منوعات

كتاب لم يكتمل (2-2): الثورة بين ماركس وأرندت

جيوفري وايلدانجر، الباحث في قسم الدراسات الألمانية في جامعة لايبزغ

ترجمة وعرض: أحمد بركات

   تتنوع المادة التي قام المحررون بجمعها من كتاب Karl Marx and the Tradition of Political Thought (كارل ماركس وتاريخ الفكر السياسي)، الذي بدأته حنا أرندت عن ماركس ولم تكمله، بشكل كبير وتتضمن طروحات عديدة، وهو ما يجعلها مشوقة، وكأنها مدخل إلى «المنزل الخفي» (hidden abode) – على حد تعبير ماركس في كتاب Capital – للإنتاج الفكري لأرندت. رغم ذلك، لن يجد كل منتقدي أرندت في هذه المادة إجابة على كل تساؤلاتهم. إلا أن هذه المادة المتنوعة توحدها في النهاية أطروحة رئيسية تضمنها كتاب Tradition and the Modern Age (التقليد والعصر الحديث) (1954)، حيث تؤكد أرندت أن ماركس وضع نهاية لطريقة التفكير التي هيمنت على العقل البشري منذ عصر سقراط وأفلاطون. لم يعد «منطق الحيوان» – كما كتبت أرندت – هو نموذج الجنس البشري، وإنما «معاناة الإنسان». يعني هذا أن الإنسان عند ماركس «لن يغادر أبدا ما اعتبره أفلاطون ’كهف‘ الحاجات البشرية اليومية».

مع هذا التحول في المصطلحات، فإن أرندت تجعل من ماركس عالما في الإنثروبولوجيا أكثر منه عالما في الاقتصاد السياسي (كما يُعرف ماركس نفسه)، وتستند هذه القراءة إلى رفض أرندت التام لكفر ماركس الصريح بالطبيعة الإنسانية، حيث تقول في هذا الشأن «بشكل فعال يمتلك ماركس فكرة واضحة عن الطبيعة البشرية، لكنه لا يعترف بذلك»، وتضيف أن ’نسخة‘ الطبيعة البشرية عند ماركس تمثل مشكلة لأنها تُخضع القضايا السياسية لقوى اقتصادية، في حين يجب أن يخضع المجتمع للحكم السياسي وليس للضرورة الاقتصادية، كما ترى أرندت.

اقرأ أيضا:

الخوف والوحدة والعزلة

يبدأ كتاب The Modern Challenge to Tradition (التحدي المعاصر للتراث) حيث ينتهي كتاب The Origins of Totalitarianism (أسس السلطوية) بمقال بعنوان Ideology and Terror (الأيديولوجيا والخوف) (1953). وفي فصل يحمل نفس العنوان، تصيغ أرندت واحدة من أكثر أفكارها إثارة للجدل: «ذلك الشعور بالوحدة، الذي كان خبرة استثنائية في الحياة البشرية، صار خبرة حياتية يومية ترزح تحت نيرها الجماهير المتزايدة في هذا القرن». يؤمن منتقدو أرندت بتفشي هذا الشعور، لكنهم يرفضون تلك العلاقة الشرطية التي تقيمها أرندت بينه وبين الدولة السلطوية. يأتي المقال التالي في كتابThe Modern Challenge to Tradition بمثابة رد على هؤلاء المنتقدين، ويفصل أوجه فكرتها التي لم تكن واضحة بما يكفي في المقال الأول. تتمسك أرندت بمركزية هذا الشعور في الحكم السلطوي، لكنها تؤسس له بوضوح أكبر ليس باعتباره سببا وجوديا (على سبيل المثال «الأنومي»، الكلمة المفتاحية في النظرية الاجتماعية عند إميل دوركايم)، وإنما كسبب سياسي، «الخوف». فالشعور بالوحدة – من وجهة نظر أرندت – ليس سببا مباشرا في الحكم السلطوي، لكن الذي لا شك فيه هو أنه ينتج عن الشعور بالخوف. وبمجرد أن يقع شعب ما فريسة لهذا الشعور، فإنه سيكون أسلس قيادة تحت قبضة الأنظمة السلطوية، لأن الأفراد الذين يشعرون بالوحدة يصعب توحدهم ويفتقرون إلى الروابط القوية الضرورية لتنظيم الاحتجاجات والثورات. وتحول هذه الآثار الفردية للشعوربالوحدة دون القيام بعمل سياسي حتى في الدول غير السلطوية لأن السياسة تتطلب التعاون والتنسيق. في هذا الخصوص، تؤكد أرندت أن المشاعر والانفعالات يلعبان دورا مهما في السياسة.

وعلى عكس الشعور بالوحدة تؤكد أرندت أن الشعور بالعزلة يمثل قيمة إيجابية كبرى في السياسة. فبينما «يرتبط الشعوربالوحدة ارتباطا وثيقا بالاقتلاع من الجذور والاضطراب الزائد… وعدم امتلاك مكان في العالم»، تقف العزلة على طرف النقيض. فهي «تتطلب أن تكون بمفردك»، على عكس الوحدة «التي تتجلى أكثر ما تتجلى في معية الآخرين». وطالما استدعت أرندت عبارة الكاتب الروماني وخطيب روما المفوه شيشرون – المنسوبة في الأصل إلى كاتو – لتوضيح هذا الفارق: «لم يكن أبدا أقل شعورا بالوحدة عندما كان بمفرده ». رغم ذلك، كما كتبت أرندت «يمكن أن تتحول العزلة إلى وحدة؛ يحدث هذا عندما أُقتلع من نفسي».

وبينما تؤمن أرندت أن السلطوية تنتج الوحدة، وتَعُد ستالين سلطويا، إلا أنها لا تضع أوزاره على كاهل ماركس. وتذكر أرندت أن ستالين، على سبيل المفارقة، يثبت أهمية ماركس، لأن الأخير «هو الوحيد من رموز الماضي الذي لم يكن فقط مهتما فعليا بالأزمات التي لا زلنا نعانيها، وإنما هو أحد الرموز التي يمكن استخدامها، أو إساءة استخدامها من قبل أحد أشكال الحكم الجديدة». ولكن التأسيس لأهمية فرد في سوء تطبيق فرد آخر يمثل تكريسا مثيرا للشكوك وربما غير بريء، وهنا تبدأ انتقادات أرندت لماركس.

Image result for ‫ستالين‬‎

ستالين

نفى حتمية الثورة

تضع أرندت يديها على مشكلتين أساسيتين عند ماركس، أحدهما منهجية، حيث يستبدل ماركس الفلسفة بالسياسة، والأخرى فلسفية، حيث يمتلك ماركس نموذجا جدليا للتاريخ. فبالنسبة إلى ماركس – كما تؤكد أرندت – تمثل الرأسمالية عملية يتحول فيها مزيد من الأفراد من فلاحين إلى عمال بأجور، بحيث لا يصبح أمامهم أي خيار للبقاء على قيد الحياة سوى العمل. حتى هنا تتفق أرندت مع ماركس. لكن الإشكالية تكمن في الخطوة التالية. فماركس يؤكد أن انقسام المجتمع إلى ملاك وعمال يجعل الثورة ضرورية وحتمية. لكن أرندت تؤكد أن تكوين أحزاب العمال ومنح الحقوق القانونية للطبقة العاملة ينفي هذه الحتمية الثورية. وبينما يبدو هذا مناسبا في ضوء الخلاف الكلاسيكي بين الإصلاح والثورة، إلا أن أرندت تنظر إليه باعتباره يمثل أهمية فلسفية عميقة. علاوة على ذلك، فإن عدم حتمية الثورة لا تعني بحال حتمية قدرة الإصلاح على حل المشكلات الناجمة عن الاقتصاد الرأسمالي.

رغم ذلك، تلمس أرندت عند ماركس طريقة للتفكير بشأن «العنف الصامت» في المجتمع المعاصر، وهو العنف الذي تراه حاضرا بقوة في الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية على حد سواء. وتصف ماركس بأنه الأول في تاريخ الفكر السياسي الغربي الذي يسلط الضوء على هذه الإشكالية.

وبرغم أن الإصلاح وحده لا يكفي، إلا أن ماركس كان مخطئا عندما تمنى أن «يحقق الفلسفة»، أي أن يجعل المطالب المثالية بالعدالة والاستقلال حقيقة عن طريق تسييس الاقتصاد. لقد أدى هذا الإجراء إلى «إخضاع الفكر ]ومن بعده السياسة … لطغيان الضرورة، و’للقانون الحديدي‘ للقوى المنتجة في المجتمع». لكن أرندت، بدلا من ذلك، تلتمس طريقا من شأنه أن يمد مظلة الحرية السياسية دون أن يزيل الفوارق بين السياسة والاقتصاد. وبرغم افتقارها بوجه عام إلى نموذج معياري يمكنه منافسة فكرة ماركس عن الثورة، إلا أن هذا الكتاب يتضمن تلميحات عن أشكال السياسات التي تصيغها أرندت لمواجهة الرأسمالية.

يتضح من هذا الكتاب أن خلاف أرندت مع ماركس  هو خلاف جوهري وأنه يسير في طريق مسدود. ورغم أنها تنظر إليه كـ «رفيق»، لكنها لا تثق في إزدواجية معاييره وتناقضه تجاه العنف وإيمانه بوجود علم التاريخ. إن ماركس وأرندت يختلفان في أمور كثيرة، لكن حيثما يلتقيان يقدمان سياسات متواضعة للغاية تقوم على التعاون والتنظيم في العلن. إنهما يؤمنان إيمانا عميقا بأن التغيير السياسي آت لا محالة فقط لأن الناس- مهما تواضعت مكانتهم الاجتماعية – يتقابلون ويتحدثون عن نمط العالم الذي يحلمون بالعيش فيه، ويناضلون من أجل تحويله إلى حقيقة.

*هذه المادة مترجمة.. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 👉

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق