مختارات

عمر الشريف في مخيم عين الحلوة

التحق عمر الشريف بقوات القادسية، وهذه إحدى كتائب جيش التحرير الفلسطيني في العراق، في منتصف الستينيات. ولما كان نشاط الفلسطينيين في لبنان، السياسي أو العسكري، غير مقبول لدى الأجهزة الرسمية اللبنانية، ويعرّضهم للإعتقال، كان محمود حسن عوض، عندما يرسل رسائله إلى أهله في مخيم عين الحلوة، يكتب على جهة المرسل من المغلف: عمر الشريف.

كنا جميعنا نعرف أن محمود حسن عوض يشبه عمر الشريف، حتى تلك الشامة إلى جانب الأنف في أعلى الخد الأيمن، في وجه الممثل السينمائي، وتخلص منها بجراحة تجميلية، كانت في وجه محمود عوض، وكان فخوراً بها وحافظ عليها، حتى وفاته قبل ست سنوات عن 65 عاماً قضاها بين نضال من أجل الوطن، منها عامان في معتقل أنصار الذي أقامه الجيش الإسرائيلي، بعد اجتياح لبنان عام 1982، وكفاح مرير من أجل الحياة، بائعاً للخضار في سوق المخيم.

كان أبو حسن أنيق اللباس، أناقة لا تحتاج لباساً باهظ الثمن، فقد كان يكفي في المخيم الفقير المحافظة على نظافة هندامك، كي تبدو أنيقاً، وهذا ما ميّز محمود عوض، وربما يكون تعلم الأناقة في جيش التحرير الفلسطيني، فالجندي النظامي يجب أن يظهر مهندماً.

تذكرت عمر الشريف ابن المخيم حين علمت بوفاة عمر الشريف النجم، وأحببت أن أساهم في تكريم الممثل والمخيم ومحمود حسن عوض، ابن قرية السميرية (قضاء عكا) الذي لجأ مع عائلته إلى لبنان، وعمره 4 سنوات، وترعرع في أزقة المخيم، إلى أن صار شاباً في الوقت الذي بدأت شهرة عمر الشريف الممثل تلمع في الآفاق، واكتشف اللاجئون أنه كان ممكناً لو أتيحت لمحمود عوض حياة غير حياة اللجوء، وهوية غير هوية الشقاء التي حملوها، أن يكون هو في مكان عمر الشريف النجم، فقد كان الشبه بينهما مدهشاً، إلا أن بشرة محمود عوض كانت أشدّ سمرة من بشرة شبيهه، ما جعله يبدو أكثر جاذبية في نظر أبناء عين الحلوة المتعصبين لحيّزهم البائس في هذا الكون.

لم يهتم أحدٌ منا إلى أن فيلم «لورنس العرب» الذي أدخل الممثل عمر الشريف دائرة الضوء كان ذا نظرة استشراقية، وضعها ضابط المخابرات البريطاني، توماس إدوارد لورانس، وهو يخدم بلاده التي قادت بلادنا إلى التهلكة، عبر أعماله التخريبية وتجسسه، ووضع الأسس المتينة لإقامة إسرائيل على أرضنا. كما لم يكترث محمود عوض إلى أن الممثل الذي يحبه، لأسباب كثيرة، منها الشبه بينهما، قام بدور «الدكتور زيفاجو» في الفيلم الشهير، مساهمة من المنتجين الغربيين في الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والاشتراكي، وهو الذي كان يعتقد أن موقفه، كفلسطيني، كان يجب أن يكون مؤيداً معسكر موسكو، حتى ولو كانت تسمى إمبريالية اشتراكية، على رأى بعض أصدقائه المثقفين.

أحب محمود عوض عمر الشريف، وكان يحلو له أن يلتقط بسعادة فائقة نظرات الإعجاب الممزوجة بإدراك التشابه مع الممثل من المارة في المخيم، أو مدينة صيدا، وخصوصاً نظرات النساء، وغفر له كونه كان مقامراً، لكن ذلك لم يجعله يغفر لعمر الشريف طلاقه من فاتن حمامة، ولا علاقته مع باربرة سترايسند التي أعلنت، مرات، تأييدها إسرائيل. ومع ذلك كله، ظل أبو حسن يكن الود للممثل، واعترف أن دوريه في «مواطن مصري» لصلاح أبو سيف، و«الأراجوز» لهاني لاشين، كافيان ليغفر له كلّ نزواته وعودته نادماً إلى مصر التي أحبها أبو حسن وعمر الشريف، وهو يعترف أن التشابه بينهما أمدّه بقوة خفية، حين كان الجندي الإسرائيلي في معتقل «أنصار» يصرخ في وجهه: روخ من هون أبو حسن عمر الشريف.

نقلا عن: صفحة الكاتب على فيسبوك

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: