسكرات الاعتقال الأمريكية).    

Image result for Brett Wilkins

Brett Wilkins

«الاستيعاب الخيري» في «ضواحي الجحيم»!

في ظل استسلام السكان الأصليين ’لقدرهم المحتوم‘، اتجه الحلم الأمريكي صوب التحول إلى قوة إمبريالية وبناء إمبراطورية عظمى، وذلك من خلال الغزو والتوسع الخارجي. فبعد أن أطاحت الولايات المتحدة بالحكومة الملكية في هاواي وقامت بضم جزرها، توجهت الآلة العسكرية الأمريكية شطر أسبانيا، وتمخضت حربها هناك عن إقامة أولى مستعمراتها في كوبا وبورتوريكو وجوام والفلبين. وعندما قاوم الفلبينيون الغزو الأمريكي جاء رد فعل القادة الأمريكيين مفرطا في العنف والقسوة، وهو ما أطلق عليه الرئيس الأمريكي ويليام ماكينلي «الاستيعاب الخيري» للفلبين في الإمبراطورية الأمريكية المزدهرة.

وفي الوقت الذي أمر فيه الجنرال جاك سميث جنوده بقتل كل من يزيد عمره عن 10 سنوات في جزيرة «سامار» الفلبينية، دشن ويليام هاوارد تافت، مسئول المستعمرات الأمريكية في الجزر الفلبينية – الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك في الفترة من 1909 إلى 1913 – ما أطلق عليه «حملة التهدئة» (Pacification Camp) التي انطوت على جميع صنوف القمع من تعذيب وإعدام بدون محاكمات ونفي وسجن في معسكرات اعتقال (كان يطلق عليها Reconcentrado) وصفها أحد قادته بـ «ضواحي الجحيم» (Suburbs of Hell). وقد أعلن الجنرال جيمس فرانكلين بيل، الذي كان يتطلع إلى تولي منصب جديد كقائد لمعسكر اعتقال «باتانجاس» سيء السمعة، أن «كل الاعتبارات الإنسانية تجاه نزلاء هذا  المكان تنتهي بمجرد أن أصبح قائدا عليه».

لم يحد بيل عن وعده قيد أنملة. ففي نهاية عام 1901 منح بيل سكان مدينة باتانجاس أسبوعين لمغادرة منازلهم وتسليم أنفسهم إلى المعسكر. في هذه الأثناء، قام الجنود الأمريكيون بنهب، و تدمير كل ما خلفه سكان المدينة وراءهم من منازل، أو مزارع، أو رؤوس ماشية، أو مخازن طعام. كما قاموا بقتل كل من رفض تسليم نفسه إلى معكسر الاعتقال. كانت الأوضاع خلف جدران هذه المعتقلات بالغة القسوة، حيث انتشر الجوع والمرض، وتنوعت أساليب التعذيب. وقد بلغت نسب الوفيات داخل هذه المعتقلات حوالي 20% من المسجونين.، وكان معتقلو باتانجاس يُجبرون على حفر قبور جماعية قبل أن يتم إطلاق النار عليهم ودفنهم فيها. في هذا السياق يقول أحد الجنود الأمريكيين: «كانت حراسة كل هذه الأعداد من المساجين تتطلب أعدادا كبيرة من الجنود؛ لذا لم يكن من حل سوى قتلهم»

معسكرات اعتقال المواطنين الأمريكيين

في أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، قامت السلطات الأمريكية بالزج بآلاف المواطنين الألمان، والأمريكيين الألمان، والألمان من أصول لاتينية في غياهب السجون في جميع أنحاء البلاد. لكن النظرة العنصرية أنقذت معظم الأمريكيين الألمان من الاعتقال، كما كانت أوضاع المعتقلات أفضل بكثير مما كانت عليه في المعسكرات الأمريكية الأخرى.  

على الجانب الآخر، لم يحظ الأمريكيون اليابانيون بشيء مما حظي به أقرانهم الألمان. فبعد الهجوم على «بيرل هاربر»، أصدر الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الأمر التنفيذي رقم 9066، الذي تم القبض بموجبه على جميع الأفراد من أصول يابانية ممن يعيشون في الساحل الغربي، وإيداعهم العشرات من مراكز التجميع المدنية، ومراكز إعادة التوطين، والقواعد العسكرية، ومراكز عزل المواطنين (وهي مراكز اعتقال أقيمت في الصحاري القاحلة «للمسجونين المشاكسين»، مثل الذين رفضوا التعهد بالولاء للولايات المتحدة). وبرغم تنوع المشكلات بين معسكر وآخر، إلا أن التكدس، وعدم توافر وسائل الصرف الصحي، ونقص الوقود والطعام كانت تمثل قواسم مشتركة بينها جميعا. كما كانت كثير من هذه المعسكرات تقع في الصحاري النائية الموبوءة بالعقارب والثعابين.

Image result for ‫الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت‬‎

الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت

وبرغم أن عمليات السجن والاعتقالات لم تستند إلى شيء بخلاف الهوية الإثنية، إلا أن المحكمة العليا الأمريكية انحازت بقوة إلى جانب الحكومة الأمريكية في ثلاث قضايا رفعها الأمريكيون اليابانيون للطعن على دستورية احتجازهم. واستمرت عمليات الاحتجاز فترة الحرب العالمية الثانية بأكملها، وامتدت إلى ما بعدها في بعض الحالات، واكتشف المعتقلون بعد إطلاق سراحهم أن منازلهم  ومتاجرهم وممتلكاتهم قد تعرضت للنهب و التدمير، وهو ما اعتذر عنه رسميا الرئيس  الأمريكى الأسبق رونالد ريجان في عام 1988، وأقر في مقابله تعويضات بقيمة 20 ألف دولار للمعتقلين السابقين.

وإضافة إلى اليابانيين وبعض الألمان، اعتقلت السلطات الأمريكية أيضا أعدادا أقل من الإيطاليين والأمريكيين الإيطاليين أثناء الحرب العالمية الثانية. كما قامت بالشيء نفسه مع سكان ألاسكا الأصليين الذين تم إجلاؤهم بالقوة، قبل حرق قراهم بالكامل للحيلولة دون استخدامها من قبل القوات اليابانية الغازية. كما استعبد الأمريكيون بعض  هؤلاء السكان الأصليين وأجبروهم على العمل في  الصيد.

وفي السنوات الأولى من الحرب الباردة، نجح الكونجرس في تمرير «قانون مراقبة الأنشطة التخريبية» لعام 1950، برغم معارضة الرئيس هاري ترومان.  وأدى تمرير هذا القانون إلى بناء ستة معسكرات بهدف احتجاز الشيوعيين والداعين إلى السلام، وقادة الحقوق المدنية وغيرهم ممن كان ينظر إليهم على أنهم يمثلون تهديدا في حال إعلان الحكومة حالة الطوارئ. وأيدت المحكمة العليا هذا القانون خلال سنوات جوزيف مكارثي وريد سكير، لكن في الستينيات قضت المحكمة أن الأحكام التي تَحظُر على الشيوعيين الحصول على جوازات سفر أو العمل في الدوائر الحكومية أحكام غير دستورية. ولم ينته هذا العقد إلا وقد أغلقت هذه المعتقلات.

Image result for ‫هاري ترومان‬‎

هاري ترومان

من اليابان إلى فيتنام

لا يمكن مضاهاة أي نظام معسكرات اعتقال أمريكية بـ «برنامج هاملت الاستراتيجي» (Strategic Hamlet Program). ففي عام 1961، وافق الرئيس جون كينيدي على إعادة توطين 8.5 مليون مزارع فيتنامي – في الغالب تحت تهديد السلاح – في أكثر من 7000 معسكر شديد الحراسة ومحاط بأسلاك شائكة وحقول ألغام بهدف التصدي لانتفاضة «الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام» الشيوعية المسلحة، التي عرفت باسم حركة «فيت كونج». كما قامت القوات الأمريكية وحكومة فيتنام الجنوبية بإحراق المنازل أمام أعين ملاكها قبل أن تُجبرهم على ترك أراضيهم ومزارعهم، وانتزاعهم من الأواصر الروحية العميقة التي تجسر بينهم وبين أسلافهم.  

Image result for ‫جون كينيدي‬‎

جون كينيدي

خلط واضح

هذا المسح التاريخي المستفيض ينقصه شىء هام وهو أنه لا يعرض لمراكز اعتقال أسرى الحرب (وفي تقدمته للموضوع، كتب بريت ويلكينز أنه «برغم الفظائع التي ارتكبت في معسكرات اعتقال أسرى الحروب الأمريكية، إلا أننا لن نعرض لهذا الفصل، وذلك بسبب الوضع القانوني لهذه المعسكرات بموجب اتفاقيات جنيف، ولدواعي الإيجاز»)، إلا أن الحرب الأمريكية المفتوحة ضد الإرهاب، التي بدأتها إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، قد شهدت خلطا واضحا للخطوط الفاصلة بين اعتقال أسرى الحروب من جانب واعتقال المدنيين من جانب آخر.فقد أكد الكولونيل لورنس ويلكرسون، مدير مكتب كولن باول، وزير الخارجية في إدارة الرئيس بوش، أن معظم الرجال والأولاد الذين تم احتجازهم في سجن جوانتانامو العسكري كانوا أبرياء، لكنهم اعتقلوا لأسباب سياسية. كما تم احتجاز مدنيين في سجون عسكرية (بعضها سرية) في العراق وأفغانستان ودول أخرى. وقد تعرض كثير من  المعتقلين للتعذيب والموت في سجون أمريكية. وكان بعضهم قد امتدت فترة اعتقاله إلى 17 عاما دون محاكمة أو حتى توجيه اتهام له.

Image result for ‫جوانتنامو‬‎

والآن يأتي الدور على المهاجرين. فرغم ما يردده هؤلاء الذين يرتكبون، أو حتى يبررون جرائم فصل الرضع والأطفال عن والديهم، وسجنهم في أقفاص مجمدة يشبهها مسئولو إدارة ترامب بـ «المخيمات الصيفية»، إلا أنها تبرهن على أن معسكرات الاعتقال لا تزال تطل بوجهها القبيح على أرض الولايات المتحدة، وأنها لم تبرحها بعد. وإن محاولات إدارة ترامب تصوير سجون الأطفال على أنها «أماكن مبهجة» يستدعي  إلى  الذاكرة الأفلام الدعائية في حقبة الحرب العالمية الثانية التي كانت تُظهر الأمريكيين اليابانيين  وهم ( ينعمون ) خلف جدران الأسلاك الشائكة!

دونالد ترامب

لكن الممثل الأمريكي من أصول يابانبة، جورج تاكي، الذي غيبته السجون مع عائلته طوال سنوات الحرب، لم يكن سعيدا في محبسه على الإطلاق. ففي إحدى تغريداته عن أوضاع المهاجرين في الولايات المتحدة، كتب تاكي: «أعلم جيدا ما هي معسكرات الاعتقال. لقد أودِعت اثنين منها داخل أمريكا. نعم.. إننا نعيد إنتاج هذه المعسكرات من جديد».

 

ويبرز تاكي فروقا مهمة بين الماضي والحاضر: «على الأقل في أثناء اعتقال الأمريكيين اليابانيين، لم أحرم وغيري من الأطفال من والدينا»، ثم أضاف «’على الأقل أثناء الاعتقال، …‘ هي كلمات لم أتفوه بها أبدا».  


الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق