منوعات

كمال الدين رفعت.. رجل المهمات الصعبة

من النادر حقاً أن يجد الباحث شخصية يتصل تاريخها الشخصي مع تاريخ الوطن إلى درجة يصعب معها التفريق بينهما. لكن هذا هو ما حدث مع شخصية كمال الدين رفعت، السياسي المصري البارز وعضو تنظيم الضباط الأحرار، والذي ظل على مدار أكثر من أربعين عاماً الرجل الغامض الذي يعمل في صمت وسرية والمسؤول عن أكثر الملفات أهمية.

رفعت المولود في عام 1921 لأسرة من الطبقة المصرية الوسطى، تخرج في الكلية الحربية عام 1942، وهو نفس العام الذي شهد غليانا في الشارع المصري في أوج الحرب العالمية الثانية. ففي الرابع من فبراير من ذلك العام تعمّد المحتل الإنجليزي إذلال ملك البلاد الشاب المتعاطف مع الألمان، حيث حاصرت الدبابات الإنجليزية قصر الملك فاروق، وتم تخييره بين العزل عن العرش أو تعيين وزارة يرضى عنها المحتل بقيادة زعيم الأغلبية مصطفى باشا النحاس.

كان الجيش الذي إنتمى إليه رفعت أكثر الأطراف سخطاً على ذلك الموقف المذل، وبلغ الأمر أن عسكرياً مخضرماً هو اللواء محمد نجيب سعى لتقديم استقالته لشعوره بالعجز عن حماية ملك البلاد الشاب.

بين العمل الفدائي وتنظيم الضباط  الأحرار

كان رفعت ينتمي إلى جيل من الضباط المصريين الذين تفتح وعيهم على الانتفاضة الشعبية في الثلاثينات المطالبة بالدستور، وكان من بينهم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وأخرون.

خاض هذا الجيل تجربة القتال إلى جانب القوات الإنجليزية أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم جاءت التجربة الأكثر قسوة من خلال مشاركته في حرب فلسطين عام 1948. وقد كرست نكبة فلسطين في ذهن هذا الجيل فكرة مفادها أن التغيير لابد أن يبدأ من القاهرة، مما دفعهم لتكوين تنظيم اسموه «الضباط الأحرار».

ومنذ البداية كان كمال رفعت جزءاً لا يتجزأ من هذا التنظيم، ومع إلغاء معاهدة عام 1936 وتفجّر العمل الفدائي في منطقة القناة بشكل عفوي وتلقائي بدءاً من أكتوبر عام 1951، أخذ رفعت على عاتقه مع ضباط أخرين مهمة تدريب الفدائيين.

جمع رفعت الفدائيين الذين كانوا في أغلبهم من أبناء الحركتين العمالية والطلابية الناشطتين للغاية في تلك الأونة، وأقام لهم معسكراً في صحراء الفيوم لتدريبهم على السلاح والأساليب المتنوعة لحرب العصابات.

 كان رفعت طيلة الفترة الممتدة ما بين أكتوبر 1951 ويناير 1952 بمثابة العقل المدبر للعمليات الفدائية في منطقة القناة ضد قوات الاحتلال البريطاني، واستطاع تكوين نواة لجهاز استخباراتي تمكّن من جمع المعلومات لصالح الفدائيين.

إلا أن القمع الدموي للحركة الفدائية، والذي وصل إلى حد قصف قوات الأمن المصرية في الإسماعيلية في 25 يناير 1952، وما أعقب ذلك من حريق القاهرة في اليوم التالي، وعزل الملك لحكومة الوفد الأخيرة، وتعاقب حكومات الأقلية على حكم البلاد، كل ذلك أكد لرفعت ورفاقه وعلى رأسهم ناصر، ضرورة القيام بتحرك عسكري لتغيير النظام القائم.

ثورة يوليو ومعركة الجلاء

وبالفعل تحرك الضباط الصغار في السن والرتب وتمكنوا من الاستيلاء على مفاصل الدولة في 23 يوليو عام 1952. وبعد عزل الملك ونفيه وتصفية الطبقة الموالية له وللاحتلال من خلال قوانين الإصلاح الزراعي، دخل الضباط في طور المفاوضات مع المحتل للوصول إلى اتفاقية حول الجلاء.

كان قادة يوليو يدركون أن هذا الاتفاق لن يتم إلا بمواصلة الضغط على القوات الإنجليزية من خلال استمرار العمل الفدائي، ومرة أخرى عهد لرفعت بمهمة تنظيم صفوف الفدائيين الذين الأن صاروا يتلقون دعما مباشراً من الدولة والمؤسسة العسكرية.

أدت التكتيكات التي لجأ إليها رفعت دورها وتم توقيع اتفاقية الجلاء في أكتوبر من عام 1954، وبعد أقل من شهر من جلاء أخر جندي إنجليزي عن مصر في يونيو 1956، كان الرئيس الجديد جمال عبد الناصر ينتزع إدارة شركة قناة السويس في يوليو من نفس العام.

 سعت كل من فرنسا وبريطانيا للسيطرة على القناة من خلال عدوان مشترك تحالفت فيه معهما القيادة الصهيونية، ومع هبوط المظليين الفرنسيين والإنجليز في منطقة القناة، استطاع رفعت الاستفادة من التنظيمات الفدائية التي كان بمثابة قائد لها على مدار سنوات خمس، وقام بتنشيط خلايا الفدائيين في بورسعيد وغيرها.

وعاشت بورسعيد على مدار شهرين حرباً شعبية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وتمكن فدائيوها رجالاً ونساءاً من تنفيذ عمليات غاية في الجرأة، مثل أسر الضابط الإنجليزي مورهاوس الذي يمت بصلة قرابة لملكة إنجلترا واغتيال الضابط الإنجليزي ويليامز والكولونيل جرين.

ومع ديسمبر 1956 انسحبت جيوش العدوان وخرجت مصر من تلك المعركة قائدة لحركات التحرر في دائرة ما يعرف باسم دول العالم الثالث.

تدريب الفدائيين الفلسطينيين

و عقب انتهاء العدوان الثلاثي، امتد دور كمال الدين رفعت إلى خارج حدود مصر، حيث شارك في تدريب الفدائيين الفلسطينين الذين بدأوا ينفذون هجمات ضد العدو الصهيوني انطلاقاً من قواعدهم في الأردن.

وواصل رفعت دوره الوطني من خلال مناصب عدة تقلدها في مراحل مختلفة، فكان أحد مؤسسي جهاز المخابرات العامة المصرية مع زكريا محيي الدين، وكان دوره كوزير للعمل محورياً في تكريس ما عرف بقوانين يوليو الاشتراكية بدءاً من عام 1961 التي صودرت بموجبها عشرات الشركات الرأسمالية لصالح الدولة ،ومُنح العمال في المصانع حق المشاركة في مجالس الإدارة.

كما استطاع كوزير للأوقاف تطوير مؤسسات الأزهر الشريف وإدخال مواد علمية ونظرية إلى مناهج الدراسة في جامعة الأزهر في الستينات.

وفي أعقاب هزيمة يونيو 1967، عهد الرئيس عبد الناصر إلى كمال رفعت بمهمة تشكيل تنظيم جديد داخل الاتحاد الإشتراكي، يتجاوز أخطاء الماضي التي أدت إلى ما حدث في يونيو من ذلك العام، وهو التنظيم الذي حمل اسم التنظيم الطليعي، وكانت قاعدته الأساسية من الشباب الجامعي.

ومع تغير القيادة في السبعينات، عاد رفعت مرة أخرى إلى الساحة السياسية، ولكن كمعارض هذه المرة، فمع اطلاق الرئيس السادات تجربة المنابر داخل الاتحاد الاشتراكي، أسس رفعت مع رفاقه ما أسموه المنبر الناصري.

وسرعان ما تحولت المنابر إلى أحزاب، فكان رفعت من مؤسسي حزب التجمع الذي بدأ كمظلة لقوى اليسار المعارض في تلك الفترة، وصار رفعت المتحدث الرسمي باسمه.إلا أن المنية وافته بعد ذلك بوقت قصير، ليرحل عن عالمنا في 13 يوليو 1977 ،مخلفا وراءه تركة مشرفة من النضال الوطني والعمل السياسي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق