فن

السينما المصرية والتاريخ.. «الحقيقة» الغائبة

هناك كثير من أفلام السينما المصرية يحلو للبعض أن يطلق عليها تلك التسمية.. «أفلام تاريخية» لكن هذه الأفلام إذا أخضعناها لمعايير الفيلم التاريخي ستصبح بعيدة كل البعد عن هذا التوصيف.. ناهيك عن أنها لم تراع الصدق التاريخي بدعوى أنه يقف حجر عثرة في طريق الإبداع الفني، كما يصر البعض على أن مطابقة وقائع التاريخ ليست هدفا فنيا بالأساس، وبدعوى رؤية المخرج للأحداث يتم تمرير القبول بالعديد من هذه التجاوزات؛ بينما يصر المتخصصون من المؤرخين على نفي صفة التاريخية عن هذه الأفلام لما تتضمنه من مخالفات صارخة للحقيقة والتاريخ.

ويبدو أن هناك اختلافا واضحا بين وجهة نظر السينمائيين الذين يضعون تحت تصنيف الفيلم التاريخي أفلاما تنتمي للماضي بالأزياء والديكورات فقط، أو أفلاما لا يتضح إلى أي فترة زمنية تنتمي على وجه التحديد، وأفلاما لا تتجاوز الفترة بين عام إنتاجها والموضوع الذي تتناوله عدة سنوات بدعوى انقضاء العهد الذي يتناوله موضوع الفيلم كما في فيلم «الله معنا» إنتاج 1955، الذي يتناول قضية الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين 1948، ويذهب آخرون إلى أن الفترة الزمنية بين الموضوع وعام الإنتاج لا يجب أن تقل عن ربع قرن، ويشترط البعض حدوث تغيير جذري سياسيا واجتماعيا، للخروج من مأزق الفترة الزمنية الذي يصبح غير ذي أثر في فترة تكلس فيها كل شيء كفترة حكم مبارك التي استمرت لثلاثة عقود.

غياب الحقيقة التاريخية

ووفق المعايير المعتمدة لدى الدكتور قاسم عبده قاسم أستاذ التاريخ فإن السينما المصرية ما زالت تخلو من الأفلام التي يمكن وصفها بالتاريخية؛ وأهم تلك المعايير أن يلتزم الفيلم خيوط الحقيقة التاريخية في إطار بناء درامي محكم؛ فلا يكفي أن يتناول  العمل السينمائى موضوعا تاريخيا أو شخصية تاريخية أو ظاهرة تاريخية دون الاعتماد على مادة تاريخية صيغت بأيدي متخصصين يكون من حقهم إبداء الرأي في إبداع كاتب السيناريو ومدى التزامه بالصدق التاريخي الذي لا يخالفه ابتكار شخصيات درامية غير تاريخية لخدمة الغرض الفني للفيلم.

قاسم عبده قاسم

وقد يرى البعض أن تلك المعايير تحمل تشددا؛ إلا أنها تجعل التصنيف أكثر تحديدا، ومع اعتماد قاعدة الأثر التاريخي وهو البناء الذي مر على تشييده مئة عام على الأقل، يمكن لنا اعتماد هذا المعيار بين تاريخ الحدث الرئيس في الفيلم وعام إنتاج الفيلم، واستبعاد الأفلام التي يمكن تصنيفها تصنيفات أخرى مثل الأفلام الدينية والسياسية، والسير والحكي الشعبي، وتلك المستمدة من قصص ألف ليلة وليلة.. يمكن لنا بعد ذلك محاكمة ما بقي من أفلام إلى الشروط السابق ذكرها. 

ويدلل الدكتور قاسم على عدم تحري الدقة في أهم الأمور بأن أول فيلم مصري انتحل تلك الصفة هو فيلم «شجرة الدر» إنتاج عام 1935، عن رواية لجورجي زيدان ومن بطولة وإخراج أحمد جلال الذي كتب السيناريو والحوار أيضا وشاركته البطولة ماري كويني وآسيا– إذ لم يكلف القائمون على الفيلم أنفسهم بمراجعة اسم الشخصية الرئيسية ليكتشفوا أنه «شجر الدر» وليس «شجرة الدر».. ناهيك عن الانحياز الواضح من قبل صناع الفيلم لتوجه زيدان الذي يغلب عليه الخيال والنزعة العاطفية على حساب حقائق التاريخ التي تحمل بين طياتها دراما أكثر ثراء وعمقا.

ولا يبتعد «إبراهيم لاما» بفيلمه «صلاح الدين الأيوبي» الذى أُنتج عام 1941 كثيرا عن أخطاء سابقه رغم فارق السنوات الست بين الفيلمين؛ فشخصية «صلاح الدين» التي جسدها «بدر لاما» شقيق المخرج لا تقترب في قليل أو كثير من الشخصية التاريخية؛ إذ جاءت السمة الغالبة على الفيلم أقرب إلى الرومانسية مع التركيز على جوانب تُبرز النبل والفروسية في شخصية البطل، ومما يحسب للفيلم أن الحوار التزم اللغة العربية الفصحى، ولكن ذلك وحده لم يكن قادرا على إخفاء عيوب العمل الذي أهمل تماما كثيرا من الحقائق التاريخية.

ويقدم نفس المخرج عام1943، فيلم «كليوباترا» من بطولة أمينة رزق وبدر لاما، مُركزا على العلاقة العاطفية بين «كليوباترا» و«مارك أنطونيو» برغم أن كثيرا من المصادر تؤكد أنها لم تكن على هذا النحو بل كانت جزءا من الصراع على السلطة، ومحاولة ضرب السيطرة الرومانية من خلال تأجيج الصراع بين «أوكتافيوس» و«أنطونيوس» وهذا ما يؤكده قرار الانسحاب من المعركة الذي اتخذته الملكة.. لكن كل هذا الحقائق التاريخية وما تحمله من دراما واقعية لم تكن كافية لإقناع الأخوين لاما بالعدول عن الاستسلام لمغريات قصة العشق التي كتبها حبيب جاماتي.

ويشير الكاتب والمؤرخ السينمائي محمود قاسم في كتابه «الفيلم التاريخي في السينما المصرية» أن عام 1948، قد شهد إنتاج فيلم بعنوان “فتح مصر” من إخراج فؤاد الجزايرلي عن قصة للكاتب والممثل محمد صبيح كتب الحوار لها جليل البنداري أما السيناريو فكان  لفؤاد الجزايرلى، وقام بالبطولة يحيى شاهين، ولولا صدقي وأحمد علام وآخرين.. وبالرغم من أن الأسباب المعلنة للفتح كانت أسباب دينية صرفة؛ إلا أن رؤية صانعي الفيلم تبنت ما يمكن تسميته بالصبغة الوطنية القومية باعتبار أن مصر التي كانت ترزح تحت الحكم الروماني كان من الواجب أن تتحرر لتلحق كجزء رئيس بالدولة القوية الوليدة بعد أن لحق بها العراق وكذلك الشام.

ومع بداية عقد الستينيات ومن إنتاج مصري إيطالي مشترك يخرج إلى النور فيلم «وا إسلاماه» عن قصة الكاتب على أحمد باكثير وسيناريو الأمريكي روبرت أندروز والحوار ليوسف السباعي  والإخراج للأمريكي أندرو مارتون من بطولة أحمد مظهر ولبنى عبد العزيز وعدد كبير من نجوم السينما المصرية.. وبرغم توفر الإمكانات إلا أن الفيلم جاء ضعيفا في معظم جوانبه اللهم إلا الملابس وتصميم المناظر وهما من صنع العبقري شادي عبد السلام، والغريب أن القصة التي كتبها  باكثير تخالف في غير موضع حقائق التاريخ دون سبب مفهوم، أما الأكثر غرابة  فهو أن الفيلم زايد على باكثير في مخاصمة التاريخ فجاء الفيلم في كثير من مشاهده هزليا يبعث على الضحك. هذا غير إقحام شخصيات غير حقيقية على العمل وجعلها ذات تأثير كبير في سير الأحداث مثل شخصية «بلطاي» التي أداها باقتدار فريد شوقي.

وفي فيلم الناصر صلاح الدين الذي استغرق إنتاجه سنوات وعرض عام 1963، وكانت تكلفته الإجمالية مئتي ألف جنيه- أصر صانعو الفيلم على قلب الحقائق أيضا؛ فصور الفيلم بهاء الدين قراقوش والي عكا في صورة الخائن رغم أنه دافع عن المدينة ببسالة، ولا ندري لماذا تحول القائد «عيسى العوام» إلى مسيحي في الفيلم، ولماذا أصر يوسف شاهين مخرج الفيلم على استخدام مسميات لم تكن مستخدمة في تلك الفترة مثل «أورشليم» ولقب سلطان العرب الذي أطلقه على صلاح الدين وهو كردي في الأصل.. ولم يكن يميل إلى العرب كثيرا.. كما كان استخدام لفظ الفرنجة لا الصليبيين هو المستخدم في الفيلم.

 قدم شاهين بعد ذلك ثلاثة أفلام تاريخية هي وداعا بونابرت 1985، عن الحملة الفرنسية في مصر، والمهاجر عام 1994، وهو الفيلم الوحيد في تاريخ السينما المصرية الذي يتناول الحياة في مصر القديمة في كثير من جوانبها، فهو يبرز غضب الشعب على حكامه في تلك الفترة، ويلمح إلى القدرة الكامنة في المصريين على الثورة ضد الظلم والاستغلال، كما أنه يشير إلى العلم كونه طريق الخلاص من الأزمات.. وأهم ما يعيب الفيلم هو وقوعه في خطأ شديد السذاجة حين جعل الغريب هو من يمتلك السر في الخروج من كارثة المجاعة، على الرغم من أن المصري القديم هو من علم الدنيا الزراعة وأسرارها.

ومن خلال رؤية شديدة الخصوصية تميز بها شاهين دائما يقدم لنا فيلسوف قرطبة «ابن رشد» من خلال فيلم بعنوان المصير عام1997، يعرض من خلاله جانبا من حياة الفيلسوف في زمن الخليفة المنصور وما جرى بينهما من خلاف، أسفر عن نفيه والأمر بإحراق كتبه وتجريم التفلسف وقراءة كتب الفلاسفة.. ولأسباب كثيرة التفت شاهين عن كثير من الحقائق المهمة  في القصة لحساب بعض التوابل السينمائية ليضع التطرف في مواجهة غير عادلة مع الرقص والغناء، في أجواء أندلسية رائعة يغلب عليها المرح.

ويقصر المجال هنا عن استعراض بقية الأفلام وإن كان الحديث عنها لن يبتعد كثيرا عما ذكر، وهي بحسب رأي الدكتور قاسم عبده قاسم لا يمكن أن توصف بالتاريخية بل هي «…توليفة غريبة من النظرة الاستشراقية الغرائبية إلى المنطقة العربية، وإلى الشرق بصفة عامة، وبعض التوابل الفنية التي صاحبت معظم هذه الأفلام بصورة ممجوجة مثل حفلات الرقص والغناء في قصور الخلفاء والأمراء والسلاطين التي تصحبها المنادمات وشرب الخمر على طريقة الكباريهات الرخيصة».

إن الفيلم التاريخي الذي تتوفر فيه كافة شروط الصدق والموضوعية إلى جانب الدقة والإحكام في الأداء الفني يعتبر ركيزة هامة في بناء الهوية الوطنية، وهو خير وسيط يربط الناس بماضيهم وتراثهم، ويحي فيهم نوازع الاعتزاز والفخر بانتمائهم الثقافي والحضاري، وهو بمثابة الذاكرة الحية للأمة التي تستلهم شروط نهضتها بتبصر تجاربها واستعادة أمجادها.. وإلا ضاعت في غياهب النسيان.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: