ثقافة

دلالات جائزة: راهن المشهد الإبداعي الخليجي

مع قرب نهاية عام 2012، وكان عامي الرابع في سلطنة عمان، حيث كنت أعمل أستاذًا مساعدًا في الأدب والنقد العربي بجامعة نزوى، كنت قد انتهيتُ من مسودّة كتابي «نحو كتابة جديدة: قراءة في الأدب العماني المعاصر»، الذي تبنّته الجمعية العُمَانية للكتّاب والأدباء، وتمّت طباعته قبل مغادرتي بأشهر معدودة بمبادرة طيبة من الشاعرة والناقدة الأكاديمية سعيدة خاطر الفارسي والشاعر سعيد الصقلاوي. و في مقدمة هذا الكتاب وردت الفقرة الآتية:

«حين أتيتُ إلى عُمان، منذ ثلاث سنوات تقريبا، لم أكن أعرف من كُتّابها سوى سيف الرحبي وسعيدة خاطر بحكم لقاءاتي بهما في القاهرة أكثر من مرة. وللأمانة، كنت أشعر ببعض الدهشة والغرابة من تردّد اسم قاص عماني شاب يُدعَى سليمان المعمري، في الوسط الثقافي المصري، وكيف استطاع أن يفوز بجائزة يوسف إدريس (المصرية) في القصة القصيرة التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 2007م. لم أكن أتخيل، آنئذٍ، أن ثمة فورانًا إبداعيًا أو «انفجارًا» يحتدم في التربة الثقافية العمانية منذ بداية الألفية الجديدة ولا يجب تجاهله، بدلًا من الحديث عن أزمة مستدامة للنقد والنقاد العرب. أما الآن وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات من قراءة النصوص الأدبية والثقافية والفعاليات التي تحدث في فضاء الواقع الثقافي العماني، أكاد أدّعي معرفةً كبيرةً بكثير من مثقّفيه وكتَّابه الذين أشعر وسطهم بالألفة، كما أكاد أحدس بما يمكن أن يبلغه بعض الكتَّاب العمانيين من مكانة عربية مرموقة ومؤثّرة، سوف تتجاوز النطاق المحلي، وربما الإقليمي، خلال السنوات العشر القادمة». (من مقدمة كتابي: نحو كتابة جديدة: قراءات في الأدب العماني المعاصر، إصدارات الجمعية العُمانية للكتّاب والأدباء، دار الدوسري، البحرين، الطبعة الأولى، 2011، ص: 11).

د. محمد الشحات

 لعلك تدرك أيها القارئ إشارتي أو استشرافي (وهو استشراف أو حدس فنّي محض ليس إلّا) لإمكان تجاوز بعض الكُتّاب العمانيين (وأقول «بعض») فضاءهم المحلي المحدود خلال السنوات العشر القادمة. وربما من حسن حظي، أو من حسن حظ الثقافة العمانية، أنه لم تمضِ السنوات العشر، حتى تردّد أكثر من مرة اسم محمود الرحبي، على سبيل المثال لا الحصر، في عدد من جوائز القصة القصيرة العربية، ومن قبله فوز قصة سليمان المعمري بجائزة يوسف إدريس في القصة القصيرة، جنبًا إلى جنب عدد من الكاتبات اللائي أخذت نصوصهن تتلمّس مسارها القِرائي بتؤدة وخبرة نحو القارئ المصري والعربي مثل هدى حمد وبشرى خلفان وجوخة الحارثي وغيرهن.

بشرى خلفان                    جوخة الحارثي                        هدى حمد

واجتازت نصوص بعضهن الأخريات طريقها إلى دور نشر مصرية معروفة مثل «ميريت» و«دار العين» على وجه الخصوص، في حين ذهبت نصوص أخرى إلى «دار أزمنة» و«دار الانتشار» و«دار الفارابي» و«دار مسعى»،.. وغيرها، قبل أن تعرف النصوص العُمانية الأحدث طريقها إلى المؤسسات العُمانية الأهليّة التي تنهض بدور ثقافي فاعل ومرئِيّ مثل «بيت الغشّام» أو «بيت الزبير» أو غيرهما. محصّلة القول إن الكتاب العُماني قد فرض نفسه بالفعل في سوق الكتاب العربي.

رواية المرأة في الخليج والجزيرة

 وإذا أردنا الخروج بدلالة عامة من الوقوف على فوز الكاتبة العُمانية جوخة الحارثي بجائزة المان بوكر، فإنه يمكن القول إن الأدب النسائي الخليجي لم يتخلّف، في أغلب تجلياته، عن إبداع النساء العربيات في المناطق الأخرى. فإذا كانت ظاهرة الإبداع النسائي العربي قد بدأت مع الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، فإن إبداع المرأة الخليجية قد بدأ في الستينيات تقريبا بشكل متواتر، وهناك أسماء خليجية كثيرة شقّت طريقها منذ ذلك الوقت، حيث أسهم النفط في إتاحة الفرصة أمام المرأة الخليجية كي تشارك مشاركة حياتية أعمق في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية.

ثمة أسماء خليجية استطاعت أن تتجاوز تردّد البدايات وعثرات الحَبْو في عالم الكتابة البِكْر. فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن أن نذكر من البحرين: فوزية رشيد، ومن الكويت: ليلى العثمان وفوزية شويش السالم ومَيْس العثمان وبثينة العيسى، ومن السعودية: رجاء عالم، ومن الإمارات: باسمة يونس وميسون صقر، ومن سلطنة عمان: بدرية الشحّي وجوخة الحارثي وغالية آل سعيد وبشرى خلفان وفاطمة الشيدي وهدى الجهوري، ومن قطر: مريم آل سعد ودلال خليفة، وغيرهن الكثير من الأسماء في هذا القطر أو ذاك.

الملاحظ أن قطاعا كبيرا من قطاعات الكتابة الروائية النسائية في الخليج يقوم على استبطان الماضي وتوظيف التراث، الأسطوري أو الفولكلوري أو حتى الديني، والقدرة، في أغلب الأحيان، على الولوج إلى الأزمات العصرية والمعاصرة، أو مساءلتها بالدرجة نفسها من قوة الطرح والتناول. وهي، إجمالا، سمة مرافقة للكتابة العربية لدى الجنسين ذكورا وإناثا: الحديث عن المعاصر من خلال الإسقاط على الماضي أو التماهي معه وسبر أغواره العميقة وجذوره الممتدة.

 ورغم ذلك، فإن مغامرة الخروج من إطار الحيز الضيق إلى الإطار المفتوح تبدو هاجسا بالنسبة إلى أغلب الروائيات العربيات وأيضا الخليجيات. ولا تخلو أمثال هذه الآثار السردية من جعل المرأة بؤرةً للحكي ومرتكزًا للخطاب السردي، ومن ثم فإنه يتم التركيز على المرأة بوصفها مضطهدة، منتهَكة الحقوق، في معظم الأحيان، ويتجلّى ذلك في التربية القاسية أو الانتهاك الجسدي أو الابتزاز العاطفيّ أو «العنف الرمزيّ» (بالمعنى الذي كان يستخدمه بيير بورديو: 1930- 2002)، وبوصفها ضحيّة العادات والتقاليد الجائرة، ولا سيما قيام هذه الأعمال الروائية بطرق مختلفة تنهض كلها على فضح النفاق الاجتماعيّ، الذي يولّد تناقضات كثيرة من شأنها أن تُحْدِث صدعا في كيان الأسرة وأن تشقّ لحمة المجتمع.

ليست الكتابة النسائية في مدوّنة الرواية الخليجية كتابةً نضاليةً بالمعنى الأيديولوجي، الذي يمكن أن نحشر فيه كتابات عدد من الروائيين والروائيات ذوي المنحى الالتزاميّ بقضايا الطبقات المسحوقة والمهمّشة أو الشعوب المظلومة، بل هي كتابات تنطق بمعاناة فردية في العمق، تم تعميمها بحكم تشابه الوضعيات وانسداد الآفاق وتراكم الاحتقان.

Image result for ‫أدب الخليج‬‎

قفزة رواية المرأة السعودية

منذ أن صدرت رواية «بنات الرياض» (2005) لرجاء عبد الله الصانع، وحققت نجاحا ملحوظا على مستوى التوزيع والانتشار، تبعتها الكثير من الروايات التي يتضمن عنوانها كلمة «الرياض» مثل: «بنات الرياض: الصورة الكاملة» لإبراهيم الصقر، وروايات أخرى من قبيل: «شباب الرياض» و«نرجس في الرياض».. إلخ، ثم تحول الأمر إلى استعارة كلمة «السعودية» بوصفها اسما تجاريا مُسّوَّقًا عربيا وغربيا، من قبيل: «سعوديات» و«حب في السعودية»، وغيرهما من عناوين تؤّكد كون هذه النصوص -في الغالب الأعم- نصوصا تجارية تشتغل على تيمات الإثارة والغرابة أو الصدمة المعرفية، ويكتبها عادة مؤلّفون مجهولون، أو يكتبها كتّاب مبتدئون بأسماء مستعارة، وبنزوع رومانسي غالبا، للتخفّف من وطأة الرقابة على الذات والهروب من سلطة الأسرة والقبيلة والمجتمع. ربما لم تكن رجاء الصانع -عندما شرعت في كتابة «بنات الرياض»- تتوقع كل هذا الانتشار الإعلامي والصخب الفكري الذي شملت أصداؤه كثيراً من بلدان الوطن العربي، كما لم تكن تتوقع أيضا أن تكون روايتها بداية الانطلاق لعهد جديد من الرواية النسائية السعودية، لا سيما مع توارد الروايات والإصدارت (الناجحة على الأقل من الناحية التسويقية) مثل رواية «ملامح» للروائية زينب حفني.


رجاء عبد الله الصانع

بنات الرياض

لعل قارئ «بنات الرياض» لرجاء الصانع أو «ثمن الشوكولاتة» لبشائر محمد (2007) أو «القران المقدس» لطيف الحلاج (2007) أو مجموعة «فتاة البسكويت» لزينب على البحراني، أو غيرها من النصوص الروائية والقصصية التي تجري مجراها، وهي كثيرة ومتشابهة في المضمون – يمكن أن يقف على بعض الخصائص الفنية المتشابهة إلى حدّ بعيد، حتى على مستوى العناوين.

لقد ظهرت روايات سعودية عدّة تحمل أسماء مستعارة، مثلما كان يُنْشَر من قبل في حقبة الستينيات تحت أسماء «سميرة بنت الجزيرة العربية» و«غادة الصحراء» (على غرار عنوان رواية «غادة الكاميليا» لألكسندر دوماس الابن (1824-1895)، وغيرهما؛ وذلك إحياء لثقافة التخفّي وراء بعض الأسماء المستعارة التي ظهرت في الرواية السعودية، مثل: صبا الحرز، هاجر المكّي، طيف الحلاج، وردة عبد الملك، فكتوريا الحكيم.. إلخ. وتعود جذور هذه الظاهرة إلى نشأة الرواية العربية الحديثة، عندما بدأ محمد حسين هيكل نشر روايته «زينب» عام 1912م منجّمةً «بقلم فلاح مصري»، وكما فعل مؤّخرا صاحب رواية «وليمة لأعشاب البحر» الذي نشرها عام 1984 تحت اسم حيدر حيدر، وأعيد نشرها في القاهرة عام 1999 فأحدثت الضجّة المعروفة بين الأزهر والمثقفين المصريين في عام 2000م.

 وعلى الرغم من ذلك، فقد استطاعت رواية المرأة السعودية ترسيخ قدمها بتؤدة، مثل رواية «ستر» و«خاتم» و«طوق الحمام» لرجاء عالم، و«الفردوس اليباب» لليلى الجهني، و«البحريات» لأميمة الخميس، و«الآخرون» لصبا الحرز،.. وغيرها.

  تشتغل رواية «البحريات» لأميمة الخميس على حكاية أنثوية تربط بين شخصيتين أساسيتين هما «بهيجة» ومدينة «الرياض» اللتان تسعيان إلى الخلاص من هيمنة الذكورة وعنفها، لتجتمع بلقائهما خضرة الشام وصفرة رمال الصحراء ومناخها المتقلّب وطقوسها الخاصّة. وبموازاة الراوية، وعبر وعيها ومنظورها السردي، نتابع نشوء مدينة الرياض في هذا الوسط الضاغط بيئياً واجتماعياً، ومرورها بتحوّلات شتّى شكّلت نوعاً من المواجهة بين البداوة والحضارة؛ الأمر الذي يجعل من تحوّلات مدينة الرياض أنموذجا دالا على تحولات المدينة العربية الصاعدة نحو قيم التحضر والمدنية الواعدة الحاملة لبشارة الحرية والعدل، المؤمنة بالمساواة والتكافؤ بين الذكورة والأنوثة دون تمييز.

أميمة الخميسي

بالمقابل، استطاعت رجاء عالم، على وجه الخصوص، أن تلامس جوهر فعل الكتابة الأنثوي من خلال تنوّع تجربتها وثرائها، فلم تكن في (خاتم) سوى استكمال لتجربة كتابة أنثوية واضحة في (طريق الحرير) و(سيدي وحدانة) و(مسرى يا رقيب). غير أن روايتها «طوق الحمام» تمثّل سرديةً روحيةً تتحرك فوق محوري الزمان والمكان، وتسعى إلى كسر الجدران المادية الخانقة عن طريق خلق فضاءات افتراضية وروحية وفكرية. إن أغلب شخصيات رجاء عالم الرئيسية من النساء، والهموم هموم نساء، ونزوعها الروائي نزوع أنثوي في تصوير العالم وتشييد مفرداته وزواياه، ومحاولاتها الدائمة الخروج عن إطار رؤية الرجل المرسومة لها سلفا، التي كرّستها طبقات من المدوّنة السردية العربية التي تميل إلى الاحتماء بسياج «الذكورة».

رجاء عالم

الوسوم

محمد الشحات

ناقد وأكاديمي مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق