منوعات

ابن عربى.. شيخ الصوفية الأكثر إثارة للجدل

لم يثر أحد جدلا واسعا في تاريخ الصوفيين أكثر من محيي الدين بن عربي والحسين بن منصور الحلاج، لا سيما الأول، فهو المُلقب بالشيخ الأكبر، وإليه تنسب الطريقة الأكبرية الصوفية، من ألقابه الأقل ذيوعا: رئيس المكاشفين، البحر الزاخر، بحر الحقائق، إمام المحققين، وغيرها من الألقاب الشبيهة الدالة على رقي حاله وعظمة رتبته عند أهل الطريق..

وتشير كثرة ألقابه إلى شدة افتتان الناس بشخصه وعلومه وإدراكهم لعلو درجته وجلال قدره؛ ولا غرو فالرجل كان صوفيا باهرا وفيلسوفا آسرا، لم يظهر مثيل له في التصوف والفلسفة الإسلامية على مر العصور، وكان صاحب رحلة شديدة الخصوصية، عرفها الخلق بـ «رحلة بن عربي في ملكوت الله».

نشأة دينية خالصة

وُلِد محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بمحيي الدين بن عربي في مرسية بالأندلس في رمضان سنة 558 هجرية الموافق لسنة 1168 ميلادية وتوفي في دمشق بسوريا سنة 638 هجرية الموافق لسنة 1240 ميلادية ودُفِن في جبل قاسيون المشرف على العاصمة السورية و الذى يُعد امتدادا لسلاسل الجبال السورية الغربية. وُلِد محيي الدين لأب عربي طائي وأم عربية خولانية، وقالوا إن أمه كانت بربرية (من الأمازيغ تحديدا)، ربما من باب التأريخ الأمين، وربما من باب الطعن في نقاء عروبته.

 وقد نشأ الصبي في جو ديني عظيم؛ فوالده كان إماما في الفقه والحديث وعابدا زاهدا من المعدودين في التقوى والتصوف، وجده كان أحد قضاة الأندلس وعلمائها. وبعد انتقال أبيه إلى أشبيلية، دفع به مبكرا إلى مُحفظي القرآن الثقات، فأتمه بالقراءات السبع، وسلّمه أبوه بعدها إلى جماعة من أهل الفقه والحديث يتنقلون بين البلاد حتى استقر في دمشق. وقد قيل إنه ما بلغ العاشرة من عمره حتى كان مُلما بالقراءات والمعاني والإشارات، وما إن بلغ العشرين من العمر حتى أعلن عن مكاشفاته ومشاهداته.

اقرأ أيضا:

 وقد توافرت عوامل عديدة للغرق في الحياة الروحية الشفافة والتأملات الفلسفية للأكوان، منها ميلاده قبيل رحيل شيخ راسخ عظيم بقي مدده الصوفي والفقهي الجزيل حاضرا ومرجوا هو الإمام الصوفي والفقيه الحنبلي الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي خلع عليه أتباعه لقب «باز الله الأشهب»، ومنها أن عصره كان محاطا بقمم علمية شاهقة لا حد لتوهج مصابيحها، ومنها تردده إلى المدارس الرمزية وتعلمه العلوم الدينية واللغوية فى سن صغيرة للغاية، كما قيل إن زواجه من الفتاة الفارسية نظام، ذات الحسن الشكلي والجوهري الخلاب، كان سببا كبيرا من أسباب سكينة نفسه وإشراقه وصفائه وتفرغه للتحديق النابه في الكائنات والأشياء، وهي ابنة شيخ من أكابر شيوخ بلاد فارس هو أبو شجاع بن رستم الأصفهاني.

الأكثر إثارة للجدل

أثارت كتب ابن عربى وأفكاره وخواطره وآراؤه وأقواله وسيرته برمتها غبارا جدليا كثيفا باستمرار من وقته البعيد إلى وقتنا هذا، وتعرض لحملات تكفيرية في حياته وبعد مماته، من أبرزها كتاب «تنبيه الغبي إلى تكفير بن عربي» لبرهان الدين البقاعي، وقد ذكر في كتابه نخبة من العلماء الراسخين الذين كفّروا الرجل، أهمهم: العز بن عبد السلام، وابن تيمية، وتقي الدين السبكي، وابن حجر العسقلاني، والذهبي، وابن خلدون، والبلقيني. لكن هناك معتبرون أيدوا إيمانه وأحاطوه بجميل الأنوار وعميق الأسرار، أهمهم: عبد الوهاب الشعراني، والفيروزأبادي، وشهاب الدين السهروردي، وابن عابدين الحنفي، وعبد الغني النابلسي.

 وقد وضُعت كتب كثيرة في تبرئة ساحته من الكفر والابتداع والشطح المعيب، ضمنها كتاب الإمام جلال الدين السيوطي «تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي». وهو الكتاب الذي مدحته جماعة معتدلة معتبرة من ذوي الأفهام في عصور متقدمة؛ فقالت: لا تقرؤوا كتاب البقاعي إلا كتاب السيوطي معكم,  

وهناك من سكتوا عن الرجل فلم يذكروه بخير ولا بشر؛ فقد قال ابن شرف المناوي بشأنه: إن السكوت عنه أسلم، وهذا هو اللائق بكل وَرِع يخشى على نفسه.

يتلخص مذهب ابن عربي في فكرته العبقرية المحيرة «وحدة الوجود» وهو أصلا صاحب العبارة الشهيرة: من قال بالحلول فهو معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد. فكأنه بها كان يبرئ نفسه من فكرتي نزول الذات الإلهية في الإنسان (الحلول) وانصهارهما معا في كيان واحد (الاتحاد)، ويفرق بينهما وبين فكرته الأثيرة تفريقا واضحا. يبقى أن الفكرة المختلفة المثيرة «وحدة الوجود» تبلورت على يديه أكثر مما تبلورت على يد فيلسوف آخر إلى الزمن الحاضر، تلك التي تعني «تلاحم الوجود وتواصله مهما كثرت وتعددت أجزاؤه وأسماؤه وما فيه من الصفات والمحمولات، وعند النظر إلى ماهية الوجود فإنه هو الحق وليس غيره، وإنما يصير خلقا بالنظر إلى أعيانه وممكناته المضمرة».

ربما استفاد ابن عربي في فكرته التي لم تكن جديدة بالأساس لكنه، ضبطها وأحكمها وتوسع فيها وصاغها بطريقة فذة نافذة يعززها الغموض الحميم ولا يشوّشها البتة، بحيث سبقت همته بإزائها همم الجميع، و ربما استفاد من الأرسطية (فكرة الصورة والهيولى) والأفلاطونية (نظرية الفيض).. وكثيرا قيل عنه «إنه كان ظاهريا قبل أن يجتهد في مطاوي رسائله فيؤول إلى صفة باطنية».

قال مرة: خرجت يوما لصيد الغزلان مع جماعة يخدمونني، لكن كنت نويت ألا أؤذيها، وكان من عاداتها إذا رأتنا مقبلين أن تجري مفزوعة، لكن يومها لم تجر قط، بل دنت منا وتحاككت بنا وأبدت لنا مودتها الخاصة؛ فعلمت أنه قد سرى في نفوسها الأمان الذي في نفسي لها. قد أراد  ابن عربي بقصته قليلة الكلمات عظيمة الدلالات أن ينبه الخلق لارتباط الكائنات بعضها ببعض فوق ما يظن الغافلون  والمقصرون.

الدين الأشمل الذي ارتضاه ابن عربي لنفسه والذي يصب في مصلحة فكرته عن وحدة الوجود في الصميم أيضا؛ هو ما عبرت عنه قصيدته المشهورة «أدينُ بدِينِ الحُبِّ».. ومن أبياتها التي يجتمع الناس عندها، إلا المتشددين والسذج:

لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورةٍ ** فديرٌ لرهبانٍ ومرعىً لغزلانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ ** وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن

أدينُ بدِينِ الحُبِّ أنَّى توجَّهت ** ركائِبُهُ فالحُبُّ دِينِي وإيماني

ليس الرجل إذًا، في طبيعته النفسية، بأُحاديِّ الجانب ولا فكرته فحواها الأُحادية؛ فقبوله للآخر يتجاوز الإنسان إلى سائر المخلوقات ويتخطى الإسلام إلى ما سبقه من العقائد، وهكذا يتسع بالحب الذي به يلتئم ما تفرق، لكن بحيث لا يناقض الأمر فهمه الخاص لينبوع الينابيع الوجودي الذي هو عنده «عين ما ظهر وعين ما بطن» كما عاش يردد مثل ذلك بثقة تامة.

سبب الجدل البالغ حوله كسببه حول معظم مشايخ الصوفية الكبار بطول تاريخهم؛ ألا وهو قياس لغتهم التي غالبا لا تكون على ما اعتيد من المعاني الصريحة المباشرة، قياسها بالأقيسة المعجمية العادية التي لا توضح مراداتها ولا تظهر خوافيها، وغالبا تقلب حقائقها إلى الأضداد، ومن هنا تنشأ التوهمات السلبية والخصومات العقلية والوجدانية.

من معاصريه الأجلاء: ابن رشد، فخر الدين الرازي، فريد الدين العطار، أبو الحسن الشاذلي، جلال الدين الرومي.

رحلات وجدانية وأخرى جغرافية

لابن عربى سياحات منفردة عجيبة، زار غرناطة بالأندلس، ومكة والطائف الحجازيتين، والموصل وبغداد العراقيتين، والقاهرة المصرية، وتركيا، وأرمينيا، وحلب السورية وسبق وذكرنا استقراره بدمشق إلى الوفاة. ويمكن القول أن رحلاته جميعها عادت عليه بالنفع العظيم ومن ثَمَّ على مريديه؛ إذ وضع خلالها ما وضع وأتم ما أتم وأبان ما أراد إبانته بطريقته الأثيرة الساحرة. فقد كانت رحلاته، في جملتها وتفاصيلها، رحلات للتدبر في الدوائر غير المطروقة وفي البشر والبلاد بغية حصاد علوم جديدة وإمداد الوعي الشخصي بما يضاعف قيمة التصورات مع تحصيل لذة صيد اللآلئ الفاخرة وقنص الجواهر النادرة،وإشباع النفس بما تود أن تشبع منه بلا طمع ولا غفلة.

من نظرياته: الإنسان الكامل (عن مقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام)، الأعيان الثابتة (عن عالم الثبوت والعالم المحسوس)، المراتب السبعة (عن طبقات العارفين ودرجات الواصلين).

من كتبه: تفسير ابن عربي (يحوي تفسيره للقرآن الكريم)، الفتوحات المكية (سفر ذو لغة رمزية يضم نصوصا صوفية بعيدة الأغوار)، فصوص الحكم (مادة في العلاقات الإلهية الكونية الإنسانية المركبة وهي محل للاختلاف الكبير الدائم بين النقاد في مفاهيمها وأهدافها ومقاصدها)، ديوان ترجمان الأشواق (أشعاره في مديح نظام ابنة الشيخ الأصفهاني)، الإعلام بإشارات أهل الإلهام (كتاب تصوفي كشفي)، اليقين (كتاب فلسفي فريد في مسألة العلم الذي لا شك فيه أو الحقيقة المؤكدة شاغلة الفلاسفة في زمنه).

اقرأ أيضا:

من أقواله:

* الله تعالى واحد بالإجماع، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل هو في شيء أو يتحد في شيء.

* لو صح أن يرقى الإنسان عن انسانيته والملك عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى؛ لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها، وصار الحق خالقا، والخلق حقا.

* لا تعترضوا على المجتهدين من علماء الرسوم ولا تجعلوهم محجوبين على الإطلاق فإن لهم القدم الكبيرة في الغيوب وإن كانوا غير عارفين وعلى غير بصيرة بذلك ويحكمون بالظنون

* الحكم نتيجة الحِكمة، والعِلم نتيجةُ المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له.

* كل سفينة لا تجيئها ريحها منها فهي فقيرة.

* يا إلهي، ما أحببتك وحدي لكن أحببتك وحدك.

* كل إحسان ترى نفسك فيه محسنا لا يُعوَّل عليه.

* الحب البشري أول مراتب الحب الإلهي.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: