منوعات

الهلباوي.. عقدة «جلاد دنشواي» تلاحق محامي الحركة الوطنية حتى قبره

اشتهر بـ«محامي الظروف المخففة»، الذي يستطيع أن يلتمس العذر للمتهم المدان وينقذه ببراعته وقوة منطقه مما ارتكبت يداه، لكنه على الرغم من ذلك ظل يترافع في قضيته أمام الشعب المصري طيلة ثلاثين عاما، لكنه «لم ينجح في التماس العذر لنفسه، لأن ذنبه كان مما لا تصلح معه ظروف مخففة»!

تجرع المحامي إبراهيم الهلباوي (1858-1940) أول نقيب للمحامين في مصر «العذاب علقما وصبه كأسا بعد كأس.. سنين طويلة تكاد تكون هي عمره كله»، بحسب ما روى الأديب الكبير يحيى حقي، فالرجل ظل مطاردا بلعنة الإدعاء على الفلاحين في حادث دنشواي، حتى وفاته، حاول تبرير موقفه مرات، واستغفر عن ذنبه للجماعة الوطنية حتى صار جزءا منها، إلا أن تلك السيئة ظلت عالقة به واقترنت باسمه.

يسقط جلاد دنشواي

يقول يحيى حقي: «حضرته- أى الهلباوى- يخطب في سرادق ضخم ازدحم فيه أنصار حزب الأحرار الدستوريين من أجل تخليص البلاد من يد المحتلين، وقوبل خطابه بالهتاف والتصفيق، وامتلأ الرجل ثقة وزهوًا وظن أن الدنيا قد صالحته، ولكنه لم يكد يفرغ من خطابه حتى ارتفع صوت في آخر السرادق يهتف «يسقط جلاد دنشواى».

كتب مذكراته في محاولة لمحو الصورة التي حفرت له في ذاكرة الشعب المصري بسبب «دنشواي»، دافع عن نفسه مبررا مرافعته ضد الفلاحين قائلا: «ترافعت بما أملاه على الواجب، دون أن أتجاوز بكلمة واحدة، بل ربما استطيع أن أعترف بأن شعوري بوطنيتي وصل بي إلى حد لا يتفق مع واجبي».

لكن للشعوب حكمها الخاص في القضايا المهمة التي تمثل علامات بارزة في تاريخها، «قد تمحو مئات السيئات بسبب حسنة واحدة، وقد تمحو مئات الحسنات بسبب سيئة واحدة، وكانت حالة الهلباوي من الحالات الأخيرة»، هكذا يقول الدكتور عبد العظيم رمضان الرئيس السابق للجنة المشرفة على مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر في مقدمة تلك المذكرات.

د. عبد العظيم رمضان

ويضيف رمضان في مقدمة «مذكرات إبراهيم الهلباوي» الصادرة عن دار الكتب المصرية عام 1995: من المحقق أن الهلباوي وطني مصري كفر عن سيئة دنشواي بمئات من الحسنات، بل من الغريب حقا أن الوطنيين المصريين تعاملوا معه على هذا الأساس، وليس على أساس موقفه من دنشواي، فلم يستبعدوه من الصف الوطني ويعتبروه في صف الاحتلال، وإنما تعاملوا معه بصفته الوطنية.

في رحاب الأفغاني

أما الدكتور عصام ضياء الدين محقق مذكرات الهلباوي فيرى أن شخصيته محيرة سواء في عالم السياسة أو في عالم المحاماة، «هو ظاهرة فريدة تستحق الوقوف عندها، إذ خاض غمار السياسة المصرية فشارك القيادات والزعامات المصرية منذ فجر الحركة الوطنية ولو أن الأقدار لم تنصفه على مستوى القيادة».

تتلمذ الهلباوي نحو 3 سنوات على يد جمال الدين الأفغاني، وهو ما زاده جرأة وقوة في الدفاع عن الحق وكان لذلك أبلغ التأثير في تكوينه، «جاء أول صدام مع الإدارة الحكومية السيئة في مديرية الغربية وعمد إلى الهجوم عليها في جريدة التجارة  التي أنشأها أديب إسحق وسليم النقاش بإيعاز من الأفغاني».

أُقتيد الهلباوي جراء ذلك إلى السجن، ومثل أمام مصطفى رياض باشا كبير النظار وناظر الداخلية، للتحقيق معه فاتهمه بالتأثر بآراء الأفغاني الداعية إلى الاستخفاف بأنظمة الحكم وعدم المبالاة بهيبتها وهيبة موظفيها، وجاء رد الهلباوي قويا مؤكدا على أن «منع الظلم حق عام وواجب في عنق كل إنسان».

فى بداية 1870 كان قد مضى على الهلباوي أربع سنوات يدرس فى الأزهر، عندما جاء  إلى  مصر رجل غريب يدعى جمال الدين الأفغانى «كان موزع ثورات وناشر قلاقل، ومفكرًا مقلقًا للذين يحكمون»، يحكي الأستاذ صلاح عيسى عن بداية علاقة الهلباوي بالأفغاني في كتابه «حكايات من دفتر الوطن».فيقول :

فى قهوة متاتيا بميدان العتبة حيث تعود أن يجلس الأفغاني، وفى منزله حيث تعود أن يلتقى بتلاميذه، تعرف عليه الهلباوى، كان الأفغانى قد ساح سياحته الطويلة فى بلاد المسلمين، يتحدث عن الثورة، التى يحلم بها ضد الإستعمار الأوروبى، وعن الاحتجاج الذى لابد أن يشمل علماء المسلمين فيخرجهم من التبعية الآلية للسلف صالحًا كان أو طالحا، ويسمح لهم باستخدام عقولهم، لتفسير الدين تفسيرًا يخدم الحياة، ويفيد فى بناء دولة إسلامية قوية، يكمل عيسى.

وفى الأزهر – ثم فى قهوة متاتيا وفى منزله– التقى الأفغانى بالرجال الذين أصبحوا فيما بعد، أخلص تلاميذه، والذين أثروا فى تاريخ مصر كما لم يؤثر جيل آخر –التقى بمحمد عبده وعبد الله النديم وسعد زغلول وعشرات غيرهم من مثقفى الجيل-، وكان أصغر هؤلاء جميعًا هو إبراهيم الهلباوى.

تمر سنوات والهلباوى يتعلم من الأفغانى كل ما يدعو إليه، فينبهر بالمنطق الجديد الذى جاء به، لقد حلل الشيخ الفلسفة وكانت حرامًا على أعمدة الأزهر، وتحدث فى السياسة وتنظيم الأمم والشورى.

 

في مواجهة ناظر النظار

أحال رياض باشا الهلباوي إلى التحقيق على خلفية مقال «التجارة»، فحقق معه عالم أزهري تمهيدا لمعاقبته، فبدأ العالم المحقق كلامه بتهديد الشيخ الناشئ، قائلًا: إن ناظر النظار سيخرب بيتك إن لم تكف عن الحملة عليه.. فضحك إبراهيم وأجاب ساخرًا: إنه لا يستطيع، فعجب المحقق وقال: كيف لا يستطيع وهو ناظر النظار والحكومة كلها في يديه؟

قال الهلباوي: «وليكن ناظر النظار، أو أكبر من ناظر النظار، ليكن أمير البلاد، ليكن خاقان البرين والبحرين، بل ليكن الله جل جلاله، فإنه لا يستطيع أن يخرب لي بيتًا»، ففزع المحقق، وخيل إليه أن المسألة تنتقل من التمرد والعصيان إلى الكفر بالله!.. فصاح بالشيخ الناشئ: أهذا الذي تعلمتموه من الأفغاني؟!، فرد الهلباوي: بل هذا الذي تعلمناه منكم قبل أن نتعلمه من جمال الدين!.. فقال الرجل: أعلَّمناكم نحن الكفر؟.. قال الفتى المتحذلق: بل علمتمونا أن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيل، وخراب بيتي مستحيل؛ لسبب واحد، وهو أنه ليس لي بيت!

ويخرج الأديب عباس محمود العقاد من الرواية التي أوردها في كتابه «رجال عرفتهم» بأن الهلباوي الذي عرفه الناس طوال حياته، يمكنك أن تلخصه في عبارة واحدة، وهي أنه كان له «ذلاقة لسان، لا تطيق نفسها، ولا تريح صاحبها».

ولا لسان الهلباوي!

ويضيف العقاد: كان الهلباوي أشهر المحامين بين الفلاحين بلا استثناء، وكان من آيات شهرته أنها دخلت في النكتة المصرية؛ فكان الذين يساومون القصابين «الجزارين» في شراء لسان الذبيحة يقولون إذا اشتط عليهم القصاب في الثمن: والله ولا لسان الهلباوي!

ووصف العقاد الهلباوي بأنه نابغة من نوابغ عصره «كان يسلم من كثير مما يؤخذ عليه، لولا تلك الحيوية التي أقلقته وباعدت بينه وبين الصبر والاستقرار».

ويسترسل ضياء الدين محقق مذكرات الهلباوي أن بطل تلك المذكرات سرعان ما برع في عالم المحاماة مع الإصلاح القضائي المصري، إذا انخرط مبكرا في سلك المحاماة أمام المحاكم الأهلية عام 1889، فكان يعد من جيل الرواد الأوئل، وتمرس في هذا الميدان وأصبحت المحاماة عنده موهبة حتى ليندر في تاريخ المحاماة أن يظفر محام بهذا القدر من القضايا ولاسيما تلك التي شغلت الرأي العام.

في عام 1912م استكملت نقابة المحامين وجودها القانونى، وكان اتجاه المحامين هو اختيار عبدالعزيز باشا فهمى لمنصب «النقيب»، ولم يكد الدكتور محمد حسين هيكل يفاتح فهمى باشا فى أحقية الهلباوى بهذا المنصب حتى بادر فهمي بالموافقة قائلا: «أستاذنا وشيخنا»، وتحول فهمى من المرشح المختار إلى داعية لانتخاب الهلباوى الذى صار أول نقيب للمحامين بمصر في أول نوفمبر من ذات العام، وذلك على الرغم مما خلفته آثار اشتراكه في المرافعة ضد الفلاحين في «دنشواي».

في تبرير خطيئة العمر

ويشير ضياء الدين إلى أن الهلباوي حاول جاهدا تبرئة ساحته من جراء قبول الدعوى العمومية ضد الفلاحين تارة بأن الحكومة اختارته لأنه أكبر المحامين الموجودين سنا وأقدمية، وذلك مردود عليه، إذ أن قانون المحكمة المخصوصة ليس فيه نص ملزم، إنما ينص على أن «يختار البوليس محاميا لإثبات التهمة»، ومن ثم يتدارك الهلباوي فيقول إن الإنذار السري البريطاني لمصر الرسمية من بين شروطه أن يجلس على كرسي الادعاء أكبر محام في مصر.

وتارة يحاول الهلباوي أن يخفف عن نفسه وطأة التورط بما أسداه من خدمة لعدد من الفلاحين حينما قال أنه أعتق مقدما 15 متهما من طلب عقوبة الإعدام حسبما طلب قاضي الإحالة، وتارة أخرى يقول بأن شعوره بوطنيته بلغ إلى حد لا يتفق مع واجبه، حينما دعا إلى لقائه المحامين عن المتهمين قبيل مرافعته وعلى رأسهم أحمد لطفي السيد، وأطلعهم على أركان دعواه حتى لا يفاجأوا في الجلسة بذلك، وتارة ثالثة يسوق حديثا جرى بينه وبين بطرس غالي في أعقاب الحكم يبدي فيه شديد ألمه على ما أصاب المتهمين من أحكام.

أحمد لطفي السيد

والأدهى من ذلك كله، بحسب ضياء الدين، أن الهلباوي حاول مهاجمة الشيخ عبد العزيز جاويش رئيس تحرير «اللواء» في سياق دفاعه عن نفسه في «دنشواي»، ويوضح أن الخصومة تولدت بينه وبين عائلة الشيخ جاويش لوقوفه للدفاع عن خصمهم في قضية مضاربة، مما حدا بجاويش لأن يفتح النيران عليه في «اللواء» حينما وصفه بأنه «جلاد دنشواي» لكونه كسب قضية ضد إخوته، لكن الواقع أن الهلباوي قد جانبه الصواب إذ أن الذي أطلق عليه هذه الصفة الشاعر حافظ إبراهيم حينما قال:

إيه يا مدرة القضاء ويا من ساد في غفلة الزمان وشادا

أنت «جلادنا» فلا تنسى أننا قد لبسنا على يديك الحديدا

كان إبراهيم قد كتب هذه الكلمات في يوليو 1906، بيمنا الشيخ جاويش كتب مقاله في «اللواء» عام 1908.

بعد محاكمة دنشواي حصل كل من بطرس غالي وفتحي زغلول – شقيق سعد زغلول- وعضو المحكمة على المقابل لاشتراكهما في تلك المحاكمة، فالأول صار كبيرا للنظار والثاني ترقى إلى وكيل نظارة الحقانية بعد أن كان رئيسا لمحكمة القاهرة الابتدائية الأهلية، وذلك على الرغم مما اشتهر به من الارتشاء وسوء السلوك، إلا أن الهلباوي كان بوسعه التعيين مستشارا لمحكمة الاستئناف، بل واتخذ إجراءات تصفية مكتبه الخاص، لكنه عزف عن منصب القضاء.

 براءة أحمد حلمي

ظل الهلباوي يعاني عقدة «دنشواي» وحاول جاهدا إزالة آثار تورطه في تلك المحاكمة، ففي عام 1909 وقف في صف الوطنيين إبان التظاهر ضد قانون المطبوعات المكبل لحرية الصحافة، إذ طلب المقبوض عليهم بقيادة أحمد حلمي صاحب ورئيس تحرير جريدة «القطر المصري» أن يتولى الدفاع عنهم، مع أنهم سبق لهم التظاهر ضد موقفه في دنشواي.

Related image

أحمد حلمي

ومن المفارقات في تلك القضية أن الصحفي أحمد حلمي كان هو المفجر الحقيقي لقضية دنشواي إذ جعلها محط أنظار العالم، بعد نشره سلسلة تحقيقات «يا دافع البلاء» في جريدة اللواء، وكان له موقف حاد من الهلباوي.

لم يستجب الهلباوي لطلب بطرس باشا غالي بالتنحي عن الدفاع عن حلمي قائد المظاهرة ضد إعادة العمل بقانون المطبوعات على الرغم من تلويحه بالعفو عن شقيق الهلباوي الذي كان سجينا، ولم يأبه بالضرر الذي يمكن أن يلحق به، لاسيما وأنه منذ عام 1893 كان مستشارا للخاصة الخديوية إلى جانب كونه مستشارا للأوقاف الخصوصية، وذلك إيمانا منه بأن المحامي من الممكن ألا يخضع في واجبه لمصلحة خاصة حتى ولوكان في ذلك إغضاب لولي الأمر، فرفض التراجع مفضلا الاستقالة واستمر في الدفاع عن المتظاهرين في قضية قانون المطبوعات حتى حصلوا على البراءة.

فتح الوطنيون بذلك مع الهلباوي صفحة جديدة فاستعانوا به للدفاع عنهم في القضايا السياسية ابتداء من حادث مقتل بطرس غالي في 20 فبراير 1910، وصولا إلى الدفاع عن المتهمين بقتل السردار السير لي ستاك عام 1924.

مع الورداني قاتل غالي

حرص إبراهيم الورداني قاتل بطرس غالي أن يكون الهلباوي محاميا عنه وطلب ذلك رسيما بشرط أن ينتقد مسألة دنشواي، وكانت تلك فرصة مواتية للهلباوي أن يصالح الحركة الوطنية فهاجم المحكمة المخصوصة التي عقدت للنظر في حادث دنشواي، واعترف بأنه نال من الغضب ما نال غيره ممن اشترك فيها.

كان الورداني من أبرز شباب الحزب الوطنى، وبرر جريمته بأن غالي رجل «خائن لوطنه وسياساته أضرت البلاد، فالرجل «أبرم اتفاقية السودان سنة 1899 مع الاحتلال الإنجليزى التي أعطت لإنجلترا حق مشاركة مصر فى حكم السودان، وترأس محكمة دنشواى، فضلا عن إعادته العمل بقانون المطبوعات في 25 مارس 1909، إضافة إلى محاولته مد امتياز قناة السويس لتبقى تحت السيطرة الأجنبية إلى عام 1968».

إبراهيم الورداني

التقى الهلباوي بالورداني عدة مرات أثناء نظر القضية، وكون فيه رأيا كتبه في مذكراته «من نوادر الشباب الممتلئين تحمسًا واستعدادًا للتضحية فى سبيل خدمة وطنهم والعمل على تحريره بأية طريقة ممكنة»، وذكر أنه سأله عن سبب عدم فراره ليتخلص من الخطر، عقب إطلاقه النار على بطرس باشا، وكان ذلك ممكنا، فأجاب الورداني بأنه فكر فى ذلك فعلا، «لكن ما أسرع ما مرت علىّ فكرة أخرى أوقفتنى، وهى إنى تذكرت أنني إذا فررت من يد القضاء سيجهل الناس سبب الجريمة، وربما تحدثوا بأن القاتل كان ذا غرض شخصى جره إلى ارتكاب جريمته، فيذهب الأثر المطلوب منها مع أنه من أكبر مقاصدى أن يعلم أبناء وطنى أن من بينهم من يضحى بحياته فى خدمة وطنه».

 تحدث الهلباوى في الجلسة ببلاغة نادرة موجها كلامه في المحكمة إلى الورادنى، قائلا له: «إذا أبت روحك السامية أن تعيش مكبلة بالسلاسل، وإذا تعاليت أن تحيا فى السجن حياة قطاع الطرق والأشقياء– لأن هذا هو أبعد حد من الرحمة يجوز لقضاتك أن يأخذوك به- فتقبل الموت بقدم راسخة وجنان ثابت».

ويكمل الهلباوي مرافعته موجها كلامه إلى قاتل غالي قائلا: «الموت آت لا ريب فيه إن لم تلقه اليوم فستلقاه غدًا، اذهب يا ولدى إلى ساحة ربك، حيث العدالة الخالصة المجردة من الزمان والمكان، اذهب فقلوبنا ستكون دائمًا معك، وعيوننا ستسح عليك الدمع مادامت الأرض والسماوات، اذهب فقد يكون فى موتك أبلغ عظة لأمتك منك فى حياتك، فإلى اللقاء يا ولدى.. إلى اللقاء».

في مدرسة الانتخابات

شارك الهلباوي في لجنة وضع دستور 1923، وبعد العمل بالدستور الجديد ترشح في انتخابات مجلس النواب عام 1926 بدعم من سعد زغلول، ونجح في العبور إلى البرلمان، وخاض تحت القبة معارك انتصر فيها لقضايا العدالة والاستقلال والحرية، ثم ترشح في عام 1929 على مقعد بمجلس الشيوخ عن حزب الأحرار لكنه سقط سقوطا كبيرا ومع ذلك ظل يقول إن «الانتخابات مدرسة يعلم فيها الشعب معلميه».

Related image

ولما حلت على مصر كارثة حكومة إسماعيل صدقي باشا التي عطلت الحياة البرلمانية وألغت العمل بدستور 1923 تصدى الهلباوي مع غيره من الوطنيين لتعدي الحكومة الصدقية على الدستور، وأعلن أن ما أقدم عليه صدقي إنما هو «هدم للدستور وهدم لسلطة الامة»، ووصف دستور 1930 بأنه «مهزلة».

دافع الهلباوي عن حرية الصحافة وهاجم ما أراده صدقي من أن تكون حريتها في حدود القانون، و وقد قرر صدقى أن تكون  محاكمة الصحفيين في سرية حتى لا يثير ضده الرأي العام، فكان من الطبيعي أن يصطدم رئيس الوزراء به فوصفه في إحدى خطبه بـ«الرقاص»، فرد عليه الهلباوي ناعتا إياه بـ«الهدام الأعظم الذي جعل البلاد سجنا واحدا».

رحل الهلباوي في 1940 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين، داعيا الله أن يغفر له الشعب خطيئة «دنشواي»، تاركا خلفه مذكرات كشفت أن علاقة الرجل بالحركة الوطنية ورجالها لم تتوقف منذ أن نزح إلى القاهرة قادما من قريته الصغيرة بمديرية البحيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: