منوعات

سخط عالمي وديمقراطية في خطر(2): من هم حكام أمريكا الحقيقيون؟

تبدو حوارات المفكر السياسى الأمريكي البارز «نعوم تشومسكى» مع الإعلامي «ديفيد بارساميان» جريئة بما فيه الكفاية لتفضح الكثير من الممارسات الأمريكية الخاطئة، والتى تمثل خرقا للديمقراطية التى تتشدق بها أمريكا.

نعوم تشومسكي                           دايفيد بارساميان

وفى هذا الجزء الثانى من عرض وتحليل مضمون تلك الحوارات التي جاءت ضمن كتاب تشومسكي الذي صدر مؤخرا بعنوان «Global Discontents: Conversations on the Rising Threats to Democracy» «سخط عالمي.. حوارات حول التهديدات المتزايدة للديمقراطية» نستعرض العديد من آراء تشومسكى الذى أفرد خلالها مساحة كبيرة لتحليل وانتقاد السياسة الأمريكية، سواء الداخلية أو الخارجية. كما تحدث عن رؤساء أمريكا بداية من «رونالد ريجان» وحتى «دونالد ترامب» بكل موضوعية وحيادية.

دونالد ترامب                                        رونالد ريجان

مجموعة من اللصوص

 لم يقدم تشومسكي في حواراته الصورة النمطية عن أمريكا، باعتبارها بلد الحرية والديمقراطية، وإنما كشف الوجه الحقيقي لعجلة السياسة الأمريكية -التي قال إنها تدهس من يقف في طريقها، والتي تشكل المعايير الدولية التي يجب على الدول الأخرى اتباعها، ثم تعود لتكسرها إذا تعارضت مع مصالحها. وهذا ما يعتبره تشومسكي تهديدًا واضحًا لمستقبل الديمقراطية، نظرًا لأن من يحكم البلد الأكثر قوة في العالم «مجموعة من الأثرياء» أو بمعنى أكثر دقة كما صحح «تشومسكي» لاحقًا «مجموعة من اللصوص» الذين لا يهتمون سوى بمصالحهم الشخصية فقط.

اقرأ أيضا:

وفقًا لـ «تشومسكي» فمنذ سنوات عديدة مضت ومع تحول دفة الاتجاه السياسي نحو اليمين، أصبح هناك حزب واحد فقط في الولايات المتحدة وهو حزب «التجارة» ويتفرع منه «الحزب الجمهوري» و«الحزب الجمهوري المحافظ» والذي يُعرف ظاهريًا اليوم بـ«الحزب الديمقراطي»، ونظرًا لسعي كليهما نحو الثروة والنفوذ – على حساب المواطنين- وإن كان بدرجات متفاوتة. فقد صار هناك مناخ مشحون بكراهية المواطنين لمؤسسات الدولة بكل أشكالها، مع محاولات مستمرة من جهة الدولة لتغذية الإعلام بمواد دعائية لغسل عقول الناس.
ورغم وجود انتخابات دورية إلا أن 70% من المواطنين الأمريكيين الذين يحصلون على الدخل الأدنى لا رأي لهم ولا تأثير. فكلما صعدت الهرم الطبقي كلما زاد التأثير، حتى تصل إلى «صفوة الأغنياء»، لتجد أن هؤلاء هم المصممون الحقيقيون للسياسات الأمريكية، وبالطبع يشكلونها بما يتوافق مع مصالحهم.

وبينما ينتقد الأمريكان الانتخابات الإيرانية لأنه من غير المسموح أن يدخل أحدهم النظام السياسي الإيراني إلا بعد الموافقة عليه من قبل رجال الدين، ففي أمريكا – كما يقول تشومسكي – لا يمكن لأحد الانضمام إلى النظام السياسي إلا بعد الموافقة عليه بواسطة أصحاب رؤوس المال، أما إذا لم تتمكن من جمع مئات الملايين من الدولارات فأنت خارج اللعبة، وهنا يتساءل «تشومسكي»: «هل من فارق حقيقي بين النظامين؟».

ترامب وروحاني

ازدواجية المعايير

 إحدى السمات الرئيسية للولايات المتحدة، و التي يؤكد عليها «تشومسكي» مرارًا وتكرارًا هي ازد واجية معايير السياسة الأمريكية، أو بمعنى أدق وجود معيار يبرر كل شىء تفعله أمريكا ويجرم كل ما لا ترضى عنه، حيث تسير على نفس نهج «الأنظمة الدعائية» من خلال تصوير ضحايا الدول المعادية لها باعتبارهم «ضحايا ذوي قيمة»، في حين تعتبر ضحاياها وضحايا الدول الحليفة لها «ضحايا بلا قيمة».

ويشير «تشومسكي»- في هذا الصدد – إلى العملية التي قُتل فيها 12 صحافيًا بصحيفة «شارلي إبدو» بسبب الرسوم المسيئة لنبي الله محمد، وكيف انتفض العالم وراح الجميع يتحدثون عن حالة الرعب الموجودة في الغرب بسبب «مذابح» الصحفيين، وهو وصف لم يره من قبل حتى أثناء الهجمات الإسرائيلية على غزة. ففي إحدى تلك الهجمات الصهيونية على حي الشجاعية في قطاع غزة كان الناس يلملمون قطعًا من أشلاء الموتى كمحاولة للتعرف عليهم، وقد بُثت تلك المشاهد الصادمة، لكن لم يسبب ذلك أي رعب للغرب..

فالأعمال الوحشية التي يقوم بها الغرب – يضيف  تشومسكي – لا تعتبر جرائم بطبيعة الحال، وإنما مجرد أخطاء يمكن تجاوزها بسهولة، أما إذا فعلت «داعش» الفعل نفسه – وهو جريمة في الحالتين بالطبع – فحينها يصبح الأمر لا يغتفر، على الرغم من أن جرائم الجماعات الإرهابية – الوحشية بلا شك – هي مجرد نقطة في بحر جرائم الولايات المتحدة وأعوانها، ولكن وبنفس تصنيف «جورج أورويل» في روايته الشهيرة «مزرعة الحيوان» هناك «بشر» يشكل وجودهم أو موتهم فارقا، و«لا بشر» يعتبرهم العالم مجرد أرقام لا وزن لها على الإطلاق مهما زادت.

ترامب والانتخابات القادمة

 الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ومستقبله ومستقبل أمريكا كان حاضرا في حوارات الممتدة «تشومسكي» مع  «بارساميان». وحين سئل عما إذا كان لـ«ترامب» ميول فاشية، أجابه «تشومسكي» بأن إضفاء أي أيديولوجية على ما يفعله «ترامب» هو محض عبث، فهو يتصرف كرجل أعمال فقط بمعنى «أعطني ما أريد، وبطريقة ما سوف أعطيك شيئًا في المقابل»، وهو يستخدم شعارات براقة مثل «فلنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» ويبدأ بعمل تصرفاته غير المحسوبة كالمهرج على المسرح فقط  ليبقي التركيز عليه. ومن وراء الكواليس يمرر هو وفريقه مايريدون بهدوء، حيث يقللون الضرائب على الأغنياء، ويزيدون من ثروات ونفوذ رجال الأعمال، مع الاستمرار في سياسة من سبقهم بإهمال الطبقة العاملة وزيادة الضغوط عليها.
لا يعلم «تشومسكي» ما إذا كان «ترامب» يتبع أسلوب الإلهاء عن قصد، أم أنه مجرد رجل مصاب بجنون العظمة يعتبر أيديولوجيته الوحيدة هي نفسه وفقط. ولكن ما يبدو تشومسكي متيقن منه هو أن ما يمرره ترامب هو ومَن معه من قوانين، يعمّق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، ويدمر البيئة، ولا يمنح للأجيال القادمة أية فرصة في عيش حياة أفضل من آبائهم.
 ومع ذلك يعتقد «تشومسكي» أنه كان هناك باعث وحيد للأمل في انتخابات 2016، وهو حملة «بيرني ساندرز» التي كسرت القواعد المألوفة للانتخابات الأمريكية. حيث كان الناس بالكاد يعرفون «ساندرز»، ولم يكن لديه تقريبًا أي دعم من مصادر التمويل الرئيسية، كما كان يتم تجاهله بواسطة الإعلام، إلا أنه الآن واحد من أشهر السياسيين في الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن الانتخابات الرئاسية القادمة قد تحمل مفاجأت إما برئيس أفضل حالًا أو بالنسخة الأسوأ من «ترامب».

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق