منوعات

فلسطين والكيان الغاصب(3): اقتصاد قائم على الابتزاز والمساعدات

يحاول أنصار التطبيع دائما ،وتحت شعارات زائفة تصوير الكيان الصهيوني على أنه دولة تطورت تبعا لقوتها وإخلاص أبنائها وتفانيهم في العمل، وعلى قدرة ذلك الكيان على تنمية موارده واستخدامها بشكل أمثل. ويستفيد أصحاب ذلك الرأي من أشكال الإنحدار المختلفة في الدول المحيطة بالكيان.

في  هذا الجزء الثالث من قراءتنا لكتاب «الاقتصاد الصهيوني والاقتصاد الفلسطيني» للكاتب والخبير الاقتصادي أحمد النجار، تفنيد هذه المقولات عبر القاء الضوء على جانب جديد من أسباب تطور ذلك الكيان الاقتصادي.

المساعدات الأمريكية

 كما ذكرنا في نهاية الجزء الثاني من قراءتنا فإن الولايات المتحدة كانت من أوائل الدول التي ساعدت الكيان الصهيوني عقب الإعلان عن قيامه  في 48. فمن خلال بنك الاستيراد والتصدير قدمت أمريكا قرضا للكيان الصهيونى يبلغ 135 مليون دولار في عام1949، وفي الفترة بين 49 و53، بلغت قيمة المساعدات الرسمية 70 مليون دولار سنويا بالإضافة إلى مواد غذائية بلغت قيمتها 20 مليون دولار سنويا، وتقدر قيمة المساعدات التي قدمتها أمريكا عام 52 على سبيل المثال بما يوازي 93% من قيمة المساعدات التي قدمتها أمريكا لبلدان الشرق الأوسط.

اقرأ أيضا:

ويشير أحمد النجار إلى أن المنح والمساعدات الأمريكية لم تقابل أي أزمات أو توقفات في تاريخها سوى عام 1953، حين قام الرئيس الأمريكي أيزنهاور بوقفها بعد قيام الكيان الصهيونى ببناء قناة لتحويل مياه نهر الأردن إلى فلسطين، فقد تعرّض ايزنهاور لحرج دولي بسبب عدم علمه بخطط الكيان الصهيونى قبل القيام بشق القناة، بالإضافة إلى قيام الكيان بعمل عدواني على الأراضي المصرية وقتل 22 شخصا، دون الرد على الاحتجاج الذي أرسلته أمريكا في ذلك الوقت، خاصة أن العلاقات الأمريكية المصرية في ذلك الوقت كانت على ما يرام. ولم يتم تعليق قرار وقف المساعدات إلا بعد توقف الكيان عن شق القناة، وإلغاء المشروع من الأساس. لكن الكيان الصهيوني أقام مشروعات بديلة، سواء في عام 1956، أو بعد استيلاء العدو الصهيونى على أراض جديدة بعد 67.

Related image

 أيزنهاور

أما عن حجم المساعدات فظل الأعلى بين جميع المساعدات والمنح المقدمة من أمريكا، ولم تشهد انخفاضا سوى في عهد جون كيندي، وكان ذلك مرتبطا بنظرة كيندي للصراع في الشرق الأوسط، ومحاولته إيجاد توازن بين بلدان المنطقة دون إخلال بمكانة الكيان لدى أمريكا بالطبع، وباغتيال كيندي وتولي جونسون عادت أرقام المساعدات للارتفاع، لتصل إلي 71 مليون بعد أن كانت 40 مليون في عام 65، و126 في 66 منها 90مليون قروض عسكرية قبل شهور من حرب 67.

جونسون                                         كينيدي

وبقى أن نقول أنه في 2018 بلغت المساعدات الأمريكية للكيان الصهيونى 3800 مليون دولار.

يقدم النجار أيضا عرضا سريعا لكيفية تأثير تلك المساعدات فى ارتفاع دخل الفرد داخل الكيان الصهيونى، وكيف استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة المساعدات والمميزات الاقتصادية المختلفة في التأثير على القرار الداخلي خلال الانتخابات المتعاقبة وتفضيل اختيار حزب على آخر في بعض الأحيان.

 معونات ألمانية وجباية صهيونية

حاولت الوكالة الصهيونية منذ بدايتها الاستفادة من مزاعم الاضطهاد الذي عانى منه اليهود في الأوقات السابقة على تكوينها، بالإضافة إلى أنها قدمت فكرتها كحل للحكومات في أوربا لأزمة اليهود المصطنعة في ذلك الوقت، وكان من ضمن البلدان ألمانيا سواء بداية من أواخر القرن التاسع عشر في عهد فيلهام الثاني وحتى الحرب العالمية الثانية.
وبنهاية  تلك الحرب طلبت الوكالة الصهيونية، عبر مجلس المطالبات اليهودية، من الحكومة الألمانية الغربية باعتبارها وريثة للنظام النازي، تقديم تعويضات عن الضحايا اليهود اللذين سقطوا على يد النازية، وبالفعل قامت الحكومة الألمانية بإبرام معاهدة مع الكيان الصهيوني الذي قدم نفسه كممثل لكل يهود العالم «معاهدة بروكسل» في سبتمبر عام 1953، وتعهدت بدفع 3450 مليون مارك، 80% من تلك الأموال تسدد في صورة آلات ومعدات، بالإضافة إلى 60 قطعة بحرية، وبحلول 1965 كان قد تم الوفاء باتفاقية بروكسل واستئناف العلاقات بين ألمانيا والكيان الصهيوني، كل ذلك كان بجانب تعويضات فردية ستظل ألمانيا تدفعها للكيان وأفراد بداخله حتى عام 2030 طبقا لما قاله وزير الخارجية الألماني كلاوس كلينكل، في عام 1999، ويجب أن نشير إلى أن تلك التعويضات كانت هي مصدر المساعدة الخارجية الأول حتى نهاية الستينات لتحل المساعدات الأمريكية مكانها.

Related image

بجانب المساعدات الأمريكية والتعويضات الألمانية، يشير النجار في كتابه إلى ما أطلق عليه «الجباية اليهودية» والتي قسمها إلى تبرعات اليهود وحصيلة بيع سندات الخزانة لدى الكيان الصيهوني خارجيا، باعتبارها من أهم مصادر المساعدات التي تلقاها الكيان في الفترة التي تلت تأسيسه وما لازمها من دعاية هستيرية حول ضرورة دعم الكيان الجديد أمام جيرانه، منذ عام 1950 وحتى 1980، بلغت التبرعات 4595 مليون دولار، وبلغت مبيعات السندات ضعيفة العائد 4040 مليون دولار، وخلال النصف الأول من القرن العشرين تلقى الكيان ما يقرب من مليار دولار تحت بند التبرعات، وظلت التبرعات عند مستوى الـ200 مليون دولار حتى موجة الهجرة الواسعة في 1990، حيث تلقى الكيان لاستيعاب المهاجرين الجدد ما يقرب من 350 مليون دولار بالإضافة إلى 1228 مليون دولار في 1991، وبلغت مبيعات السندات في النصف الأول من الثمانينات 150 مليون دولار، وإجمالا لكل الأرقام المعلنة فإن حصيلة التبرعات ومبيعات السندات منذ 1950 وحتى 1994 بلغت 19368 مليون دولار، ومنذ عام 1995 وحتى 2017 تلقى الكيان ما يقرب من 17 مليار دولار تحت بند المساعدات اليهودية العالمية.

اقرأ أيضا:

ويشير النجار في نهاية هذا الفصل، إلى أن الكيان تلقى منذ تأسيسه وحتى الآن ما يقرب من 252.8 مليار دولار من المصادر الثلاث السابق ذكرها «الأمريكية والألمانية والتبرعات» وذلك بحساب قيمة الأموال في حينها وهو ما يجعلها ترتفع إلى ما يوازي 1000 مليار دولار على الأقل بحساب قيمة الدولار في الوقت الحالي.

Related image

بداية التطور الاقتصادي

يخصص أحمد النجار الفصل الثالث من كتابه لتوضيح كيفية تطور اقتصاد الكيان الصهيوني ليصبح على ما هو عليه الآن من تقدم، وكيف سعى الكيان لفرض هيمنة اقتصادية إقليمية.

ويرى أن الاقتصاد الصهيوني تحكمت فيه سياسات اقتصادية منذ تأسيسه حتى بداية التسعينات، تعتمد على التخطيط المركزي وسيطرة الدولة على الجزء الأعظم من النشاط الاقتصادي. ويضرب النجار مثالا على ذلك بالبرنامج الاقتصادي الذي قدمته الحكومة داخل الكيان في عام 1949، والذي تضمن تأميم الموارد العامة والمياه والخدمات التي تضمن حماية الكيان، وبناء عليه قامت الحكومة بتأسيس العديد من الشركات لاستغلال الموارد الطبيعية في صحراء النقب وتأميم شركتي الكهرباء والبوتاس من القطاع الخاص، وظل «الهستدروت»- اتحاد العمال، مالكا لشركة المياه، ويعتبر النموذج الاقتصادي للدولة في ذلك الوقت -رأسمالية الدولة- مماثلا لما كان متبعا في مصر والعديد من دول ذلك العصر.

ويقول النجار إن الاقتصاد الصهيوني شهد بعض الاتجاه نحو التحرر، بعد إبرام اتفاقية «كامب ديفيد»، وبالتالي تراجع اقتصاد الحرب، وترافق ذلك مع وصول رونالد ريجان لسدة الحكم في أمريكا وتاتشر في انجلترا، وسيطرة الأفكار النيوليبرالية عالميا والضغوط التي قام بها صندوق النقد والبنك الدولي على الدول النامية لتخفيف سيطرة الدولة على الاقتصاد، لكن ذلك الاتجاه أدى إلى العديد من الأزمات الاقتصادية داخل الكيان في منتصف الثمانينات ولم يدخل الاقتصاد في الاستقرار إلا بمساعدات أمريكية وبعض الاجراءات المالية بالداخل.

تاتشر                                                        ريجان

إجمالا وبجانب المساعدات التي قام عليها الكيان الصهيوني، كانت لدى الإدارات الأمريكية المتتابعة العديد من الخطط والخطوات لدفع ذلك الاقتصاد فقير الموارد للأمام باستخدام تلك المساعدات سواء لاستيعاب مهاجرين جدد، أو لخلق أفضلية واضحة على الدول المجاورة.

وسنحاول في الجزء القادم من قراءتنا لكتاب «الاقتصاد الصهيوني والاقتصاد الفلسطيني» استعراض ما كتبه النجار حول سبل ذلك التطور وكيف حاول الكيان الصهيوني فرض هيمنته الإقليمية، وكيف كان الاقتصاد الفلسطيني – في المقابل -يفقد كل سبل تطوره المرهون بالاستقلال في المقام الأول.

(يتبع)

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: