فن

الفنان أحمد كمال.. وحديث برائحة الليمون (1)

«أنا إللي بالأمر المحال أغتوى .. شفت القمر نطيت لفوق في الهواء .. طولته مطلتوش أيه أنا يهمنى .. وليه مدام بالنشوي قلبي أرتوي» من رباعيات المبدع الراحل صلاح جاهين.

طلبت منه في ختام حواري معه أن يدلني على بيت شعر هو الأقرب للتعبير عنه، فقال إن أشعار صلاح جاهين وفؤاد حداد بصفة عامة هى الأكثر قربا له، ومن ثم أختار تلك الرباعية «أنا إللى بأمر المحال أغتوى».. فمن يا تُرى هذا الذي بالأمر المحال أغتوى؟.. أنه الفنان الموهوب والمثقف أحمد كمال، الذي أغتوى منذ طفولته المبكرة بعشق الفن، فعاش حياته ناسكا في محرابه، وحيدا ربما، ولكن هل للناسك المتعبد في محرابه من رفيق سوى ما يعشق؟.

ترى من أين جاء هذا الفنان المبدع؟، وكيف تمكّن من أن يصبح مبدعا في مجال المسرح والسينما والدراما التليفزيونية، إلى جانب مجال إعداد وتدريب الممثلين؟.

 

 في هذا الحوار معه نتتبع الرحلة الإنسانية والفنية الثرية لهذا الفنان، والتي امتزجت تفاصيلها بالتاريخ الاجتماعي والسياسي المصري على مدي نصف قرن من الزمان، بدأ من لحظة هزيمة يونيو 1967، مرورا بإنتفاضة 1977 وثورة 25 يناير 2011، وصولا للحظة الراهنة بكل ما تحمله من أزمات.

طفولة برائحة الليمون

ولد أحمد كمال بحي روض الفرج بالقاهرة، حيث عاش حتى الخامسة من عمره في بيت العائلة الكبير،من ثم انتقلت الأسرة لحي «الكيت كات»، حيث الخضرة والنيل. كان طفلا منطويا داخل أسرته لكنه «الإنطواء الإيجابي» على حد وصفه، يقضي وقته في الرسم، وعمل مسرح للعرائس، أو اللعب مع جيرانه في الشارع أمام البيت، ذلك الشارع الذي يصفه بأنه «شارع آمن» لا تمر منه السيارات إلا فيما ندر.

بالقرب من البيت كان يقع نادي «طلعت حرب» حيث تم تصوير العديد من أفلام عماد حمدي وفاتن حمامة. لذا لم يكن غريبا أن يشاهد وهو يلعب مع رفاقه بالشارع العديد من الممثلين وهم في طريقهم إلى النادي أمثال فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي وغيرهم.

عائلته من التجار، يصفها بأنها «عائلة تنتمي للمستوى الإقتصادي تحت المتوسط»، كانت أسرته تتكون من الأب،الذي يعمل في مجال تجارة الأدوات المكتبية، والأم ربة البيت ذات الوعي والرقي المتفهمة لطبيعة أطفالها، ولأهمية الأنشطة على إختلافها لنمو الأطفال، التي تعي جيدا معنى التدين الحقيقي، وطريقة التعامل المثلى مع الأطفال. أما أخوته فكانوا ثلاثا من الإناث وأخا واحدا وهو الأصغر بينهم.

حين التحق بمدرستة الحكومية «مدرسة ابن خلدون الإبتدائية المشتركة» بحي الكيت كات، صادف مدرس الكشافة الأستاذ محمد ذو الأصول النوبية، الذي درّبه على العديد من التدريبات الخاصة بالتمثيل. والغريب في الأمر أن تلك التدريبات عاشت معه حتى أصبح مدربا للتمثيل وصار يستخدمها في تدريباته المختلفة.

 بدأ شغف أحمد كمال بالفن منذ كان طفلا صغيرا، يروي عن مرحلة طفولته بشغف شديد وكيف جمع أصدقاءه الأطفال سكان ذات العمارة، وكوّن منهم فريقا للتمثيل، حيث قاموا بأداء العديد من «الاسكتشات» التي ليس لها بداية أو نهاية، وتعتمد على الإرتجال الحر، ما يولد عددا من الشخصيات المختلفة، مثل المعلم والضابط والمحامي وغيرها من الشخصيات.

تسلل الحزن إليه وأسرته كما باقي أبناء الشعب المصري وهو لم يزل طفلا لم يبلغ العاشرة، مع هزيمة 1967، وعاش حرب الإستنزاف وما رافقها من أحاديث عن البطولات العظيمة لجنودنا على الجبهة، وشارك في المرحلة الثانوية في العديد من الأعمال المسرحية عن حرب أكتوبر، تم عرضها عبر مسابقات كانت تعقد على مستوى الجمهورية، وكانت أسرته تحرص على حضور تلك العروض.

كانت نشأته الأولى في حي الكيت كات ثرية مليئة بالأنشطة الفنية المختلفة والأصدقاء واللعب، والطبيعية الخلابة، حيث أشجار الليمون.. كانت نشأة ممزوجة برائحة شجر الليمون، وأصوات باعة الخضروات والفاكهة المبهجة الجميلة.

الجامعة وبداية الرحلة

التحق أحمد كمال بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة، حيث بحث منذ اليوم الأول عن فريق المسرح بالكلية، «كان فريق المسرح هو الهدف وليس الجامعة»، وقد ضم فريق المسرح عددا من رفاقه في عالم الفن بعد ذلك مثل المخرج ناصر عبد المنعم والفنانة عبلة كامل والشاعر الراحل مجدي كامل والفنان ياسر ماهر، وغيرهم الكثير من الفنانيين بفرق المسرح بالكليات المختلفة أمثال الفنان صلاح عبدالله والفنان أحمد صيام والفنان فتوح أحمدترسّخ لدى أحمد كمال منذ التحاقه بالجامعة، يقين بأن المسرح هو مجاله الذي سيكمل فيه رحلته في الحياة،فتدرب بشكل منتظم بالعديد من الورش الفنية التي كانت تعقد بالمراكز الثقافية الأجنبية، شارك بفاعلية شديدة بمسرح الجامعة.

حين اندلعت إنتفاضة 1977 كان أحمد كمال ورفاقه على خشبة المسرح بالجامعة، يعرضون مسرحية «باب الفتوح» تأليف محمود دياب وإخراج سامي صلاح، وعقب إنتهاء العرض عرفوا نبأ الإنتفاضة، خرج ورفاقه للمشاركة في التظاهرات الليلية.

يتناول أحمد كمال عالم الجامعة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي حيث عاش تجربة تمدد تيار الإسلام السياسي داخل الجامعة، وكيف لعب الرئيس السادات دورا في ظهور ودعم هذا التيار، بهدف ضرب الحركة الطلابية والتيارات السياسية داخل الجامعة، وكيف كان أعضاء ذلك التيار المتشدد يهجمون على القاعات الدراسية بالجامعة لوقف أى نشاط فني أو ثقافي. يروي أحمد كمال عن واقعة هجوم مجموعة من طلاب الإسلام السياسي على قاعة كان يُعرض بها فيلم سينمائي، حيث قاموا بضرب جمهور العرض من الطلاب بدعوى أن «الفيلم حرام».

يضيف أحمد كمال أنه كثيرا ما كانت تجرى حوارات بين المنتمين للتيارات السياسية المختلفة داخل الجامعة، ودائما ما كان طلاب الإسلام السياسي ينقضون الإتفاقات الناجمة عن هذه الحوارات، هذا بالإضافة إلى الموقف الداعم دائما وأبدا للطلاب المنتمين لتيار الإسلام السياسي من قبل أمن الجامعة.

بعد تخرجه عام 1980 استمرت علاقة أحمد كمال بجامعة القاهرة لعدة سنوات مشاركا في تدريب طلاب الجامعة على فن التمثيل، إضافة للمشاركة في تقديم الدعم الفني للعديد من الأعمال المسرحية التي كانت تعرض بالجامعة.

مسرح الشارع وفرقة الورشة

مثلما شهدت سبعينيات القرن الماضي تمدد تيار الإسلام السياسي، فإنها شهدت أيضا تجربة المنابر السياسية، (اليمين – الوسط – اليسار)، وخلال تلك الفترة أنضم أحمد كمال وعدد من رفاقه لمنبر اليسار، ليس بهدف ممارسة العمل السياسي وإنما بهدف الإستفادة من الإمكانات المتاحة والمشروعة بتلك المنابر للعمل بمجال المسرح.

ظهر حينها ما عرف بفن «مسرح الشارع»، حيث شارك وعدد من رفاقه بتشكيل فريق «مسرح الشارع» والذي كان يتخذ من مقر حزب التجمع وسط القاهرة مكانا للتدريب، وقد طاف هذا الفريق بعروضه المختلفة العديد من المحافظات.

مع بداية الثمانينات -وكان أحمد كمال قد تم تعينه في العمل بمسارح الدولة- حضر الفنان حسن الجريتلي من فرنسا التي كان يقيم بها، فأسس فرقة الورشة التي كان أحمد كمال من أوائل المنضمين لها، حيث شارك بالعمل كمساعد بمسرحية «نوبة صحيان» بطولة عبلة كامل، كما شاركها مسرحية «موت المعلم»، وشارك مع عمرو عبد الجليل بمسرحية «الخادم الأخرس»، ومسرحية «العشيق» مع نهى العمروسي، وتوالت العروض، «دايرن داير» و«داير ما يدور» و«رصاصة في القلب» وغيرها الكثير.

ليفتح المسرح بعدها للفنان أحمد كمال أبواب عالم السينما، ليشارك فيها بأدوار متميزة في أفلام «يوم حلو ويوم مر»، و«البحث عن سيد مرزوق» و«الكيت كات».. وتوالت الرحلة.

وللحديث بقية….

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. لم اتوقع هذا المستوي الراقي في كتابة الحوار الذي اجريته مع الاستاذه نفيسه ،، شكرا علي هذا الاخلاص في الكتابه ،،تحياتي

  2. تسلم وتعيش أستاذ أحمد انت فنان عظيم وتستحق كل التقدير .. اتمنى اكون نجحت في تقديمك كما يليق بفنان مبدع مثلك

إغلاق