ثقافة

ناجي العلي.. أيقونة الرفض

في صبيحة الثاني والعشرين من يوليو عام 1987، وفي قلب العاصمة البريطانية لندن التي إنتهى إليها ترحاله الطويل،وأثناء توجهه إلى مكتب جريدة القبس الكويتية حيث كان يعمل، فوجيء ناجي العلي، فنان الكاريكاتير العربي الفلسطيني بمسلح يشهر في وجهه مسدسا مزودا بكاتم للصوت ويطلق عليه الرصاص ثم يفر هاربا، ليسقط العلي وتسقط معه رسومه وتخضب دماؤه جسد شخصيته الكاريكاتيرية الشهيرة.. حنظلة.

كان هذا المشهد الدامي بمثابة تتويج لمسيرة استمرت زهاء ثلاثين عاماً، شكَّل خلالها العلي بشخصيته ورسومه أيقونة لرفض كافة المشاريع التي تهدف لـ «حل» القضية الفلسطينية على قاعدة التسوية السياسية والتمسك بتحرير كافة الأراضي العربية المحتلة.

اقرأ أيضا:

رحلة التهجير واللجوء

«العلي» المولود في عام 1938 في قرية الشجرة في فلسطين، شهد مع أسرته النكبة التي هجّرت ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني وحوّلتهم إلى لاجئين في دول الجوار على يد العصابات الصهيونية.

وكان قدر العلي وأسرته أن يستقروا كلاجئين في مخيم عين الحلوة في لبنان، ذلك المخيم الذي أصبح بخيامه ومعاناة سكانه رمزاً لمأساة شعب.

جعل العلي من هذه القضية مادة لرسومه التي بدأ يبدعها منذ سن مبكرة، على جدران المخيم أولا ثم في مسابقات فنية كانت تقام في أروقته، ولاقت إحداها والتي عنونها بـ«البركان» ومثلت يد اللاجيء الغاضب تخرج من خيمته على شكل فوهة بركان ثائر، لاقت استحسان الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني فنشرها في مجلة «الحرية» مقدما العلي للإعلام لأول مرة.

ومع انتقاله للعمل في الكويت في الستينات، استمرت مسيرة العلي في نقد الأوضاع العربية، فكانت رسومه على صفحات صحيفتي الطليعة والقبس تحمل انتقادات لاذعة لما رآه سلبيات المجتمعات العربية النفطية.

حنظلة والنكسة

وجاءت نكسة عام 1967 لتكون نقطة تحول في حياة وإبداعات العلي، حيث كانت النكسة محفزا له ليخط بقلمه شخصية حنظلة، ذلك الطفل الذي حمل الكثير من شخصية العلي وروحه، حيث رسمه كطفل في العاشرة، ذات السن التي خرج فيها من فلسطين، ويعقد يديه وراء ظهره علامة على الغضب أو على الثبات على الموقف، ويدير ظهره للعالم لأنه يتطلع إلى فلسطين ويرتقب اليوم الذي يعود فيه إليها.

وصف العلي في حوار صحفي حنظلة بأنه كان بمثابة «أيقونة» حفظت روحه من الضياع، وبدءاً من عام 1969، باتت الأيقونة جزءاً ثابتاً من رسوم العلي، إضافة إلى شخصيات أخرى إبتكرها في المرحلة ذاتها مثل فاطمة: المرأة التي تتزين بالثوب الفلسطيني وتغرس في أولادها قيمة الانتماء وحلم العودة، وكذلك زوج فاطمة، ذلك العربي البسيط الذي جعله العلي رمزا لكافة الشعوب العربية، فهو عامل تارة، ويرتدي جلباب الفلاح المصري تارة والزي التقليدي المغربي تارة أخرى وهو في كافة الأحوال يعاني من القهر، إضافة إلى شخصية الجندي الصهيوني الذي تبلغ به استهانته بالعرب أن يطلب من زميله أن يناوله «الحجر الأسود» وهو يبني إحدى المستعمرات الصهيونية على أرض فلسطين.

تطورت شخصيات العلي مع انتقاله إلى بيروت في السبعينات للعمل في جريدة السفير، كانت شخصيات العلي تسخر من الحرب الأهلية اللبنانية وترفض أطروحة كونها حرباً طائفية وتؤكد على كونها حربا طبقية محضة سيدفع ثمنها البسطاء أياً كان انتماؤهم الطائفي.

عاصر العلي أثناء وجوده في بيروت الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، تلك الحرب التي انتظر فيها اللبنانيون والفلسطينيون الصامدون في خنادق الدفاع عن بيروت نجدة عربية لم تصلهم قط. وجاء خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان بمثابة صدمة جديدة للعلي، فصّور حنظلة وهو يرفض الخروج من بيروت ويصر على خيار المقاومة كسبيل وحيد للعودة إلى فلسطين.

لم ينتقد العلي الأوضاع العربية فحسب وإنما امتدت سهام نقده لتطال الفصائل الفلسطينية كافة وعلى رأسها منظمة التحرير، مهاجما في رسومه ما اعتبره فسادا استشرى في الأوساط «النضالية» إذا صح التعبير.

سئل العلي ذات مرة عن أسباب غياب الضحكة عن رسومه وكان رده البسيط أن من يطلب النكتة لا يحتاج لمطالعة الكاريكاتير، وإنما يكفي أن ينظر إلى أحوال العالم العربي.

وكان من الطبيعي أن يثير العلي غضب الجميع، فاضطر إلى مغادرة بيروت والعودة إلى الكويت، وهناك بدأت تصله تهديدات بالقتل جراء رسومه، ولم تجد إدارة القبس بدا من أن تعرض عليه السفر إلى لندن للعمل في النسخة الدولية من الجريدة.

كان العلي يدرك تماماً أن تمسكه بقضية بلاده يعني تعرضه لخطر التصفية الجسدية في أية لحظة، وكان دائما ما يردد «من يريد أن يكتب ويرسم عن فلسطين لا بد أن يعلم أنه ميت لا محالة».

إلا أن العلي كان يدرك أيضا أن أيقونته الكاريكاتاتورية «حنظلة» ستستمر بعد موته، مجسّدة جملة القيم التي آمن بها ودافع عنها وقتل من أجلها.

وكان ما تنبأ به العلي، فبعد إغتياله في لندن ببضعة أشهر فقط، وفي ديسمبر من عام 1987، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وحمل أطفال في عمر حنظلة الحجر ضد قوات الاحتلال هازئين بالـ «جيش الذي لا يقهر».

كان حنظلة حاضراً في الانتفاضتين الأولى والثانية، في رسوم الأطفال وعلى قمصان الشبان وكحلي تتزين بها الفتيات، مؤكداً أن الرمز لا يموت، وإن رحل مبدعه عن هذا العالم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق