منوعات

التلفزيون.. قوة مصر الناعمة التي تدخل عامها الستين

فى 21 يوليو عام 1960 انطلق البث الرسمى للتليفزيون المصرى تزامنا مع الاحتفال بالذكرى الثامنة لثورة 23 يوليو المجيدة. لكن واقع الأمر أن أول تجربة تليفزيونية للإرسال بالقاهرة تمت قبل انطلاق البث الرسمى بتسع سنوات، وقبل ثورة يوليو بعام واحد أى في عام 1951 وذلك حين قامت الشركة الفرنسية لصناعة الراديو والتليفزيون بتصوير الحفلات والمهرجانات التى اقيمت احتفالا بزفاف الملك فاروق. وكان هدف الشركة الفرنسية هو ان تقدم نفسها للحكومة المصرية كى توكِل إليها عملية بدء الإرسال للتليفزيون المصرى، لكن رغبة الشركة الفرنسية لم تتحقق.

البداية

كانت بداية التفكير في إنشاء التلفزيون المصري فى نوفمبر عام 1954، حين عرض صلاح سالم وزير الإرشاد آنذاك على  الرئيس جمال عبد الناصر فكرة إنشاء دار جديدة للإذاعة المصرية وإنشاء محطة تليفزيون فوق جبل المقطم. لكن الفكرة لم تتحقق ولم تر النور بسبب العدوان الثلاثى على مصر عام 1956. لكن الدكتور عبد القادر حاتم (الذي كان نائبا لوزير شؤون رئاسة الجمهورية) أعاد من جديد طرح فكرة إنشاء التليفزيون المصرى على عبد الناصر الذى طلب منه أن يعرضها على مجلس الوزراء، وفوجىء برفض عدد من الوزراء للفكرة، فطلب منه عبد الناصر أن يرد على الوزراء الرافضين، وكانت إجابات حاتم حول ضرورة إنشاء التليفزيون كفيلة بأن يوافق من رفض، بل ونال كلام حاتم إعجاب عبد الناصر الذى طلب منه فى أواخر عام 1959 بدء التنفيذ الفعلى وبخطوات سريعة فى إنشاء مبنى التليفزيون فى موقعه الحالى بماسبيرو.

فقد أدرك عبد الناصر بحسه الوطنى والسياسى أهمية إنشاء التليفزيون كوسيلة إعلامية جديدة ومهمة يمكنها أن تسهم مع الإذاعة فى زيادة الوعى الوطنى والرد على المؤامرات الأمريكية والإسرائيلية. وقد خصص ناصر 200 ألف جنيه لبناء التليفزيون ثم  400 ألف أخرى ليكتمل هذا الصرح العملاق.

وقعت الحكومة المصرية عقدا مع هيئة الإذاعة الأمريكية لإنشاء شبكة تليفزيون لبدء البث الرسمى، وقد طلب عبد الناصر من القائمين على تنفيذ المشروع الإنتهاء منه بأقصى سرعة وتجهيز الاستوديوهات بشكل سريع. وكما يقول عبد القادر حاتم: فإنه حتى 10 يناير عام 1960 لم تكن أية طوبة قد وضعت لبناء التليفزيون المصرى وخلال ستة أشهر فقط اكتمل جزء كبير جدا من مبنى التليفزيون كان كفيلا ببدء البث. وفى السابعة مساء يوم 21 يوليو 1960 بدأ البث الرسمى للتليفزيون المصرى. وجاء فى بيان الافتتاح الذى ألقاه عبد القادر حاتم: «نفتتح اليوم من مبنى التليفزيون العربى بالقاهرة ودمشق وحلب أول الإرسال، ونتطلع لسماع خطاب رئيس الجمهورية فى ذكرى 23 يوليو وسنذيع بثلاث لغات وسيصير هذا التليفزيون عملاقا، وستكون مهمته نشر الثقافة والأدب والفن والبرامج الدينية والإخبارية والرياضية». وكان صلاح زكى أول مذيع ينطلق صوته عبر شاشة التليفزيون المصرى إذاعة فقرات اليوم الأول ومعه همت مصطفى مذيعة ربط.

بث حى لخطاب ناصر

بدأ التليفزيون المصرى بثه بقناة واحدة كان عدد ساعات إرسالها خمس ساعات فقط، وفى أول يوم بث تم البدء بالقرآن الكريم  بصوت القارىء محمود صديق المنشاوي، ثم تم نقل  جلسة مجلس النواب وبث حى لخطاب عبد الناصر أمام المجلس ثم نشيد وطنى الأكبر، وبعده  نشرة الأخبار التى قرأتها همت مصطفى لتكون أول مذيعة تظهر على شاشة التليفزيون المصرى  وأخيرا  الختام، ثم توقف البث فى اليوم التالى لينطلق فى اليوم الثالث الموافق الثالث والعشرين من يوليو مع الاحتفال بأعياد الثورة، حيث زادت مدة البث إلى ست ساعات حتى تم إنشاء القناة الثانية فى يوليو عام 1961 وبعدها بأكثر من عشرين عاما بدأ بث القناة الثالثة وتحديدا عام 1982 ليتوالى بعدها إنشاء القنوات الإقليمية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة فى حقبتى الثمانينات والتسعينات.

وقد ضم مبنى الاذاعة والتليفزيون فى بداياته أربعة قطاعات هى «قطاع الإذاعة، وقطاع التليفزيون وقطاع الهندسة وقطاع التمويل.

الرواد الأوائل

أشرف محمد أمين حماد الذى كان رئيسا للإذاعة على التليفزيون المصرى في بداياته وترأسه حتى عام 71، ثم خلفه عبد الحميد يونس حتى عام 75، وبعدها تولى عبد الرحيم سرور رئاسة التليفزيون حتى عام 77 قبل أن تصبح تماضر توفيق أول سيدة ترأس التليفزيون المصرى من عام 77 إلى عام 80 وبعدها تولت همت مصطفى رئاسة التليفزيون لمدة قصيرة حتى نهاية عام 80، وخلفتها سامية صادق ثم عبد السلام النادى وسهير الأتربى وميرفت رجب وزينب سويدان ثم  سوزان حسن ونادية حليم لتستمر الأجيال والوجوه الإعلامية التى تتابعت على رئاسة هذا الجهاز العريق.

وقد كان للمرأة المصرية المذيعة والإعلامية إسهامها الفاعل فى تاريخ التليفزيون المصرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر نكرر الكلام عن همت مصطفى باعتبارها أول مذيعة ربط على شاشة التليفزيون كانت أول من قرأ نشرة الأخبار، وقد اشتهرت بعد ذلك بمجموعة حواراتها المهمة مع الرئيس الراحل السادات الذى اختارها لتحاوره ويقدم نفسه من خلال حواراتها للشعب المصرى بإعتباره فلاحا مصريا يرتدى الجلباب والطاقية . ونذكر هنا أيضا سلوى حجازى تلك المذيعة ذات الوجه والصوت الملائكى، والتى دخلت التليفزيون منذ بداية إرساله عام 1960، و قد أدت أدوارا وطنية شديدة الأهمية ورحلت فى حادث سقوط طائرة كانت عائدة من ليبيا واستهدفتها إسرائيل فى 21 فبرايرعام 1973، وقد اشتهرت سلوى حجازى بتقديم برامج الأطفال التى كانت رائدة فيها وحققت من خلالها نجاحا كبيرا وأهم برامجها على الإطلاق برنامج «عصافير الجنة» كما اشتهرت بحواراتها مع المشاهير فأجرت حوارات مع عدد كبير منهم مثل أم كلثوم وبديع خيرى ونزار قبانى.

ولابد هنا أن نذكر أمانى ناشد تلك المذيعة الشهيرة الراقية ذات الثقافة الموسوعية والتى قدمت برامج فى غاية الأهمية  مثل «سهرة مع فنان» وحيث التقت بكبار الفنانين من أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وفاتن حمامة كما قدمت برامج غاية فى التميز مثل «مجلة التليفزيون» و«على شط النيل» و«أيام زمان» وقد رحلت شابة فى الثانية والأربعين من عمرها ومن أهم مذيعات التليفزيون المصرى كذلك ليلى رستم التى كانت مذيعة ربط وقارئة للنشرة الفرنسية وقد حصلت على ماجستير فى الصحافة من جامعة نورث ويسترن الأمريكية ومن أشهر برامجها بل وبرامج التليفزيون المصرى على الإطلاق برنامج نجمك المفضل الذى التقت فيه بمعظم  نجوم السينما والغناء فى مصر، وكانت تدير من خلال البرنامج حوارات حية بين النجوم وجماهيرهم، كما لا ننسى ماما سميحة أو سميحة عبد الرحمن أول من حصلت على لقب ماما من مذيعات الأطفال وأول من قدمت برامج للأطفال ببرنامجها جنة الأطفال، أما من الرجال فهناك عمالقة كثيرون منهم على سبيل المثال لا الحصر» أحمد سمير ومحمود سلطان وحلمى البلك وأحمد فراج و طارق حبيب.

دراما وبرامج

ولا يمكن أن نتحدث عن مسيرة التليفزيون المصرى دون أن نذكر تلك الدراما التليفزيونية العظيمة التى شكلت الوجدان العربى كله، وكان وقت عرضها يشهد خلو الشوارع فى العواصم والمدن العربية من المارة تقريبا.، ومن هذه الدراما نذكر «ليالى الحلمية –رأفت الهجان – الشهد والدموع –دموع فى عيون وقحة –أرابيسك – زيزينيا- الأيام –أديب – رحلة المليون –القاهرة والناس –البشاير –هو وهى».

كما لا يمكن أن ننسى فوازير رمضان لنيللى وسمير غانم وشريهان بالإضافة إلى عشرات البرامج الخالدة فى ذاكرة الملايين مثل العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود وعالم البحار للدكتور حامد جوهر و نادى السينما للدكتورة درية شرف الدين والعالم يغنى لحمدية حمدى واخترنا لك وتاكسى السهرة وغيرها من البرامج الشهيرة، التى تؤكد أن التليفزيون المصرى كان وسيظل واحدا من أهم مكونات القوة الناعمة المصرية فى محيطنا العربى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: