منوعات

ملامح جديدة للقرية.. تحقيق ميداني يرصد التحولات الثقافية والاقتصادية في الريف المصري

تقديم أصوات أونلاين:

خلال السنوات الأخيرة شهد مجتمع الصعيد في جنوب مصر، ولا سيما المناطق الريفية منه، تحولات ثقافية واجتماعية لافتة وعميقة. وقد القت تلك التحولات بظلالها بوضوح على نمط الحياة ومنظومة القيم الثقافية في هذا المجتمع، كما أنعكست على نظرة  أهل تلك المناطق إلى الكثير من القضايا والأمور.. فما كان مرفوضا صار مقبولا اجتماعيا، وما كان محرما صار حلالا، وكان موضع استنكار أصبح محل استحسان وثناء، ولا سيما ما يتعلق بخروج المرأة إلى سوق العمل لمواجهة أعباء الحياة.

وقد جاءت هذه التحولات.. إما نتيجة ما شهدته القرية المصرية، سواء في الصعيد أو الدلتا من انتشار واسع للتعليم الذي أدى بدوره لتغيير في مفاهيم ونظرة الناس لتلك القضايا، أو بفعل وتحت وطأة الضائقة الاقتصادية وظروف الحياة الصعبة وارتفاع معدلات الفقر، التي دفعت المرأة، خصوصا تلك التي تعول اسرة بمفردها بعد وفاة الأب أو ظروف مرضه – للخروج بحثا عن عمل لتلبية احتياجات اسرتها. وقد لعبت الجمعيات الأهلية وبعض منظمات المجتمع المدني دورا مهما في هذا الصدد.

في هذا التحقيق الميداني المهم ترصد لنا الاستاذة منى عزت، وهي باحثة وصحفية متخصصة في شؤون وقضايا المرأة، التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شهدها مجتمع وقرى الصعيد، بالتحديد في محافظتي المنيا وأسيوط، عبر نماذج حية من لحم ودم لسيدات تحدين نظرة المجتمع وخرجن لسوق العمل أو أقمن مشروعات صغيرة لمواجهة تكاليف واحتياجات الحياة، بمساعدة من بعض منظمات المجتمع الأهلي هناك، واستطعن بذلك أن يساهمن بعمق في مسار هذا التغيير الاجتماعي.

«أصوات أونلاين»

 

«أم جلال» وتحدي المستحيل

«أنا لو كنت عملت حساب لكلام الناس ما كنتش عرفت أربي أولادي.. أول ما بدأت اشتغل وأعمل مشروع وأخرج اشترى البضاعة الجيران ماسبتنيش في حالي وتعرضت لمضايقات منهم ورايحة فين وجاية منين.. ماكنتش باسمع لهم.. المهم جوزي موافق وبجيب قرش اساعد في البيت.. لما نجحت الكل بقى عاوز يعمل زي أم جلال»

بهذه الكلمات المعبرة جدا تحدثت الينا عايدة عبد النبي «أم جلال» البالغة من العمر 35 عاما، وهي أحدى أبناء قرية «العونة» التابعة لمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط، عن تجربتها في سوق العمل. فمع ضيق الحال وارتفاع مصروفات أولادها الأربعة في مراحل التعليم المختلفة، وعدم قدرة الزوج على توفير احتياجاتهم، قررت «أم جلال» أن تعمل، لكن المشكلة كانت أنها ليس معها شهادة تعليمية، ولا تمتلك مهارات الدخول لسوق العمل المنظم، ولا توجد فرصة أساسا للتوظيف في القرية التي تقيم فيها، والتي تبعد عن المدينة تقريبا ما بين 30 إلى 45 دقيقة في المواصلات، كما أن تَنَقّل النساء خارج القرية ليس أمرا سهلا.

أمام كل هذه العقبات لم تجد «أم جلال» أمامها إلا الجمعية الأهلية الموجودة بالقرية والتي تعرف العاملين بها وتطمئن إليهم، فكان أول تعامل لها مع جمعية «بادر» من خلال التدريب على الخياطة.. وأعطوها ماكينة خياطة (منحة من مشروع ممول للجمعية).

وعن تلك التجربة تقول «أم جلال»: «بدأت بتصليح الملابس وتعاونت مع جارتي واشتغلنا معا، أنا أقوم  بالتفصيل وهى تسرفل.. وحوشت فلوس وتوسعت وأخذت من الجمعية طيور وماشية وقمت بتسمينها وانجبت الماشية وتكاثرت الطيور، فقمت ببيعها في السوق وأسدد للجمعية ثمن الطيور والماشية».

 وتضيف: «…والدنيا مشيت وفكرت أتوسع، ففتحت جزء من البيت دكان و بدأت بالبقالة والمنظفات، وأخدت قرض بعشرين ألف جنيه واشتريت ملابس ومفروشات وأبيع بالتقسيط، وبعد فترة فصلت البقالة، وفتحت كشك صغير أمام البيت سميته أم جلال.. طبعا حياتي تغيرت وبطلت أطلب من جوزي فلوس وبقى مبسوط منى.. وبشترى للعيال اللي نفسهم فيه.. لو كنت خفت من كلام الناس ماكنتش هنفع نفسي وأسرتي».

نساء معيلة في قرى فقيرة

«أم جلال» نموذج يتكرر في عشرات القرى في صعيد مصر التي يعم الفقر بيوتها المقفولة على نساء مقهورة وشقيانة من أجل توفير الاحتياجات الضرورية لأطفالهن. فهن مصدر الدخل الرئيسي أو الاساسي للأسرة، وأغلبهن أميات أو يعرفن قليلا من القراءة والكتابة، ولا يمتلكن مهارات تؤهلهن للدخول لسوق العمل المنظم، فتحملن عبء ومسئولية الحصول على قرض من أجل إدارة مشروع صغير في بيوتهن.. كمحل بقالة – أو خياطة – أو بيع أدوات منزلية وملابس بالقسط – أو حرف يدوية، وغير ذلك. ويطلق على هؤلاء النساء المعيلات «رؤساء الأسر».

ووفقا لأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2013، فإن نسبة النساء المعيلات بلغت نحو  30،5% وارتفعت هذه النسبة في عام 2015 إلى 33،5%.

 

أمل وأحلامها المشروعة

نسبة كبيرة من النساء المعيلات هن أميات وأرامل ومطلقات ولديهن أحلام بسيطة ومشروعة، مثل (أمل) «وهو اسم  مستعار لصاحبته التي رفضت أن نذكر اسمها الحقيقي، لأنها تخاف من زوجها الذي ترغب في الانفصال عنه.

 (أمل) فتاة في السابعة عشرة من عمرها، من إحدى قري محافظة المنيا بصعيد مصر، كانت ترغب في استكمال تعليمها لتصبح ممرضة، لكنها تزوجت وهى لاتزال طفلة وأصبحت أما لطفلة عمرها بضعة أشهر، وترغب الآن في الانفصال عن زوجها بسبب سوء معاملته لها. وقد عادت إلى منزل أسرتها وتسعى إلى تحقيق حلمها في أن تكمل تعليمها وتربي ابنتها. ولأنها من أسرة فقيرة فلم تجد مصدر دخل لها غير أن تحصل على قرض من إحدى الجمعيات الأهلية، حيث تقوم بشراء الملابس وبيعها للجيران بالتقسيط، وتساعدها في ذلك والدتها، التي لا تعرف القراءة والكتابة، وهي أيضا تعول الأسرة بسبب مرض الأب، وتعتمد على القروض في توفير رأسمال من أجل شراء ملابس وبيعها. لكن تلك المشروعات الصغيرة لا تساعد في اخراج هذه الأسرة من دائرة الفقر والعوز، بسبب مرض الأب الذي يضيف أعباء مالية على الأسرة، وكثرة الأبناء ولذلك لم يكن أمام الأم، التي لديها خمسة أبناء بخلاف أمل، سوى أن تضطر لاخراج أولادها من المدرسة وعدم استكمال مراحل تعليمهم.

قرية تديرها النساء

 وبالعودة مجددا إلى أسيوط جنوبا وتحديدا إلى قرية «عرب أبو طالب» التي تديرها نساء، تعمل أغلبهن في الحرفة التي تشتهر بها هذه القرية، والتي توفر من خلالها مجالات للعمل، وتحقق دخلا للأسر. إذ تشتهر القرية بتصنيع الحصير اليدوي والذي يصنع من نبات «الحلفا» و ويستخدمه سكان تلك القرى كفراش في منازلهم.

وعن تجربة نساء القرية في صناعة هذا النوع من «الحصير» تقول «أم هاشم أحمد»، والتي تعمل في هذا المجال أيضا،  إن أغلب بيوت القرية بها نول تشتغل عليه النساء لصناعة الحصير، حيث يمر عليهن بائع الحلفا، وبعد تصنيعه كحصير يأتي المشتري.

 وترى «أم هاشم» أن هذه الحرفة آمنة للمرأة، لأنها لا تخرج من منزلها، خاصة أن كثيرا من أزواج هؤلاء النساء يعملون خارج القرية، وقد يغيب الزوج عن البيت أكثر من خمسة عشر أو عشرين يوما، وأغلبهم «أرزقية» (عمال مؤقتين) يعلمون خارج القرية.

 تنتج «أم هاشم» في اليوم الواحد ثلاثة من الحصير، وتبيع الواحدة منها بما يتراوح ما بين 30 أو 35 جنيها، لكن البيع – كما تقول – لا يكون بصفة يومية، وهناك أيام لا يوجد بها عمل.

 تضيف: «ادفع يومية لست عجوز عمرها 80 سنة تشتغل معي وأعطيها 10 جنيهات في اليوم» كما أنها تعتمد على مصدر  آخر للدخل غير صناعة الحصير… «أخدت قروض واشتريت ماشية وطيور وأقوم بحلب الماشية وأبيع اللبن والطيور في السوق ونأكل منهم… لازم أعمل كدا عشان الحياة تمشي وعرفت أجوز (أزوج) البنات… وكل ستات القرية على ده الحال».

 ما يلفت الانتباه خلال زيارة تلك القري أن مجالات عمل المرأة الريفية تغيرت، فلم يعد معظم النساء يعملن في الفلاحة والحقول كما كان يحدث في الماضي. وحين سألت «أم هاشم» عن أسباب ذلك أجابت بالقول: «الأخلاق تغيرت ولا نأمن على بناتنا تنزل الغيط، ممكن تتعاكس وتتعرض لمضايقات.. ودلوقتى البنت اللي تطلع للغيط ممكن الناس تجيب سيرتها.. ماخبيش عليكي أنا أضطر أنزل الغيط في المواسم، لأن اليومية بتكون 90 جنيه، وممكن أخد بنت من بناتي معايا، لكن تروح وترجع معاي.. وأنا ست كبيرة ومتجوزة.. وده مصدر حماية.. كمان شغل الغيط مبقاش كل يوم.. اللي عنده حتة أرض بيشتغل فيها هو وعياله»

جمعيات أهلية تنموية

مع تغير ملامح القرية ومجالات العمل بها، وتغير العادات والتقاليد التي أتاحت للنساء فرصا للقيام بأدوار اقتصادية، فإن الجمعيات الأهلية التنموية كانت ولا تزال تلعب دورا مؤثرا جدا في توفير فرص عمل جديدة للنساء الريفيات، سواء من خلال توفير قروض لهن، أو تدريبهن على إدارة المشروعات، أو ندوات توعية بالقضايا المجتمعية، أوتخفيف من حد الفقر لدى كثير من الأسر.

 وعن هذا الدور التقينا بالمدير التنفيذي لجمعية «بادر» على عبد المجيد الذى حدثنا عن دور الجمعية قائلا: هي جمعية تنموية تعمل منذ عام 2012 في عدد من القرى الأكثر فقرا في محافظة أسيوط، حيث لا يوجد بهذه القري أي نشاط صناعي، وأغلب الأنشطة الاقتصادية تتعلق بالزراعة.

علي عبد المجيد المدير التنفيذي لجمعية بادر

 وحول مجالات عمل الجمعية يقول عبد المجيد إن الجمعية تستهدف دمج النساء في أنشطة ومشروعات اقتصادية تستخدم فيها المنتجات الزراعية بالقرية، وتكون مناسبة للنساء، ويمكن أن تقوم بهذه الأعمال في المنزل. ومن بين تلك المشروعات التي تقوم عليها الجمعية هو مشروع جمع الرمان ، الذي تشتهر به قرية العونة، من الفلاحين ،لتقوم النساء بتفصيصه وتحويله إلى دبس الرمان حيث يتم تغليفه وبيعه وفتح أسواق للمنتج خارج المحافظة، ويتم ذلك بالتعاون مع جهات اخرى مثل منظمة العمل الدولية ووزارة الصناعة. ولضمان استمرار النساء في العمل تم تأسيس جمعية تعاونية تضم جميع النساء التي تعمل في هذا المشروع.

 ويشير عبد المجيد إلى أن الجمعية تنفذ مشروعات أخرى منها مشروع بالتعاون مع منظمة الأغذية العالمية، وهو القروض العينية، فمن خلال هذا المشروع تمنح النساء ماشية وطيور ومناحل، وبعد التسمين وتوليد هذه الماشية والطيور تقوم المقترضة برد الماشية والطيور التي حصلت عليها في بداية المشروع، وتستثمر في المواليد الجديدة من الطيور والماشية وبذلك نضمن لها استمرار المشروع دون تحمل تكلفة مالية، كما تقوم الجمعية بمساعدة النساء في تسويق منتجاتها.

  وتتعاون هذه الجمعيات الأهلية العاملة دعم التنمية الريفية ومساعدة النساء الريفيات، مع العديد من الجهات الحكومية، مثل وزارتي التضامن الاجتماعي والزراعة، في تنفيذ مشروعات التمكين الاقتصادي للنساء في القرى، مما ييسر الوصول لهؤلاء النساء. كما تتعاون مع هذه الجمعيات بعض مؤسسات القطاع الخاص، كالشركات والبنوك التي تقدم منحا وتنفذ مشروعات اقتصادية في إطار المسئولية الاجتماعية للشركات.

وإلى جانب هذا الدور الاقتصادي المهم، تنظم الجمعيات فصولا لمحو الأمية، وأنشطة توعوية حول خطورة الزواج المبكر، والختان والتوعية الأسرية وغيرها من الأنشطة الاجتماعية.

الوسوم

منى عزت

باحثة مهتمة بقضايا العمل والمرأة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: