منوعات

أنور المعداوي وفدوى طوقان.. العشق الممنوع

هناك أسرار تتمنى لو أنك لم تعرفها، فإذا كُتب عليك معرفتها فأنك ستشقى بها، وهذا ما حدث مع الناقد الكبير الأستاذ رجاء النقاش، رحمه الله.

عرف النقاش (1934 ـ 2003) في مقتبل شبابه الناقد الأشهر أنور المعداوي (1920 ـ 1965) لم يكن المعداوي يكبر رجاء سوى بأربعة عشر عامًا فقط، ومع هذا الفارق البسيط في العمر كان النقاش يعده أستاذه الأول ومعلمه القائد المحب البصير.

رجاء النقاش                                       أنور المعداوي

عندما أصبحت معرفة الرجلين صداقة متينة، باح المعداوي بأسراره للنقاش، وكان من بينها أنه قال له: لقد كنت والشاعرة الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان نتراسل وربطتنا قصة حب.

باح المعداوي بسره ثم غادر دنيانا سريعًا وهو لم يتم الخامسة والأربعين من عمره.

كان السرـ من وجهة نظر النقاش ـ سيكشف عن جوانب مهمة جدًا من شخصية المعداوي أستاذه وصديقه.

ولكن كيف سيضع النقاش قبضته على حقائق السر وتفاصيله الدقيقة؟.

كان النقاش يخاف تكذيب المُكذّبين، الذين كانت أدلتهم على كذب السر قوية جدًا، وكان يكفي الواحد منهم أن يقول: متى تحابا وما جمعهما لقاء قط؟.

لقد عاشت فدوى في نابلس وعاش المعداوى في القاهرة، وفي المرات التي زارت فيها القاهرة لم يحدث وأن جلسا سويًا ولو لدقائق.

Related image

فدوى طوقان

خوف النقاش من التكذيب جعله يندم على معرفته بالسر، ولكن لا مفر من وضع خطة محكمة لكي تقبض يده على الحقائق.

كانت الخطوة الأولى هى وصوله لتلك الرسائل، المعداوي لم يقدم له سوى الكلام أما الخطابات فلم يطلعه على شيء منها، بل قال له صراحة: لقد أتلفت الخطابات التي أرسلتها فدوى لي ولم أحتفظ منها بشيء، وذلك لأنها كانت تكتب بصراحة كبيرة عن محيطها العائلي وعن خفايا شخصيتها، وأرى أنه لا يليق بي ولا بها أن أنشر سرها!.

الوسط الثقافي كله كان يعرف بعلاقة المعداوي بفدوى، وذلك لأن المعداوي يكاد يكون هو الذي اكتشف فدوى، فقد عمل بكل جهده على نشر أول ديوان لها، ثم كتب عن شعرها كثيرًا في ذلك الوقت الذي كانت كلمة منه ترفع أديبًا وتخفض آخر، ولكن من الممكن رؤية تلك العلاقة في إطار مساعدة ناقد شهير لشاعرة شابة موهبة، إذ أن المعداوي قد مد يد العون لغيرها من الأدباء وتكفينا الإشارة إلى دوره في الاهتمام بموهبة نزار قباني وسهيل إدريس وعلى شلش ورجاء النقاش وغيرهم.

إذًا لا مفر من الوصول إلى الرسائل للتأكد من صحة السر أولًا ثم لتكون الرسائل حال وجودها بابًا محوريًا من أبواب كتاب كان النقاش يعده عن حياة وأدب المعداوي.

في أبريل من العام الشهير 1967 عُقد ببيروت مؤتمر كُتَّاب آسيا وإفريقيا، فدوى من أبرز حضوره، ومعها كان رجاء النقاش، الذي كانت فدوى تعلم متانة علاقته بالمعداوي.

 بعد كلام كثير، سألها بخجل شديد عن مصير رسائل المعداوي إليها.

 كانت المفاجأة الكبرى أن فدوى قد وافقت دون تردد على تقديم الرسائل للنقاش.

انتظر النقاش وصول الرسائل إليه ولكن انتظاره طال لسنوات، فبعد مرور شهرين على المؤتمر وقعت كارثة يونيو 1967 وسقطت نابلس تحت الاحتلال الصهيوني.

شغلت الكارثة الجميع ولم يكن بمقدور النقاش معاودة الطلب.

بعد نصر العاشر من رمضان العظيم وفي أوائل العام 1974 تلقى النقاش رسالة من فدوى جاء فيها: «لعلك تذكر وعدي بموافاتك برسائل صديقنا العزيز أنور المعداوي، كان بنيتي المجيء إلى القاهرة، ولكن ظروفًا قاهرة، أحبطت نيتي، وكم كان بودي أن أجيء إليك بنفسي واضع هذه الوديعة العزيزة بين يديك».

بين فدوى وغادة

بعد انتظار امتد لسبع سنوات، ها هى رسائل المعداوي بين يدي تلميذه وصديقه رجاء النقاش.

قد يرى أحدهم أن ما فعلته فدوى هو عينه ما تفعله الأديبة غادة السمان التي تكثر من نشر رسائل الشعراء والأدباء إليها ولكنها لم تنشر مرة واحدة رسالة منها إلى أديب أو شاعر.

الحق أن فدوى لم تصنع صنيع غادة، بل فدوى هى التي أكدت بملء فمها بأنها أحبت المعداوى، ثم المعداوى هو الذي أتلف رسائل فدوى لكي لا تقع في يد غيره لتفهُمه لمحيط فدوى العائلي ولمكانتها في فلسطين.

ثم لا يفوتك تقدير تواضع فدوى التي ولدت في العام 1917 فقد كانت أكبر من النقاش بسبع عشرة سنة، وكانت أشهر منه وأخطر، فلقد لقبها درويش بـ «أم الشعر الفلسطيني».

ومع تلك المكانة تعرف للنقاش علاقته بالمعداوي فتدفع له في تواضع بسر من أسرار حياتها.

المظلوم حيًا وميتًا

تقسو الحياة على بعضهم، ومن هؤلاء الذين ذاقوا مرارة قسوتها أنور المعداوي، فالرجل الذي تربع على عرش النقد الأدبي لأربع سنوات متصلة فكان نجم الساحة الأول من العام 1948 وإلى العام 1952 سرعان ما تنكر له الجميع، ولقد حاول النقاش إنصافه بإصدار كتاب يضم رسائله ولمحات من حياته، وبالفعل صدر الكتاب في العام 1976 وقد قوبل بعاصفة من الردود المتباينة، ولكن الكتاب كان شكلًا من أشكال الظلم الذي تعرض له المعداوي بعد رحيله، فبحسب اعتراف النقاش نفسه، كان الكتاب مكتظًا بالأخطاء الفادحة في عددها ونوعها، مما جعل مسألة الإطلاع عليه مهمة لا يصبر عليها إلا أهل الاختصاص!

مرت سنوات حتى رأى النقاش إعادة النظر في كتابه، وبالفعل أصدره في طبعة تليق بأنور المعداوي تحت عنوان «بين المعداوي وفدوى طوقان.. صفحات مجهولة من الأدب العربي».

ومن ناحيتها فإن دار الشروق التي نشرت الكتاب قد أحسنت الاهتمام به فنشرته على أحسن وجه.

قبل الدخول إلى عالم الرسائل ألفت النظر إلى أمرين.

الأول أن النقاش كان في تكوينه الأخلاقي والثقافي شيئا يغري الأدباء بأن يبوحوا له بأسرارهم، ومن هؤلاء الأديبة العراقية الشهيرة ديزي الأمير التي سلمت للنقاش الرسائل التي وصلتها من الشاعر السوداني الكبير محمد المهدي المجذوب، وقد وعدها النقاش ـ كما قالت هى ـ بأن يعمل على تلك الرسائل كما عمل على رسائل المعداوي، ولكن العجيب أن النقاش تجاهل الأمر تمامًا رغم أن ديزي قد كتبت مرارًا على العلن تطالبه بنشر الرسائل، ثم رحل النقاش ولم نعد نحن نعرف مصير رسائل المجذوب!

محمد المهدي المجذوب                                      ديزي الأمير

الأمر الثاني أن الوحيد الذي تصدى لكتاب النقاش كان الناقد الأردني الكبير عيسى الناعوري الذي نشر كتابًا تحت عنوان «مع الكتب والناس والحياة» خص النقاش منه بفصل كامل يفند فيه ما ذكره النقاش عن طبيعة العلاقة التي ربطت بين المعداوي وطوقان، وذهب الناعوري إلى أن الأمر لا يتجاوز كونه صداقة أدبية!

Related image

عيسى الناعوري

جاء الرد من فدوى نفسها التي كتبت للناعوري الذي كان أمينًا فنشر ردها كاملًا، شرحت فدوى في ردها على الناعوري سبب عدم مقابلتها للمعداوي فقالت: «في الواقع إن أول زيارة قمت بها لمصر كانت في شهر أغسطس عام 1950 ولم تكن صلتي بأنور المعداوي قد بدأت بعد، والزيارة الثانية كانت في أبريل عام 1954 وكان أنور قد انقطع عني ذلك الانقطاع المفاجئ الذي تكرر أكثر من مرة، مما انتهى بي إلى الظن بأنه يتلاعب بعاطفتي تجاهه، أما الزيارة الثالثة فكانت بين شهريّ ديسمبر 1955 ويناير 1956 حين كانت العلاقة بيننا قد انتهت تمامًا».

ثم تقول فدوى: «نعم كان هناك حب حقيقي، وعبرت عنه بأكثر من قصيدة».

ثم جاء الحب

كيف يحب رجل مثل المعداوي؟.

ليس صحيحًا أننا جميعًا نقف في صف واحد أمام العواطف، فالأديب له قلب مختلف لأن إحساسه بالحياة مختلف أيضًا، فما بالنا برجل كالمعداوي، الذي كان مرهفًا متدللًا، كان شابًا من عشاق الحياة المقبلين عليها، وكان قد حصّل ثقافة عربية عريقة مضافًا إليها ولع خاص بالآداب الفرنسية، وقد بلغ به ولعه بالفرنسية أن جهات مسئولة قد رشحته لنيل الدكتوراه من السربون إلا أنه رفض السفر، حرصًا على أمه التي كان يعلم أن ابتعاده عنها سيهلكهما معًا.

رجل بتلك المواصفات عندما يحب يقدم قلبه كله وروحه جميعًا.

هل الرسائل تحمل قلب وروح المعداوي فقط ؟

عن هذا السؤال تجيب الناقدة وأستاذة علم النفس السعودية لطيفة الشعلان، فقد كتبت دراسة قيمة عن الرسائل جاء فيها: «تأتي أهمية الرسائل من قيمتها الفنية والتاريخية، فهى ـ أي الرسائل ـ  تعدّ شاهداً موضوعياً وحيداً على طبيعة العلاقة التي ربطت أنور بفدوى، فهذه الرسائل قد استبطنت الذاتي والشخصي، بقدر ما استبطنت وقرأت الأوضاع الثقافية والسجالات الأدبية والذائقة الفنية والرؤى النقدية السائدة في زمانها.

Related image

لطيفة الشعلان

من جهة أخرى فإن سبر غور العلاقة التي ربطت بين فدوى وأنور قد يساعد في إضاءة بعض الجوانب المعتمة في شخصية الاثنين، طالما أن ذات المبدع أحد المداخل المعتبرة لفهم وتفسير إبداعه. كما يسهم في تأمل روح العصر وثقافته الأدبية والاجتماعية، وموقع المرأة المثقفة، وطبيعة علاقتها بالرجل في الوسط الثقافي في مجتمعات بلاد المركز (مصر والشام) خلال حقبة الخمسينات».

وبالعودة إلى الرسائل نجد أن زمانها قد استغرق ثلاث سنوات فقط، وكانت الرسالة الأولى بتاريخ 26/11/1951، وكانت الرسالة الأخيرة بتاريخ 13/9/1954، وبلغ عدد الرسائل سبع عشرة رسالة.

الرسائل كما قالت لطيفة الشعلان وكما علق عليها النقاش، لم تكن مجرد رسائل حب بين أديبين، لقد كانت تحليقًا في عالم الأفكار والفن، يمكن لأي قارئ أن يضع يديه على حقائق وخفايا الوسط الأدبي العربي من خلال قراءة تلك الرسائل.

لغة الرسائل عالية جدًا ومرهفة جدًا وهذا هو المتوقع من ناقد بحساسية المعداوي، ولكن كأن تلك اللغة كانت سورًا يفصل بينه وبين فدوى، يبدو المعداوي متحفظًا جدًا، فلن تجده يذكرها باللقب العظيم «حبيبتي» بل لم يقل لها «أحبك» صريحة مدوية، هل ثمة سر في هذا التحفظ العجيب؟

نعم هناك سر سيكشفه النقاش في تعليقه الممتع على الرسائل.

 ثم حتى جاءت الرسالة الثالثة عشرة فانهار السور وكتب المعداوي لفدوى: «ما بيننا هو شيء فوق الصداقة، وفوق الإعجاب».

ما الذي فوق الصداقة والإعجاب؟ إنه الحب ولا شيء غيره.

كان هناك حب لم تتردد فدوى في الإفصاح عنه شعرًا ونثرًا، وتحايل المعداوي لكي لا يصرح به جهارًا نهارًا، ولكن كيف انقطع هذا الحب؟.

هنا السر الذي كشفه النقاش، لقد أدرك المعداوي أنه لو تمادي في العلاقة فإنها ستبحر حتى تصل إلى شاطئ الزواج شأن كل العلاقات، ولكن المعداوي كان يعرف أنه مريض بمرض يمنعه من الزواج، فكيف يعذب حبيبته ويجعلها تشقى به زوجًا بعد أن تخسره حبيبًا وصديقًا وداعمًا لفنها؟.

انسحب المعداوي فجأة من العلاقة فرأت فدوى أنه يتلاعب بعواطفها فتوقفت عن الكتابة إليه، ثم تنكرت الحياة للمعداوي فسقط في قبضة مرض حار الأطباء في تشخيصه، فعاد إلى قريته بمحافظة كفر الشيخ وقد طلق الحياة طلاقًا بائنًا، لقد أصبح كيانه كله فريسة سهلة للاكتئاب والحزن، ثم سرعان ما مات، ولولا كتاب رجاء النقاش عنه لسقط في جب النسيان كأنه لم يكن الناقد الأكبر في الوطن العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: