منوعات

مانديلا.. رحلة طويلة من أجل الحرية

«كان السجناء الأفارقة في سجن بريتوريا يختمون المساء كل ليلة وقبل أن تطفأ الأنوار بأهازيجهم الوطنية التي تتغنى بالحرية، وكنا نحن أيضا نشترك في ذلك الكورس المهيب، ولكن تلك الأصوات سرعان ما كانت تخفت مع خفوت الأنوار وكأنها تمتثل لأوامر مكتومة فيخيم الصمت على السجن كله من جديد ولكن فجأة ترتفع أصوات هنا وهناك تصيح: «أماندلا» أي القوة، فيرد مئات السجناء دفعة واحدة: «أنغويتو» أي القوة لنا».

بهذا المشهد المهيب يصف نيلسون مانديلا ليلته الأولى فى محبسه، عقب الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، في كتابه الذي تضمن سيرة حياته والمعنون «رحلتي الطويلة من أجل الحرية».

 تاريخ البشرية حافل بالعديد من الشخصيات التي تمكنت من حفر اسمها بحروف من نور في سبيل التحرر الوطني ومقاومة العنصرية، ولكن لماذا الحديث عن مانديلا الآن، هل فقط للإحتفاء بذكرى ميلاده؟، أم هل لأن العالم بات مشغولا بالحديث عن إفريقيا وعن سبل تنميتها ومن ثم بات الحديث عن رموز تلك القارة السمراء هو السبيل لطرح قضاياها؟، أم لأن سيرة ومسيرة هذا الرجل تحمل الكثير من المعاني والقيم الإنسانية النبيلة في النضال والتفاني في خدمة قضية الحرية والتحرر الوطني؟، الحقيقة أن تلك الأسباب مجتمعة تجعل من مانديلا المناضل من أجل الحرية رمزا ومدخلا لتناول قضايا إفريقيا، فهو لم يعد رمزا لأبناء جنوب إفريقيا فحسب بل للعالم أجمع.. ذلك الرجل الذي لقب «بزهرة الربيع السمراء» والذي قضى 27 سنه من سنوات عمره بالسجون والجزر المنعزلة.

لينسون مانديلا.. أيقونة أفريقيا

لينسون مانديلا.. أيقونة أفريقياولد نيلسون مانديلا الذي اشتهر بلقب «ماديبا» نسبة لاسم عشيرته، ومعناه الرجل الكبير أو المحترم، في 18 يوليو من عام 1918، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بقرية صغيرة تدعى «مفيزو» بمقاطعة أومتاتا عاصمة إقليم ترانسكاي، الذي يقع شرق مدينة كيب تاون، بجنوب إفريقيا، أطلق عليه والده عند ولادته اسم «روليهلاهلا»، ومعناه في لغة «الكوسا»، «ينزع فرع الشجرة»، أو «المشاغب».نص وتحريك ومونتاج: Abdalah Mohamed

Posted by Aswat Online on Thursday, July 18, 2019

ماديبا.. المشاغب

ولد نيلسون مانديلا الذي اشتهر بلقب «ماديبا» نسبة لاسم عشيرته، ومعناه الرجل الكبير أو المحترم، في 18 يوليو من عام 1918، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، بقرية صغيرة تدعى «مفيزو» بمقاطعة أومتاتا عاصمة إقليم ترانسكاي، الذي يقع شرق مدينة كيب تاون، بجنوب إفريقيا، أطلق عليه والده عند ولادته اسم «روليهلاهلا»، ومعناه في لغة «الكوسا»، «ينزع فرع الشجرة»، أو «المشاغب».

كان والده قاضيا للقرية، تربي مانديلا على تلك الأساطير التي كانت ترويها والدته و والده ورجال القرية عن حكايات محاربي خوسا، والمعارك التي خاضوها ضد البريطانيين.

اقرأ أيضا:

حين التحق مانديلا بالمدرسة حرصت معلمته البريطانية أن تمنحه اسما انجليزيا، فأسمته نيلسون مانديلا، استمر مانديلا بالمدرسة بضع سنوات حتى وفاة والده، ومن ثم اصطحبته والدته إلى قصر حاكم شعب التيمو الذي كان قد بلغ منصبه بتوصية من والد مانديلا، فصار ذلك الحاكم وصيا على مانديلا، أرسله بدوره إلى مدرسة داخلية للأولاد الأفارقة بالمنطقة، وفي عام 1937 التحق بكلية ويلسليان كوليدج ثم جامعة فورت هير عام 1939، حيث التقى بالشباب من جميع أنحاء جنوب إفريقيا.

 استغل مانديلا كل فرصة سنحت له.. لعب كرة القدم، ركض في سباقات اختراق الضواحي ومثّل بعدد من المسرحيات.. خاض أول تجربة انتخابات له كممثل لطلاب الجامعة عام 1940.. وبحلول عام 1942 حصل مانديلا على ليسانس الآداب والتحق بجامعة فيتفواترسراند في جوهانسبرج لدراسة القانون.

بالتوازي مع بدء دراسته للقانون انتظم مانديلا في حضور محاضرات واجتماعات المؤتمر الوطني الأفريقي الذي كان قد تأسس عام 1912.. لتبدأ الرحلة.

زهرة الربيع السوداء

عام 1943 لم يكن في جنوب إفريقيا سوى بضعة محامين وموظفين أفارقة تحت التدريب، وكان مانديلا واحدا من هؤلاء.. كان أصدقاؤه الجدد أعضاء بالحزب الشيوعي، غير أن مانديلا لم يكن شيوعيا.. قرأ عن جيفارا وماوتسي تونج إلى جانب تعاليم غاندي وآخرين.

في عام 1944 وبعد نقاش دام فترة ليست بالقليلة بين مجموعة من الشباب الافارقة، تم تشكيل رابطة شباب المؤتمر الوطني الإفريقي عام 1944، وكان مانديلا واحداً من الداعين لتشكيل تلك الرابطة التي بدأت عملها بالدعوة إلى العصيان المدني والإضراب للإحتجاج على القوانين العديدة التي تدعم سياسة الفصل العنصري.

كانت سياسة الفصل العنصري تقسّم أبناء جنوب إفريقيا إلى أربع مجموعات عرقية: هى «البيض» و«السود» و«الملونين» و«الهنود» وفي ظل نظام الفصل تم تقليص حقوق الأغلبية من سكان جنوب إفريقيا لمصلحة الأقلية البيضاء من المواطنين.

اقرأ أيضا:

تبنى المؤتمر الوطني أفكار رابطة الشباب الاحتجاجية، وفي الأول من مايو عام 1950 جرى تنظيم «يوم الحرية» حيث أضرب أكثر من ثلثي العمال الأفارقة السود عن العمل واستمر الإحتجاج السلمي طوال الليل.. ردت الحكومة البريطانية عليهم بطلقات الرصاص فلقي ثمانية عشر مدنيا مصرعهم وجرح الكثيرون.

انطلقت في 26 يونيو عام 1952 «حملة التمرد» فاعتقل مانديلا لأول مرة مع المئات من أبناء وطنه وأتُهم بالتواطؤ مع الحزب الشيوعي الذي حُظر بموجب قانون قمع الشيوعية الصادر عام 1950، وبعد عدة أشهر أطلق سراحه.. شريطة أن لا يجتمع مع أكثر من شخص واحد وذلك لمدة ستة أشهر.. فاجتاز امتحاناته وأصبح محاميا ممارسا وافتتح مكتب المحاماة الخاص به.

بحلول يونيو عام 1953 قررت الحكومة تخصيص بلدة «صوفيا تاون» للبيض فقط، وهو ما أجبر آلاف العائلات على ترك منازلهم والإنتقال لأماكن أخرى.. وفي 5 ديسمبر عام 1956، تم إعتقال مانديلا ومعه 155 آخرين، ووُجهت لهم تهمة الخيانة العظمى والتي كانت عقوبتها تصل إلى الإعدام.. انتهت المحاكمة في مارس عام 1960 بخروج مانديلا ورفاقه.. حينها بدأ مانديلا بالدعوة لترك سياسة اللاعنف، التي كان يحاكي بها سياسة غاندي بالهند.. ليبدأ مرحلة جديدة.

النضال ضد العنصرية

لسنوات عديدة كان الرجال الأفارقة مطالبين بحمل تصاريح دخول لمناطق البيض، وإلا كانوا يواجهون خطر الغرامات والحبس، ضم القانون الجديد إليهم النساء، ما جعلهن يقمن بحركة إحتجاج واسعة، نجم عنها اعتقال ما يقرب من ألف منهن كانت ويني زوجة مانديلا إحداهن.. وفي 21 مارس 1960 تجمع آلاف المواطنين العزل أمام مقر الشرطة في شاريفيل في احتجاج سلمي.. أطلقت الشرطة النيران على المحتشدين، فلقى 69 شخصا حتفهم وأصيب مئات غيرهم من بينهم نساء وأطفال، وهو ما دعا مانديلا إلى الدعوة إلى حرق تلك التصاريح، وخلال يومين أحرقت مئات الآلاف تصاريحهم تلك.

 أعلنت حالة الطوارىء بالبلاد وتم إعتقال مانديلا مرة أخرى ومعه الآلاف وأعلن عن أن المؤتمر الوطني الإفريقي منظمة غير قانونية ولم يعد مسموحا لها بالعمل ومن ثم غرقت البلاد في الفوضى.. وبعد خمسة أشهر أطلق سراح مانديلا.

رحلة حمل السلاح

قرر مانديلا وعدد محدود من رفاقه تأسيس منظمة تدعى «رمح الأمة»، التي كانت أقرب للجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وقد ترأسها مانديلا، ونفذت أول عملياتها في 16 ديسمبر عام 1961.. غير أن أسوا ما واجهه مانديلا ورفاقه أنهم لم يتلقوا أي نوع من التدريب العسكري إلى جانب إفتقادهم للدعم المادي.

بعد شهرين من تلك العملية انطلق مانديلا في جولة خارج جنوب إفريقيا طلبا للدعم.. سافر إلى السودان ومنها إلى أثيوبيا للمشاركة فى مؤتمر «حركة الحرية».. وتوجه إلى تونس والتقى الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي بادر بتقديم الدعم له.. ومنها للمغرب والجزائر وسيراليون وليبيريا وغينيا .. وحضر إلى مصر وقيل أنه قابل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي وفّر له الكثير من الدعم.

نتيجة بحث الصور عن مانديلا وعبد الناصر

سنوات طويلة فى السجن

عاد مانديلا إلى بلاده فاعتُقل مرة أخرى بتهمة ترك البلاد دون أوراق رسمية وتحريض العمال على الإضراب، لتبدأ جلسات محاكمته في أكتوبر من عام 1962.. وقد ملأ المتظاهرون الشوارع مرددين هتافات «القوة» و«القوة لنا» و«اللهم أحفظ إفريقيا».. ولأول مرة أوصت الأمم المتحدة بفرض عقوبات على جنوب إفريقيا.. حكم على مانديلا بالسجن خمس سنوات ورُحّل إلى سجن بريتوريا فى نوفمبر من عام 1962.. بعد سبعة أشهر تم نقل مانديلا إلى جزيرة «روبين» وهى أكثر السجون قسوة في البلاد، حيث مكث بها عدة أشهر ليعود إلى سجن بريتوريا، ليجد أن العديد من رفاقه بمنظمة رمح الأمة وعدد غير قليل من أعضاء الحزب الشيوعي قد تم إعتقالهم، ووُجهت لهم جميعا تهمة التخريب، ما نجم عنه الحكم علي ثمانية من بينهم مانديلا بالسجن مدى الحياة.. ليعود مانديلا إلى جزيرة روبين ليقضي بها نحو 18 عاما، من سنين سجنه التي بلغت 27 عاما.

عام 1991 تم الإعلان عن إطلاق سراح مانديلا وإلغاء أحكام الإعدام في البلاد، فضلا عن إزالة القيود المفروضة على الأحزاب السياسية، تم بذات العام إنتخاب مانديلا رئيسا للمؤتمر الوطني الإفريقي، من ثم تفاوض على إجراء انتخابات متعددة الأعراق. وهكذا أجريت أول انتخابات ديمقراطية في البلاد عام 1994، ليصبح بذلك مانديلا أول رئيس ينتمي للعرق «الأسود» في تاريخ جنوب إفريقيا ليحصل  بعدها على جائزة نوبل للسلام.

توفي مانديلا في الخامس من ديسمبر عام 2013 بمنزله بجوهانسبرغ عاصمة جنوب إفريقيا، حزنت عليه الشعوب المختلفة، ونعاه العديد من رؤساء العالم، كرمز للحرية والشجاعة والنضال.

يذكر أن الإذاعة المصرية خلال شهر رمضان الماضي احتفت بشخصية المناضل نيلسون مانديلا ومسيرته، فقدمت مسلسلا إذاعيا تضمن سيرة حياته، وذلك عبر أثير موجات البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية، جاء المسلسل تحت عنوان «طبول الحرية»، من تأليف عماد مطاوع، إخراج ياسر زهدي،و قام بدور نيلسون مانديلا، حلمي فوده.

المصادر:

نيلسون مانديلا، «رحلتي الطويلة من أجل الحرية» ترجمة عاشور الشامس، عام 1998.

لويس هيلفاند، «نيلسون مانديلا» ترجمة ندي أحمد قاسم، سنة 2013.

الفيديو جرافيكس

نص وتحريك ومونتاج: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق