منوعات

مات بين أوراقه وكتبه: جُرجى زيدان صاحب الهلال وعاشق التاريخ

بعد أكثر من قرن على رحيله، لا تزال كتابات جُرجي زيدان قادرة على إثارة حالة الجدل والصخب حتى الآن، لما احتوته من رؤى نقدية جديدة وجريئة تجاه السرديات التراثية التي اعتاد الكثيرون على النظر إليها باعتبارها نصوصاً مقدسة لا يجوز المساس بها. ولا يزال الإرث الإبداعي والفكري والتاريخي لهذا المؤرخ والأديب اللبناني  الكبير، الذي توفي في الحادي والعشرين من يوليو عام 1914، حاضرا وفاعلا في الحياة الثقافية العربية، لا سيما وأن هذا الإرث يشكل إحدى العلامات الفارقة في سعي المثقفين العرب نحو الحداثة.

ولد جُرجى حبيب زيدان في ديسمبرعام 1861م، في بيروت لأسرة لبنانية مسيحية، وبدأ حياته العملية في سن مبكرة.. ففي الثانية عشرة من عمره، مارس مهنة صناعة الأحذية في أحد الدكاكين القريبة من منزله، وبعدها بعامين، ترك تلك الوظيفة، وبدأ بالعمل في مطعم أبيه.

في سن العشرين، حاول زيدان أن يحقق حلمه في دراسة الطب، فتقدم لامتحانات القدرات بالكلية واجتازها، لكنه وبعد سنة واحدة من الدراسة، ترك الكلية ليلتحق بكلية الصيدلة، وحسب ما ورد في كتاب «جُرجي زيدان» للكاتب «محمد عبد الغني حسن» فإن الظروف المتقلبة التي عاشها الشاب العشريني حينذاك، دفعته ليترك لبنان كلها، فسافر إلى مصر في 1883م عازماً على مواصلة دراسته بها.

الهجرة إلى القاهرة

قرر جُرجي زيدان الهجرة إلى القاهرة ليُكمل بها دراسة الطب، ولم يكن معه ما يكفي نفقات السفر، فاقترض من جار له ببيروت ستة جنيهات، ولما نزل القاهرة في (أكتوبر 1883م) صرف عزمه عن الالتحاق بمدرسة الطب لطول مدة الدراسة بها، وأخذ يبحث عن عمل يتفق مع ميوله، فعمل محررا في صحيفة «الزمان» اليومية التي كان يملكها ويديرها رجل أرمني الأصل يدعى «علكسان صرافيان».

كانت صحيفة «الزمان» الجريدة اليومية الوحيدة في القاهرة بعد أن عطل الاحتلال الإنجليزي صحافة ذلك العهد، وبعد نحو عام عُيّن مترجما في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة عام (1884م)، ورافق الحملة الإنجليزية التي توجهت إلى السودان لإنقاذ القائد الإنجليزي «غوردون» من حصار المهدي وجيوشه، ودامت رحلته في السودان عشرة أشهر، ليعود بعدها إلى بيروت في سنة (1885م).

رحلة

في بيروت انضم جُرجى إلى المجمع العلمي الشرقي الذي أنشئ في سنة (1882م) للبحث في العلوم والصناعات، والإفادة منها بما يعود على البلاد بالنفع والخير، وتعلم اللغتين العبرية والسريانية، وهو ما مكّنه من تأليف أول كتبه «فلسفة اللغة العربية» سنة (1886م)، وهو يعد أول جهد واضح بُذِل في تطبيق مبادئ فقه اللغة المقارن على اللغة العربية، وإن كان غير عميق التناول، وهو ما جعله يعيد فيه النظر مرة أخرى، ليصدره منقِحا ومعدِلا في طبعة جديدة بعد ذلك في سنة (1904م) بعنوان «تاريخ اللغة العربية». ثم زار جورجي زيدان لندن، وتردد على مكتباتها ومتاحفها، ومجامعها العلمية، ثم عاد إلى القاهرة.

مجلة الهلال

استقر جُرجي زيدان بالقاهرة، وتولى عقب عودته من لندن إدارة مجلة المقتطف، وظل بها عاما ونصف العام، ليقدم استقالته من منها سنة (1888م) ليشتغل بتدريس اللغة العربية بالمدرسة «العبيدية الكبرى» لمدة عامين، ثم تركها ليشترك سنة (1891م) مع «نجيب متري» في إنشاء مطبعة، ولم تستمر الشركة بينهما سوى عام انفضت بعده، واحتفظ زيدان بالمطبعة لنفسه، وأسماها مطبعة الهلال، في حين قام نجيب متري بإنشاء مطبعة مستقلة باسم مطبعة المعارف

في سنة (1892م) أصدر  زيدان مجلة الهلال، وكان يقوم بتحريرها بنفسه، إلى أن كبر ولده «إميل» وصار مساعدا له في تحريرها.

صدر العدد الأول من  مجلة الهلال يحمل افتتاحية بقلم زيدان تناول فيها خطته وغايته من إصدارها، وقد عكف على تحريرها بنشاط لفت إليه الأنظار. وكان ينشر فيها كتبه على هيئة فصول متفرقة، وقد لقيت المجلة قبولا بين الناس، فلم يكد يمضي على صدورها خمس سنوات إلا وقد  أصبحت من أوسع المجلات انتشارا، وكان يكتب فيها عمالقة الفكر والأدب في مصر والعالم العربي، ورأس تحريرها كبار الكتاب والأدباء، من أمثال: الدكتور أحمد زكي، والدكتور حسين مؤنس، والدكتور علي الراعي، والشاعر صالح جودت وغيرهم.

مؤرخ كبير ومتفرد

كان جُرجي زيدان متمكنا من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية، وكان واسع الاطلاع، عميق الثقافة، وخاصة فيما يتصل بالتاريخ والأدب العربيين. وقد تركزت مؤلفاته الأولى في هذا المضمار، وإن مالت نحو الدراسات التاريخية؛ فأصدر عام (1889م) كتاب « تاريخ مصر الحديثة» في مجلدين، و«تاريخ الماسونية والتاريخ العام»، وهو موجز في تاريخ قارتي آسيا وأفريقيا، ثم توالت كتبه فكتب سلسلة كتب عن: تاريخ إنجلترا، تاريخ اليونان والرومان، جغرافية مصر وطبقات الأمم وغيرها.

و يعد كتاب «تاريخ التمدن الإسلامي» الذي صدر في خمسة أجزاء في الفترة من (1902 – 1906م) أهم كتب جرجى زيدان، والذي أحدث ثورة في الكتابة التاريخية، فقد  أفاد الرجل من قراءاته ودراساته في المؤلفات الغربية، ومناهج التأليف الحديثة  في التاريخ والحضارة . وقد أثار الكتاب عند ظهور أجزائه الأولى  نقاشا واسع المدى حول أبحاث التاريخ الإسلامي، وأقبل عليه الناس. وكانت الجامعة المصرية قد  تأسست وامتلأت قاعاتها بالطلاب، فانتبهت إلى مكانة جرجي زيدان وسعة علمه، فدعته إلى إلقاء سلسلة من المحاضرات في التاريخ الإسلامي، لكن حالت الظروف دون قيامه بذلك في الجامعة.

وقد ترجم هذا الكتاب إلى عدة لغات شرقية، كما ترجم المستشرق الإنجليزي «مارجوليوث» الجزء الرابع منه إلى الإنجليزية، وعده عملاً أصيلاً غير مسبوق.

أما كتاب «تاريخ آداب اللغة العربية» الذي أصدره  جُرجى زيدان في أربعة أجزاء في الفترة (1911 – 1914م) فيعد من أهم المراجع للمشتغلين بتاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة، وكانت فكرة تأليف هذا الكتاب قد شغلته منذ وقت مبكر، فنشر فصولاً في مجلة الهلال سنة (1894م) تحت هذا العنوان، ثم وسّع هذه الفصول حتى جعل منها كتابًا مستقلاً، ولكل هذا فإن جُرجي زيدان هو رائد فى هذا الميدان، وإن سبقته محاولات محددة لم يكن لها مثل تأثير كتابه.

تأثر جرجي زيدان بمنهج المستشرقين في دراسة تاريخ الآداب العربية، وبخاصة كتاب بروكلمان المستشرق الألماني في كتاب «الأدب العربي» وغيره من مؤلفات المستشرقين. ويعد كتابه «تراجم مشاهير الشرق» من أهم المراجع التي يستأنس بها كل باحث وكاتب يبحث عن الترجمة لعلم من أعلام الشرق في القرن التاسع عشر، والكتاب لا يختص بطائفة معينة من الناس، وإنما يجمع بين أعلام السياسة والأدب والإدارة والحكم وغيرهم.

وفاته

كان جُرجي زيدان يعمل بانتظام شديد، وبعزيمة قوية، ينكب على القراءة والتدوين، لمدة  تصل إلى ست عشرة ساعة متصلة يوميا، مكتفيًا من النوم بأربع ساعات في أخريات حياته، يسابق الزمن في إنجاز أعماله الضخمة. وقد وافته المنية وهو بين كتبه وأوراقه في مساء يوم الثلاثاء الموافق (21 من يوليو 1914م)، وقد رثاه كبار الشعراء من أمثال شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران بقصائد حزينة.

المصادر:

– كتاب « جرجي زيدان» للكاتب « محمد عبد الغني حسن»

-كتاب «جرجي زيدان في الميزان» للكاتب الفلسطيني «شوقي أبو خليل»

-كتاب «النظرات» للمنفلوطي

-كتاب: «وحي القلم» مصطفى صادق الرافعي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق