منوعات

العُقلاءُ الأوائل(3): أبو الهُذيل العلّاف.. أستاذ «التنظير» في مدرسة المعتزلة

يعرّف الفارابي علم الكلام بأنه «صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة الّتي صرح بها واضع الملّة، وتزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل».. فلم يكن ظهور هذا العلم – إذن – ترفًا فكريًّا، بل كان ضرورة فرضها الواقع المتطوّر، وكان للمعتزلة السبق في ابتكار هذا العلم الذي يُعدّ في منظورهم كأنه «فلسفة خاصة» لا يستخدمونها فقط في الرد على الفِرَق غير الإسلامية؛ كالثنوية والمجبرة، بل لعقلنة النصوص، وبناء منهجية بحثية جديدة تقوم على العقل والنقد والشك، بحيث يمكننا القول بأن بداية نشأة علم الكلام هي نفسها بداية نشأة المعتزلة.

إنّ المتكلم ينطلق في تنظيراته من اتخاذ العقائد الدينية كقضايا ثابتة مسلَّمٍ بها، ثم يعمل على إثباتها، والذبّ عنها ضد المخالفين، بواسطة الجدل وإيراد الحُجج وانتهاج المنطق. وتدور أهم قضايا علم الكلام حول ذات الله وصفاته وأفعاله؛ لذلك يُسمى هذا العلم أيضا بعلم «التوحيد والصفات»، وعلم «أصول الدين»، وهو بهذا يختلف عن الفلسفة، فالفلسفة تعتمد كليا على العقل وعلى الأدلة العقلية، أما علم الكلام فهو يروم التوفيق بين العقل والنقل.

اقرأ أيضا:

المنظر الفكري المعتزلة

بعد وفاة مؤسّسيْ تيار الاعتزال، واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، لم ترَ مدينة البصرة شيخًا متكلّمًا أقوى من أبي الهذيل العلّاف (135هـ – 235هـ)؛ فقد كان «شيخ البصريين في الاعتزال، ومن أكبر علمائهم، وهو صاحب مقالات في مذهبهم، ومجالس ومناظرات» (ابن النديم، الفهرست، ص 251)، كما كان «مقدّم الطائفة، ومقرّر الطريقة، والمُناظِر عليها». وكما أن الناس عيالٌ في الفقه على أبي حنيفة ،فهم أيضا عيالٌ في الكلام على العلاف، وكل هذا لم يأتِ من فراغ؛ فأبو الهذيل العلّاف هو الذي قعّد الأصول الخمسة التي امتاز بها المعتزلة: (التوحيد، العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فكانت دستورًا لهم، ومبادئ حاكمة لمذهبهم، وإطارا عاما  للنظرية المعرفية الجديدة التي توصّلوا إليها في حقل الفكر الإسلامي. فكما كان لهم السبق في ابتكار علم الكلام، كان لهم السبق كذلك في تطويره. وكان للعلّاف – تحديدا – الريادة في ذلك التطوير، إذْ على يديه بدأت مرحلة جديدة من مراحل علم الكلام، فاختلطت مسائلُه بالفلسفة اليونانية ومنطق أرسـطو، اللذيْن تُرجِما وعُرفا في الأوساط الثقافية الإسلامية مع ازدهار حركة الترجمة خصوصا في عهد الخليفة المأمون. فالعلاف كان «نقطة التحول الكبرى من المذهب المعتزلي الأول الساذج، إلى المذهب المعتزلي الفلسفي القائم على أُسس منهجية» (علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، 1/ 444)؛ لذلك يمكننا القول إنه إذا كان الفضل في تأسيس مذهب الاعتزال يرجع إلى واصل بن عطاء وصديقه عمرو بن عبيد، فإن التنظير لهذا المذهب العقلاني، والمنافحة عن أصوله الخمسة يرجع إلى أبي الهذيل العلّاف.

الفلسفات اليونانية والشرقية

كانت حركة الترجمة والاتصال الثقافي بين المسلمين والغرب قد ازدهرت في عهد بني أمية، أي في العهد الأوّل من الإسلام، وقد قرّب الأمويون شخصيات مسيحيّة كـ«يوحنا الدّمشقي» الذي رفعته الكنيسة إلى مرتبة القديسين، وقد كان يرى أن الإسلام عقيدة فلسفيّة ينبغي الردُّ عليها فلسفيا (أنتوني بلاك، الغرب والإسلام، ترجمة: فؤاد عبد المطلب، ص 20)، وهو ما أثّر بدوره في ازدهار علم الكلام في المحيط الإسلامي، الذي بدأ بعد ذلك في اتخاذ طريق جديد يختلف عن الطريق الأول الذي ظهرت بوادره وإشاراته الأولى في أعقاب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان سنة 35 هـ، وما نجم بعده من انقسام مذهبي وعقدي، وصراعات سياسية بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فيما عُرف في الأدبيات الإسلامية باسم «الفتنة الكبرى». أي أن تأثير اللاهوت المسيحي يقف جنبا إلى جنب مع تأثير تلك الصراعات السياسية، وإن لم يكن بالدرجة نفسها، لكنه على أي حال موجود وفاعِل ومؤثر، وإن أنكره كثيرون مثل المفكر محمد عابد الجابري الذى ينفي وجود أي تأثير للفلسفة اليونانية على فكر المعتزلة، أو حتى وجود علاقة بينهما، فهو يرى أن أبا الهذيل العلاف، ومَن جاء بعده، قد «استعملوا خطابًا ابتدعوا كثيرًا من مفاهيمه من خلال الاحتكاك مع خصومهم من المانوية والفرق غير الإسلامية، أما دعوى بعض القدماء والمحدثين بكونهم تأثروا بالفلاسفة، خصوصا أرسطو، فهي محض تخمين، والواقع أنهم قد قاوموا بشراسة المبدأيْن اللذيْن يقوم عليهما الفكر الفلسفي اليوناني: مبدأ «لا شيء من لا شيء»، (ويعني أن العالم قديم غير مُحدَث ولا مخلوق)، ومبدأ «الطبع والطبيعة» الذي لا يعترف بتدخل الإرادة الإلهية فيما يحصل في العالم من تأثير بعض الظواهر في بعض».

وقد حاول الجابري إثبات صحة فرضيته تلك بأن أبا الهذيل العلاف كان معاصرًا لأبي يوسف الكندي (أول فيلسوف في الإسلام)، ومع ذلك فإنه لا شيء كان يجمع بينهما؛ فالكندي أكد على ثوابت الدين الإسلامي، مثل فكرة الخلق وحدوث العالم، وعلى أن كل ما جاء به الرسول لا يخالف العقل إذا اعتُمِد التأويل الذي لا يتجاوز حدود «التجوز» أو المجاز لدى العرب الذين خاطبهم القرآن، لذلك لا نجد أي أثر لـ«فيلسوف العرب» (الكندي) في خطاب المعتزلة، لا على صعيد المضمون ولا على صعيد المصطلح، «لقد أنشأ هذا الجيل الجديد من المتكلمين خطابًا خاصًّا بهم، واعتمد مفاهيم ومصطلحات ابتكروها داخل حقلهم الكلامي، بعيدًا عن المصطلح الفلسفي، فقد كانت هناك بين الطرفين مسافة كبيرة تفصل بينهما أفقيًّا وليس عموديًّا. والواقع أنه لم يحدث الالتقاء بين الكلام والفلسفة إلا في القرن الخامس الهجري مع الإمام «أبي حامد الغزالي» كما يقول الجابري.

 ونحن لا نوافق الجابري على فرضيته تلك؛ إذ أن المتواتر أنّ أبا الهذيل العلاف كان يختلف كثيرا إلى قصر الخليفة المأمون في بغداد إبان ازدهار حركة الترجمة، فيُناظِر الخصوم والمجادلين، ويختلط بالمترجمين، ويشارك في المداولات الفكرية والقضايا المثارَة وقتذاك، وهو أمر ذكره الأشاعرة والمعتزلة على السواء، فكما أكد الأشعري أن العلاف أخذ رأيه في الصفات الإلهية عن أرسطـو، وتابَعه الشهرستاني (548هـ) مقرِّرًا أن العلاف اقتبس آراءه في نفي الصفات الإلهية من الفلاسفة، فقد أكد أحمد بن المرتضى كذلك، أنه كان يدرس كتبا لأرسطـو، ما يعني ذيوع الأمر بين المتكلمين، ولا سيما عند مقارنة بعض آراء العلاف، بآراء أرسطو أو أفلاطون أو غيرهما من فلاسفة اليونان. لكن الشيء الذي ينبغي أن ننبّه إليه هو أن تأثيرالفلسفة اليونانية، أو حتى المسيحية أو الهندية، لم تكن طاغية في فكر ومذهب العلاف، بحيث لا يمكننا أن نقول إنه نقل طائفة من تلك الفلسفة فجعلها أصلا لمذهبه، بل إنه استقى منها ما كان يراه مفيدا للفكرة التي يريد تأصيلها، خصوصا في مدينة متعددة الثقافات والأجناس والنحل كمدينة البصرة، ما يستلزم معه ضرورة امتلاك قاعدة فلسفية تقف جنبا إلى جنب مع القاعدة اللغوية والبلاغية.، لذلك لم يجد أبو الهذيل العلّاف بُدًّا من تطعيم علم الكلام بالفلسفة، لمواجهة المذاهب والفِرق التي تغلغلت بأفكارها في المجتمع الإسلامي، لكن من خلال صياغة إسلامية بحتة، لم تتبلور – بالطبع – كي تكون فلسفة خالصة.

أرسطو

آراء العلّاف.. الصادمة

لا أغالي إذا قلتُ بأن أفكار وآراء العلاف، خصوصا في مسألتيْ الصفات الإلهية والمباحث الطبيعية، أو مسألة العلاقة بين الله والطبيعة، كانت تمثل صدمة كبرى للوعي الجمعي آنذاك، بمن فيهم الطبقة المثقفة نفسها، لا سيما أنها جاءت مطعَّمة بفلسفة أرسطو وأفلاطون وأفلوطين، لكن بصياغة عربية وطابع إسلامي قُحّ، وهو ما جعل العلاف يبدو في نظر أهل النص مبتدعا مارقا، حتى إن عبد القاهر البغدادي «يحمد الله الذي أنقذ أهل السنة من هذه البدع التي حُكيَت عنه» (الفرق بين الفِرَق، ص 130)، وهو ما يعكس العمق الفلسفي لأفكار الرجل، والذي لم تقبله القريحة التقليدية آنذاك، بل إن قريحة بعض المعتزلة أنفسهم لم تستطع قبول كثير من آرائه.

ولعل أهم ما يميز منهج العلاف هو (الشك)؛ فقد اعتقد بنسبية المعرفة، وضرورة الاستيثاق من النصوص المنقولة، وَفق شروط معينة، بخلاف أبحاثه وآرائه الطريفة في علاقة الله بالطبيعة، الأمر الذي يجعل من ظهوره باكورة التفكير الفلسفي في الإسلام، دون انفصال عن مرجعية علم الكلام، وقد اعترف الخليفة المأمون بفضله، إذ أنشد قائلا:

أظـلّ أبو الهذيل على الكلام      كإظلال الغـمام على الأنـام

اقرأ أيضا:

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق