رؤى

بين ثورتين.. كيف كان موقف الضباط الأحرار من ثورة 19؟

ثمة يقين لدى كثيرين بأنه لا وجاهة متاحة في دراسة وتحليل ثورتي 1919 و يوليو 1952، باعتبارهما وقائع تضمن العصمة والنزاهة عن الخطأ في المسار أو الاخفاق، في بلوغ بعض النتائج. بيد أن حقائق التاريخ دوماً ما تستقر نحو الأحداث المركزية، باعتبارها موجات لا تعرف التنافر والخصومة، لكنها تطمح للوصول إلى التلاقي والتفاعل والتكامل.

تحتفظ كلتا الثورتين بكامل السمات المحددة للسياق الداخلي المصري، وتطوره عبر سلسلة التطورات والتفاعلات في داخل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي فجرت لحظة اندلاع الفعل الثوري مع تقدير السياق الدولي، الذي غلف الحدثين الكبيرين في تاريخ مصر، وأثّر في تشكيل مسار الحركة الخاص لكل منهما، بتمايز كبير.

ربما، من المهم أن نقرأ ما ورد في أدبيات ثورة 1952؛ ومن بينها، فلسفة الثورة، والميثاق، في إطار ما حددته، بشكل مباشر، وما صاغه، الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، عبر فصولهما، حيث بلور ما سعت إليه الحركات الوطنية، منذ عقود، مثل الاستقلال الوطني وجلاء الإنجليز عن مصر، عسكرياً وسياسياً، واعتبار أن القصر والملك حجر عثرة في تحقيق ذلك. وعليه، جاءت رؤية فلسفة الثورة والميثاق، بأن ثورة 19 لم تستطع أن تنجز حلم الاستقلال.

وقائع مهمة في مسار ثورة 19

لا يمكن التعامل بواقعية مع ثورة 19 باعتبارها ذات مسار واحد، منذ لحظة اندلاع شرارتها الأولى، وحتى لحظة قيام ثورة 52، وإغفال اللحظات البينية ومدى تأثيرها على مسار الثورة، سيما لحظات الإنشقاق الأولى بين زعيم الثورة، سعد زغلول، ورفيقه عدلي يكن، ثم غياب سعد زغلول وأثر وفاته، وما تبعها من فراغ «الرمز»، في العام 1927، وتطورات الأوضاع السياسية فيما بعد، والتي نجم عنها معاهدة العام 1936، وجلوس الملك فاروق على عرش مصر، الذي ورث عن والده كراهية حزب الوفد، فمارس في إطار ذلك كل  السبل والحيل لمواجهة نفوذ وشعبية الوفد، والعمل لحلحلة تمركزه في قيادة الحركة الوطنية.

سعد زغلول                       الملك فاروق                    عدلي يكن

كما أنه من الصعب غض الطرف عن مركزية لحظة إتمام معاهدة 1936، وأثرها الكبير على رؤية قيادات الوفد لمفهوم الاستقلال، وضرورة مواصلة النضال وإدارة الحياة السياسية بين ضغوط وهيمنة الإحتلال، واستبداد القصر، خلال عقود الأربعينات. لكن المتغير الرئيس في الأمر يبدو جلياً مع قول المؤرخ الراحل يونان لبيب رزق، بأن حزب الوفد الذي كان يحتكر وصف حزب الثورة، أضحى فيما بعد معاهدة العام 1936 حزب الثروة.

يونان لبيب رزق

 وقد ساهم حادث الرابع من فبراير 1942، في تشكيل رؤية ووعي رجال يوليو، تجاه حزب الوفد وقياداته، حين قبل مصطفى باشا النحاس أن تأتي حكومته بأوامر المعتمد البريطاني، فضلاً عن إنشقاق مكرم عبيد وتأسيسه لحزب الكتلة الوفدية، ونشره للكتاب الأسود الذي فصّل فيه وقائع فساد طالت النحاس وأسرته، علاوة على انتهاء الحرب العالمية الثانية وما فرضته من تبدلات في مراكز القوة والتأثير الدولي.

مصطفى النحاس                            مكرم عبيد

الوفد من الثورة إلى الثروة

على وقع ذلك كله، التحق بالجيش المصري طيف من الضباط المصريين، من أبناء الطبقة الوسطى، بشرائحها المتباينة، واشتبكوا مع الواقع السياسي بكافة مفرداته وتفاصيله و أحداثه السياسية والوطنية؛ إذ كانوا في غالبيتهم قد التحقوا بعدد من التنظيمات السياسية والأيديولوجية، خلال الأربعينات من القرن الماضي، غير أن سجلات التاريخ وأوراقه لم تدون أن أياً منهم قد مر أو وقع على استمارة حزب الوفد، الذي كانت قبضته،قد لانت منذ النصف الثاني من عقد الثلاثينات، والتزم نهج العمل على هامش وتخوم المساحات الممكنة، بين هيمنة الإنجليز، وديكتاتورية الملك، وحاشيته. ولعل هذا ما يفسر لماذا خاصم أبناء هذا الجيل الذي ولد مع العام 1918 حزب ثورة 19، وذهب بعيداً نحو تنظيمات سياسية وأيديولوجية أخرى، حتى استطاع أن ينظم صفوفه من خلال تنظيم الضباط الاحرار.

الضباط الأحرار وموقفهم من ثورة 19

وعلى خلفية ذلك، نستطيع أن نقرأ بمنظور مختلف ما ورد في فلسفة الثورة والميثاق، اللذين حكما على ثورة 19 «بالفشل»، في اطار هدفي الاستقلال الوطني، والثورة الاجتماعية. ونتوقف هنا عند تلك الفقرة التي جاءت في  كتاب «فلسفة الثورة» والتي تقول: «الصفوف التي تراصت في سنة 1919 تواجه الطغيان، لم تلبث إلا قليلاً حتى شغلها الصراع فيما بينها أفراد وطبقات وكانت النتيجة فشلاً كبيراً، فقد زاد الطغيان بعدها تحكماً فينا، سواء بواسطة قوات الاحتلال السافرة، أو بصنائع الاحتلال المقنعة التي كان يتزعمها في ذلك الوقت السلطان فؤاد، وبعده ابنه فاروق، ولم يحصد الشعب إلا الشكوك في نفسه والكراهية والبغضاء والأحقاد فيما بين أفراده و طبقاته، وشحب الأمل الذي كان ينتظر أن تحققه ثورة 1919».

وفي تعقيب عبد الناصر في «فلسفة الثورة» على الجملة الأخيرة من «الاقتباس»، يوضح أنه عمد إلى استخدام «شحب الأمل» ولم يقصد تلاشيه؛ ذلك لأن قوى المقاومة الطبيعية التي تدفعها الآمال الكبيرة، والتي تراود الشعب، كانت لا تزال تعمل عملها وتستعد لمحاولة جديدة. وكان ذلك هو الحال الذي ساد بعد ثورة 1919، بينما فرض على الجيش أن يكون وحده القوة القادرة على العمل.

كان الموقف يتطلب أن تقوم قوة يقرب بين أفرادها إطار واحد، تنظيمي وسياسي، ويبعد عنهم إلى حد ما صراع الأفراد والطبقات ، وأن تكون هذه القوة من صميم الشعب، متجانسة معه على مستوى الرؤية والمصلحة والأهداف، وأن يكون في استطاعة أفرادها أن يثق بعضهم ببعض، وأن يمتلكوا عناصر القوة المادية، التي تكفل لهم عملاً شريفاً حاسماً، ولم تكن هذه الشروط تنطبق إلا على الجيش.وهكذا لم يكن الجيش – كما قلت – هو الذي حدد دوره في الحوادث، وإنما العكس كان أقرب إلى الصحة، فقد كانت الحوادث و تطوراتها هي التي حددت للجيش دوره في الصراع الكبير لتحرير الوطن.

وفي الميثاق الذي حدد رؤيته لأحداث مصر، خاصة، خلال الفترة التي امتدت منذ منتصف الثلاثينات، وحتى ثورة 1952، وحكمت إطار مفهومه لدور ثورة 1919، وحزب الوفد، وما آلت إليه الأمور نتيجة سيطرة كبار الملاك على قيادة الحزب، يقول عبد الناصر: «قامت الثورة الكبرى سنة 1919 بعد كفاح طويل ضد العدوان الخارجي وضد السيطرة الداخلية.. وقامت الثورة تطالب بالدستور الذي يعلن حق هذا الشعب في الحياة وحق هذا الشعب في الحرية».

بيد أن هذه الثورة فشلت في تحقيق أهدافها في ضوء ثلاثة نقاط اساسية؛ إهمال القيادات الثورية لمطالب التغيير الاجتماعي، نتيجة أن المرحلة التاريخية جعلت من طبقة كبار ملاك الأراضي أساساً للأحزاب السياسية التي قادت الثورة، بالإضافة إلى غياب البعد العربي عن قيادات الثورة، وأخيراً، عدم قدرة قيادات الثورة   على تطوير أساليب نضالها، بحيث تتماشى مع أساليب الاستعمار، وبالتالي، ارتضت باستقلال شكلي لا مضمون له، وحياة حزبية تفرق ولا تجمع، ثم جاءت معاهدة 1936 بمثابة صك الاستسلام للخديعة الكبرى، التي وقعت فيها ثورة 1919، فمقدمة المعاهدة تنص على الاستقلال، بينما صلبها يسلب هذا الاستقلال كل قيمة له وكل معنى.

لكن  ذلك كله لا يستطيع أن ينفي عن حزب الوفد مساندته للكفاح المسلح الذي اندلع ضد قوات الاحتلال أوائل الخمسينات، وصولاً إلى اعلان النحاس باشا إلغاء معاهدة 1936، وقرار حكومة الوفد بسجن أي عامل يعمل في القاعدة البريطانية. وفي غضون ذلك امتنع جميع العمال عن أداء مهامهم، بينما التزمت حكومة الوفد برواتبهم ونقلهم إلى القاهرة ومحال إقامتهم.

ويروي الاستاذ أحمد حمروش في مقال له عن العلاقات بين ثورة يوليو والوفد وسراج الدين، نشره في العام 2000 بجريدة الشرق الأوسط اللندنية، عن رؤية جمال عبدالناصر، حين انبرى رجال الوفد نحو راديكالية الحركة المسلحة ضد الانجليز قائلاً: «هذا الموقف الوفدي المتميز كان موضع تقدير الضباط الأحرار. وأذكر أن جمال عبد الناصر قد انبرى للدفاع عن موقف وأسلوب الحكومة الوفدية ضد قوات الاحتلال في اجتماع عقدته لجنة الضباط الأحرار بالإسكندرية في أبريل 1952».

Image result for ‫الاستاذ أحمد حمروش‬‎

الاستاذ أحمد حمروش

كما أنه يشير في جزء آخر للخلاف الذي انتصبت عليه رؤية الثورتين، حين التقى جمال عبدالناصر بفؤاد سراج الدين، ودار بينهما نقاش في ما يخص الجانب الاجتماعي والاقتصادي للمواطن المصري، وخاصة طبقة الفلاحين، بعدما شرع رجال يوليو بإصدار قانون الاصلاح الزراعي، وفي ذلك يقول حمروش: «وبعد انتصار الثورة عُقد أكثر من لقاء بين فؤاد سراج الدين وجمال عبد الناصر دار فيها حوار حول قانون الاصلاح الزراعي. واختلفت وجهات النظر، فقد كان سراج الدين يفضّل عدم مصادرة الأرض ويرجح كفة الضريبة التصاعدية. وكانت قيادة الثورة ترى في تحديد الملكية تحريراً للفلاح من سيطرة الاقطاع».

لا تسعى تلك السطور لمنح ثورة 52 صك التميز، ولا تهدف إلى تصفية دور ثورة 1919، ولكن تهدف بشكل رئيس، لتقديم قراءة دقيقة لمسارات الأحداث المركزية، وتعقب تشكيلها لمسار الأحداث اللاحقة ومآلاتها في تاريخنا الحديث. وعليه فإن ثورة 23 يوليو 1952 لم تكن بحاجة لتؤسس ذكرها،  إزاء ثورة 19 وقيادتها التاريخية: سعد زغلول ومصطفى النحاس، ليحيا نظام يوليو على أطلالهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: