ثقافة

عبدالرحمن بدوي… فيلسوف الوجودية القَلِقْ

يقول فرويد: «كلما ازدادت فضيلة الفرد أصبحت أناه العليا أكثر قسوة».. ربما تمثل هذه العبارة تجسيدا حقيقيا لحياة الفيلسوف العربي الكبير الراحل عبدالرحمن بدوي،الذى ألّف كتاب (شخصيات قلقة في الإسلام)، ليتناول بعضا من تلك التجارب الدينية الفريدة التي أثارت صخبا وضجيجا من حولها، بدأها بسلمان الفارسي، وثّناها بالحلاج، فالسهروردي المقتول.

لكن عبد الرحمن بدوي كان، هو نفسه، واحدا من تلك الشخصيات القلقة التي أثارت الدهشة في حياتها وسلوكها المهني. أجاد العديد من اللغات القديمة والحديثة، فمن اللاتينية لغة العلم، إلى اليونانية لغة الفلسفة، فالفرنسية والأسبانية والألمانية والإيطالية والعربية التي ملك ناصيتها.

أول فيلسوف عربي

  كان بدوي هو الوجودي الأبرز في الثقافة العربية، منذ أن أعد رسالته للدكتوراه عن «الزمن الوجودي» ليثير إعجاب عميد الأدب العربي طه حسين الذي علق بعبارته الشهيرة (اليوم نعلن عن ميلاد أول فيلسوف عربي). لم يكن اختياره للوجودية كمذهب فلسفي عشوائيا، وإنما اختيارا دقيقا نافذ الرؤية عميق النظر، ومتماشيا مع طبيعته الذاتية الناقمة متعالية الأنا، والتي جعلته يتجاهل تماما جهود الباحثين العرب المعاصرين فلا يشير إليهم في مصادره ومراجعه، كأن أحدا لم يدرس ولم يهتم قبله أو بعده –كما يقول الدكتور حسن حنفي في نقاشه الفلسفي الهادىء مع أساتذته وتلامذته (حوار الأجيال)، وإنما اكتفى بمطالعة دراسات المستشرقين الأوربيين في الدراسات الاسلامية ك (لويس ماسينيون) و(هنري كوربان)، و(آثين بلاثيوس) بالإضافة إلى التعامل المباشر مع التراث الثقافي العربي والإسلامي الذي تمرس فيه كأنما أحصاه.

طه حسين                                                           حسن حنفي

عاش بدوي – كما يقول الوجوديون- كأن لا إنسانا عاش قبله، وكأن لا أحدا سيعيش بعده، فترك تراثا هائلا من المؤلفات والترجمات والتحقيقات، قدر بنحو مائة وخمسين مؤلفا، تنوعت ما بين الفلسفة الغربية المعاصرة، والتصوف الإسلامي، والتحقيقات التراثية.

وقد اختار بدوي أن يعيش وحيدا غريبا، وخلال أكثر من خمسة عقود تنقل كأستاذ للفلسفة والدراسات الإسلامية ما بين جامعات العالم، لم يزر خلالها القاهرة سوى ثلاث مرات، بينما كانت الرابعة في أعقاب وعكة صحية أصابته تركته ملقىا على أحد أرصفة عاصمة النور (باريس). وحينها سأله أحد المارة عن اسمه، فجاءت إجابته (عبدالرحمن بدوي وصنعتي فيلسوف)، ليعود بعدها إلى القاهرة حيث مثواه الأخير.

 يروي الباحث والكاتب الصحفي الدكتور سعيد اللاوندي عن بدوي الذي جمعه به أحد اللقاءات أثناء دراسته بباريس فيقول:  «إنني أزحف منذ بداية حياتي الفكرية على جبهتين، جبهة الفلسفة العامة بما فيها الفلسفة الوجودية، وجبهة الفكر الإسلامي. ولا أراني ظلمت جبهة على حساب الأخرى»، فهو يكتب عن نيتشه، وشوبنهور، ويضع كتابًا مهمًّا بعنوان: «دراسات وجودية»، ثم في الوقت نفسه يكتب عن «روح الحضارة العربية»، و«أثر التراث الإسلامي في الحضارة اليونانية»، إضافة إلى كتب فريدة تتحدث عن «خريف وربيع الفكر اليوناني»، و«تاريخ الإلحاد في الإسلام»، و«شخصيات قلقة في الإسلام»، و«أفلوطين عند العرب».

سعيد اللاوندي                                     عبد الرحمن بدوي

كان بدوي ناقما على ثورة يوليو وهو الذي وُلد في الرابع من فبراير عام 1917 ليكون الابن الخامس عشر من بين واحد وعشرين إبنا لعمدة قرية شرباص الاقطاعي بمحافظة دمياط. فقد صٌودرت جٌل أملاك الوالد وثرواته أثناء إجراءات التأميم التي أعقبت ثورة يوليو. وعلى الرغم من كونه أحد أعضاء اللجنة التي كلفت بوضع دستور 1954 والتي ضمت كوكبة من المفكرين والمثقفين المصريين على رأسهم طه حسين، وعبدالرزاق السنهوري، وسليمان نجيب، وأحمد لطفي السيد، فقد ظل ناقما على إجراءاتها ونتائجها. وقد صب عليها وعلى رموزها جام غضبه في مذكراته التي نشرها بعنوان (سيرة حياتي) ،وهي سيرة ضخمة، مليئة بالأحداث، مفعمة بالتجارب والمواقف بلغت ما يفوق السبعمائة صفحة من القطع المتوسط.

الوجودي المسلم

رغم وجوديته لم يغادر بدوي ثقافته العربية والإسلامية قط، فقد ظل ينقب في التراث الإسلامي كاشفا عن مواطن القوة والقيمة فيه، ومحاولا إعادة قراءة نصوصه في سياق عز على كثير من الباحثين وقرائه غير المتخصصين فهمه، مما جعلهم يتعجلون في الحكم على موقفه من ثقافته الإسلامية، معتبرين كتاباته المتأخرة في تفنيد مؤلفات وإدعاءات بعض المستشرقين والباحثين الغربيين، عودة إلى الاسلام، لكنها في الحقيقة كانت انحيازا للموضوعية وللحقائق المعرفية، التي رأى من واجبه بثقافته الإسلامية الأصيلة تفنيدها وكشفعوارها قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في صباح الخميس الخامس والعشرين من يوليو عام 2002. وكان من أهم مؤلفاته في هذا الصدد كتاب «دفاع عن القرآن ضد منتقديه» عام 1988، وكتاب «دفاع عن محمد صلى الله عليه وسلم ضد المنتقصين من قدره» عام 1990.

 

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: