منوعات

«فلسطين والكيان الغاصب» (2).. المساعدات الخارجية ومعجزة إسرائيل الزائفة

إذا ما صادفتك صورة للكيان الصهيوني من الداخل، ربما ستنبهر بالشكل الأوروبي من شوارع نظيفة ومبان مرتبة، وبالطبع لو وقعت تحت يديك أرقام عن التكنولوجيا أو البحث العلمي أو الصناعة سيصبح الانبهار مضاعفا.. كيف أصبح ذلك الكيان متقدما اقتصاديا في عدد سنين قليل جدا وموارد طبيعية فقيرة جدا؟.. كيف أصبحت تلك الدولة تصنف على أنها من الدول المتطورة للغاية بناء على مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة؟

و حتى لا نقع فريسة للانبهار أو صيدا سهلا لمريدي التطبيع، يجب أن نعود للخلف  لفهم عملية التطور التي حدثت هناك، وكيف كان ذلك التطور موازيا لعمليات إفقار الاقتصاد الفلسطيني على وجه الخصوص.

اقرأ أيضا: 

 الخطوات الأولى للإقتصاد الصهيوني

في  الجزء الثاني من قراءتنا لكتاب «الاقتصاد الصهيوني الغاصب والمهيمن.. والاقتصاد الفلسطيني الأسير» للكاتب والخبير الاقتصادي «أحمد السيد النجار»، نتناول ما قدمه الكاتب حول بداية الصناعة في الكيان الصهيوني ومتى بدأت المساعدات الخارجية.

الجدير بالذكر هنا أن القائمين على الوكالة الصهيونية قبل 48 منذ تأسيسها على يد تيودور هرتزل، كانوا واعين  لأهمية المال والاقتصاد، حتى قبل الاستقرار على مكان دولتهم المزعومة ففي كتاب «الأيديولوجية الصهيونية» للراحل عبد الوهاب المسيري، يذكر على لسان هرتزل في رسالة  إلى صديقه «ماكس نوردو» أنه على اليهود أن ينتهزوا الفرصة ليصبحوا «انجلترا صغيرة» وهي الدولة الأهم والمستعمر الأكبر في هذا الوقت.

نتيجة بحث الصور عن تيودورهرتزل

تيودور هرتزل

 ومن كتاب «القضية الفلسطينية.. رؤية ثورية»، نذكر أنه فور وعد بلفور مباشرة وفي أقل من 3 سنوات، كانت الوكالة اليهودية قد أسست في فلسطين «الاتحاد العام للعمال اليهود في أرض اسرائيل -الهستدروت  الذي لم يكن نقابة عمالية بقدر كونه المؤسسة الصهيونية القيادية والعمود الفقري للاقتصاد الاستيطاني»… «رفع الهستدروت شعار «أرض يهودية ـ عمل يهودي ـ منتج يهودي»، فقد كانت مهمته الأساسية هي التأكد من أن مجتمع المستوطنين تتم خدمته بواسطة عمال ومنتجات يهودية. وبذل قادته مجهودات ضخمة للفصل بين العمال العرب واليهود في مواقع العمل، وأطلق بن جوريون ـ رئيس الهستدروت آنذاك ـ على هذه الاستراتيجية اسم «تهويد العمل».

 يركز أحمد السيد النجار خلال الجزء الثاني من الفصل الأول من كتابه، على بداية الصناعة في الاقتصاد الصهيوني، ويشير إلى أن التطوير الكبير قد  بدأ مع توقيع اتفاقية «هعفراه» بين الوكالة الصهيونية وألمانيا النازية في عام 1933، والتي نصت على موافقة السلطة النازية على هجرة اليهود من ألمانيا والنمسا إلى فلسطين، على أن يحول كل يهودي بضائع ألمانية لا تقل قيمتها عن ألف جنيه استرليني، وبناء على تلك الاتفاقية هاجر أكثر من 60 ألف يهودي، مع تدفق بضائع ألمانية لا تقل قيمتها عن 8.1 مليون جنيه استرليني. وعن طريق ذلك استطاعت الوكالة الصهيونية أن تنقل آلات تكنولوجية ضخمة واستفادت ألمانيا النازية بالتخلص من عدد كبير من اليهود، بالإضافة إلى إنعاش الاقتصاد الألماني في وقت كان الاقتصاد الأوربي و كذلك الأمريكي يعانيان من تبعات أزمة الكساد الكبير في 1929.

وبالتزامن مع «هعفراه» وفي عام 1934 بدأت الوكالة الصهيونية في تصنيع السلاح على أرض فلسطين وتحت أعين المستعمر البريطاني، وأصبحت الوكالة تنتج 15 ألف طلقة رصاص يوميا في 1939، وبالطبع خلال الحرب العالمية الثانية، قدمت الوكالة للجيش البريطاني 3.6 مليون لغم مضاد للدبابات، و7.9 مليون وعاء فولاذي. وهنا يقول النجار: «بلغت القيمة الإجمالية لمنتوجات المصانع الصهيونية لحساب الجيش البريطاني خلال الحرب 33 مليون جنيه استرليني»، في المقابل لم تسمح بريطانيا لدول عربية كانت تحت سلطتها بتطوير صناعتها العسكرية، ومنها مصر.

المساعدات الخارجية والمعجزة الزائفة

في الفصل الثاني من الكتاب، يلقى أحمد السيد النجار الضوء على المساعدات الخارجية التي تلقاها الكيان الصهيوني منذ نشأته في 1948، وحتى عصرنا الحالي، وكيف صنعت تلك المساعدات «المعجزة الزائفة» لتلك الدولة، التي تُصنف على أنها دولة صناعية متقدمة وذات دخل مرتفع ومع ذلك هي أكبر متلقٍ للمنح الخارجية حتى الآن.

يقول النجار: «وفقا لقاعدة بيانات تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للكيان الصهيوني، نحو 365.6 مليار دولار عام 2018 وبلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل في ذلك العام نحو 41.180 دولار وفي نفس العام بلغ الناتج المحلي الإجمالي في كل من فرنسا، وايطاليا، واليابان، واسبانيا، والبرتغال بالترتيب نحو2795 مليار دولار ونحو 2087 مليار دولار ونحو 5071 مليار دولار ونحو 1437 مليار دولار ونحو 238 مليار دولار وبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا، وايطاليا، واليابان، واسبانيا، والبرتغال بالترتيب نحو 42.930، و34.349،و40.106،و31.060، و23.176 دولار عام 2018»، ويشير النجار إلى أنه حتى بحساب الإجمالي المقاس بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية، يظل متوسط نصيب الفرد قريبا من نظيره في فرنسا وأعلى من اليابان، ويظل الناتج الإجمالي أعلى من البرتغال وقريبا من اسبانيا، ورغم ذلك الثراء يظل الكيان الصهيونى أكبر متلقٍ للمنح، فتقدم له الحكومة الأمريكية وحدها 3.8 مليار دولار كمنحة سنوية.

نتيجة بحث الصور عن المساعدات الأمريكية لإسرائيل

مساعدات خارجية ضخمة

ويقسّم الكاتب العوامل التي تدفع الكيان الصهيونى إلى تلقي الإعانات إلى «الضرورات العسكرية، و الضرورات الاقتصادية، والضرورات الديموجرافية»، فيشير في الأولى إلى أن الكيان بداية من تأسيسه، لم يكن ليستطع أن يغطي النفقات العسكرية بمفرده خاصة مع سعيه الدائم للتفوق العسكري على دول الجوار، سواء في إطار حماية وجوده أو في التوسع حتى عام 1967، وأخير لعب دور شرطي الحراسة الدائم لمصالح الامبريالية العالمية فيشارك في العدوان الثلاثي على مصر عام 56، ويتوسع في 67، ويقوم بضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، أما عن الضرورات الاقتصادية فيقول النجار أن طبيعة العوامل التي أدت إلى ضرورة حصول الكيان الصهيوني على المساعدات الخارجية تغيرت بتطور اقتصاد الكيان نفسه، ففي البداية كان الهدف هو تمويل جذب واستيعاب المهاجرين، ثم بعد الاستيلاء على فلسطين كان الهدف هو استقطاب الاستثمارات الأجنبية لتطوير القطاع العسكري والمدني اعتمادا على التكنولوجيا الحديثة، وهو الشيء الذي كان غير ممكن بالاعتماد على المدخرات المحلية، فالاقتصاد الفلسطيني المغتصب حينها كان قائماً على المنتجات الزراعية والمنتجات الكيماوية المستخرجة من البحر الميت، فنجد أن معدل تدفق الأموال الخارجية السنوي بلغ في عام 1949، 161 مليون دولار، وارتفع إلى 351 مليون دولار في 1958، ثم إلى 627 مليون دولار في 1964.

نتيجة بحث الصور عن المساعدات الخارجية لإسرائيل
أما عن مصادر المساعدات الخارجية فيقسمها النجار إلى ثلاث مصادر رئيسية هي «أمريكا و ألمانيا، الجباية اليهودية»، بالإضافة إلى مصادر فرعية مثل البنوك الغربية، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، فنجد أن الولايات المتحدة من أوائل الدول التي ساعدت الكيان الصهيوني عقب الإعلان عنه في 48، فمن خلال بنك الاستيراد والتصدير قدمت أمريكا قرضا يبلغ 135 مليون دولار في عام1949، وفي الفترة بين 49 و53، بلغت قيمة المساعدات الرسمية 70 مليون دولار سنويا بالإضافة إلى مواد غذائية بلغت قيمتها 20 مليون دولار سنويا، وتقدر قيمة المساعدات التي قدمتها أمريكا عام 52 على سبيل المثال بما يوازي 93% من قيمة المساعدات التي قدمتها أمريكا لبلدان الشرق الأوسط.
في الجزء الثالث من قراءتنا لكتاب النجار سنقدم شرحا لتطور المساعدات الأمريكية منذ نشأة الكيان الصهيوني وحتى الآن بالإضافة إلى المصادر الأخرى التي تساعدنا على فهم كيفية تطور الاقتصاد الصهيوني لما هو عليه الآن.

نتيجة بحث الصور عن المساعدات الخارجية لإسرائيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق