منوعات

الإمام محمد عبده.. إصلاحي أم ثائر؟

لعل أبرز الاتهامات التي وُجهت إلى الشيخ محمد عبده في حياته وبعد وفاته على حد سواء هو تنكره، عقب عودته من المنفى، لدوره في الثورة العرابية.حيث تعهد الشيخ –وفقا لمنتقديه- قبل عودته لكل من الخديوي توفيق واللورد كرومر ممثل الاستعمار البريطاني بأن يقتصر نشاطه على مجال التربية. وعقب عودته، كتب الشيخ كتابا عن «الحوادث العرابية» تنصل فيه تماما من دوره فيها، مما عده كثيرون إنكاراً لدوره الوطني.

وهو ما يطرح سؤالا هاماَ : هل كان محمد عبده ثائراً كالعرابيين، ينشد تغيير النظام القائم أم كان مختلفاً معهم منذ البداية وجاء الاحتلال البريطاني للبلاد ليبرز هذا الاختلاف؟

التلميذ والأستاذ

في مقدمته لمجموعة الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده والتي قام بتحقيقها أيضاَ، يطرح الدكتور محمد عمارة هذا السؤال كمدخل إلى فهم الإمام وأعماله.

د. محمد عمارة

يؤكد عمارة في باديء الأمر على العلاقة الوثيقة التي جمعت بين عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني خلال السنوات التي عاشها الأفغاني في مصر وأثّر فيها بشكل كبير في فكر المتعلمين من أبنائها ومن بينهم عبده بطبيعة الحال.

يشير عمارة إلى أن محمد عبده في تلك الفترة كان لا يفارق أستاذه الأفغانى ودخل معه فى ما عرف بالـ «الحزب الوطني» في مصر والذي ضم كوكبة من الوطنيين الذين طالبوا بأن تكون مصر للمصريين ومهدوا – بشكل أو بآخر – للثورة العرابية.

لكن عمارة -وإن كان يؤكد على تشابه الغايات بين التلميذ والأستاذ متمثلة في العمل على تجديد الفقه ونهضة الشرق وفي القلب منه مصر وتحقيق الحرية لأبنائه -إلا أنه يرى أن الاختلاف الأساسي بينهما كان في نوعية الوسائل المتبعة لتحقيق هذه الغايات.

ففي حين كان الأفغاني ينشد الثورة ويحرض شعوب البلاد – التي تنقل بينها منذ خروجه من موطنه أفغانستان- عليها، كان عبده ينشد الإصلاح.

بعبارة أخرى، كان عبده يرى ضرورة التدرج في إدراك الغايات ولا يؤمن بالتغيير الفجائي المتمثل في الثورة، وإنما في ذلك التغيير الذي يتم على مدار سنوات من خلال منهاج التربية القويم.

ويمتد الاختلاف إلى الموقف من الجماهير أيضا ففي حين كان الأفغاني يرى أن الجماهير مهياة للثورة كان عبده يرى أنها أبعد ما تكون عن ذلك ويصفهم في مقال له في جريدة الوقائع المصرية بأنهم «لا يمنعون تقدماً ولا يحجزون تمدناً».

اقرأ أيضا:

ولعل هذه الحقيقة تفسر موقف عبده من العرابيين في بداية أمرهم، فمن ناحية امتدح  أخذهم بنهج السلمية في المطالبة بحقوقهم وحقوق الشعب من ورائهم، ذلك أنه-على عكس الأفغاني- كان لا يؤمن بالثورة المخضبة بالدماء.

إلا أنه في الوقت ذاته إختلف مع دعوة العرابيين إلى الحياة النيابية، معتبراَ أن الشعب ليس مهيئا بعد لهذه المرحلة، فكتب سلسلة مقالات بعنوان «خطأ العقلاء» يؤكد فيها أنه من الخطأ أن تُكلف أمة على السير في طريق لا تعرف له حقيقة. ويرى أن غاية ما يمكن أن تطلبه الأمة في هذه المرحلة من تاريخها هو «تحسينات» على حد تعبيره، فإذا ما اعتادوها طُلب منهم ما هو أرقى بالتدريج.

ويرى عبده  أن وصول الأمم الشرقية كمصر وأفغانستان وغيرهما للحكم النيابي على النمط الأوروبي والأمريكي يحتاج إلى «بث العلوم» و«تهذيب العقول» وتذليل «الشهوات الخصوصية».

وحتى في اللقاء الذي جمع محمد عبده بقائد الثورة العرابية أحمد عرابي والذي جاء قبل أيام معدودة من قيام عرابى بحصار قصر عابدين في التاسع من سبتمبر عام 1882، أكد الشيخ محمد عبده على موقفه المخالف لنهج عرابى ورفاقه حيث أصر على أن خير ما يبدأون به هو التربية والتعليم لتكوين الرجال المؤهلين مستقبلا لحمل أمانة الحكم النيابي مسلحين بالعلم والعزيمة.

أما المطالبة بالدستور والبرلمان بشكل مباشر فكانت خطوة يعارضها عبده ويرى أنه ليس من الحكمة أن تُعطى الرعية ما لم تستعد له بعد.

تغيرٌ فى الموقف

ويبدو أن عبده كان ينظر بعين الريبة لاستخدام هولاء الثائرين للقوة العسكرية أو تلويحهم بها على الأقل لتحقيق مطالب الشعب ويرى أن طلب مجلس شورى بالقوة العسكرية أمر «غير مشروع».

لكن تسارع الأحداث كان لا بد له أن يُنتج تغيرا في المواقف، فبعد أن نال الثوار مطالبهم في عابدين وبعد أن أجريت الانتخابات البرلمانية في أكتوبر من نفس العام وأفرزت برلمانا كان أغلب أعضائه من كبار ملاك الأراضي وأعيان الريف، وجد العسكريون وحلفاؤهم من النواب أنفسهم في موضع قوة يتيح لهم إسقاط وزارة شريف باشا والإتيان بواحد منهم هو محمود سامي البارودي لرئاسة الوزارة.

وكان من الطبيعي أن تُزعج هذه التحركات الدول الأوروبية وخاصة بريطانيا وفرنسا اللتين خشيتا أن تؤثر نجاحات العسكريين على مصالحهما في مصر، فكان أن حضرت الأساطيل البريطانية إلى مياه الإسكندرية في صيف العام 1882 في استعراض  الغرض منه ترهيب الثائرين.

هنا تجاوز المعتدلون من أمثال الشيخ محمد عبده خلافاتهم مع قادة الثورة، إذ لم يعد الأمر اختلافا حول أسلوب أو طريقة الحكم وإنما صار دفاعا واجبا عن حرية البلاد وكرامتها.وبطبيعته كرجل معتدل  اقترح محمد عبده أن يذهب إلى لندن ليشرح القضية المصرية للإنجليز مزودا بكافة الوثائق والأوراق اللازمة.

لكن القائد الإنجليزي سيمور لم يمهل عبده ولا مساعيه، فبدأ قصف الإسكندرية في يوليو 1882، فتحول  محمدعبده إلى واحد من أبرز دعاة الدفاع عن الوطن وبات خطابه أقرب إلى خطاب النديم أحد كبار الثائرين.

وجاءت النهاية الحزينة للمعركة في التل الكبير ثم دخول القوات الإنجليزية الغازية إلى الإسكندرية بفعل خيانة نفر غير قليل من الأعيان وعدد من ضباط عرابى لتكون علامة فارقة في مسيرة الشيخ محمد عبده.

فعلى إثر الاحتلال، عرف عبده طعم السجون للمرة الأولى في حياته وأمعن سجانوه في محاولات إذلاله كما فعلوا مع بقية قادة الثورة، وزاد في محنة عبده ورفاقه تنكر الجميع لهم بما في ذلك من كانوا بالأمس القريب يُعَدون من أنصارهم.

ولم تكن تجربة النفي إلى خارج مصر أقل إيلاما إذ فرضت عليه البعد عن زوجه وأولاده، ولم يخفف من هذا الألم زواجه للمرة الثانية في منفاه في بيروت، حيث ظل البعد عن الوطن هاجسا واضحا في كافة كتاباته.

اقرأ أيضا: 

عودة للرؤية الإصلاحية

وفي المنفى، يبرز الجانب الإصلاحي للشيخ محمد عبده  من جديد، فرغم انضمامه مرة أخرى إلى أستاذه الأفغاني في باريس ومساهمته في تحرير مجلة «العروة الوثقى» المنددة بالاحتلال إلا أن عبده يصارح أستاذه بيأسه من العمل في السياسة ورغبته في التركيز على مجال التربية كما كان فى بداية دخوله العمل العام وهو ما اعتبره الأفغاني تثبيطا وتصديراً للإحباط وتسبب في قطيعة بين الأستاذ والتلميذ.

وعلى هذا النهج، سار عبده حين تمكن- عبر وساطة من اللورد كرومر- من العودة إلى مصر عام 1889، حيث ركز جهده للتربية التي اعتبر أنها أمل الأمة لإخراج جيل مثقف مستنير يتولى الإصلاح إلى أن رحل عن دنيانا في الحادي عشر من يوليوعام 1905.

وكان موقف محمد عبده من الاحتلال الإنجليزي موقفا وسطا بين دعاة الثورة وبين دعاة الاستسلام للاحتلال بوصفه أمرا واقعا حيث رأى أن الغاية هي إخراج الإنجليز من مصر ولكن ذلك –فى رأيه- «عمل كبير جدا» ويحتاج إلى «السير في الجهاد على منهاج الحكمة، والدأب على العمل الطويل ولو لعدة قرون».

اقرأ أيضا:

وهو ينصح بذلك لا أبناء مصر فقط وإنما يرى أن هذا هو النهج الذي ينبغي أن يسير عليه أبناء المغرب العربي الواقعون تحت الاحتلال الفرنسي هم أيضاَ.

ومن اللافت للنظر أن هذا النهج وإن كان إصلاحياً بحتاً إلا أنه أفرز شخصيات من أمثال مصطفى كامل في مصر والشيخ عبد الحميد بن باديس في الجزائر والشيخ عز الدين القسام في بلاد الشام، وكلهم من دعاة الجهاد ضد المحتل الأجنبي الغاصب.الأمر الذي يطرح سؤالا: هل يمكن أن يجتمع نهجا الإصلاح والثورة معا أم أنهما متناقضان بالضرورة؟

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق