منوعات

حين انتصر الجنوب (5) رشيد.. المدينة التى قهرت الغزاة مرتين

الزمان: مارس 1807

المكان: مدينة رشيد- مصر

أنهى علي باشا السلانكي، والي رشيد، صلاته وجلس القرفصاء على سجادة الصلاة وأخرج مسبحته وبدأ في التسبيح حين سمع طرقاً على باب غرفته.

كان الطارق رسولاً قادماً من القاهرة يحمل لوالي رشيد رسالة من نقيب الأشراف السيد عمر مكرم، وكان فحوى الرسالة جد خطير.

Image result for ‫عمر مكرم‬‎

عمر مكرم

كان نقيب الأشراف الذي يُكنّ له أغلب المصريين مشاعر الإحترام والإجلال لدوره الوطني يحذر والي رشيد من أن القوات الإنجليزية التي استولت على مدينة الإسكندرية، متوجهة لا ريب إلى رشيد للإستيلاء عليها بهدف الزحف منها إلى القاهرة.

أوصى عمر مكرم فى رسالته والى رشيد بضرورة تحصين المدينة والاستعداد لملاقاة الغزاة تماما كما فعل أهل القاهرة الذين عطلوا الدراسة في الجامع الأزهر وبدأوا بحفر الخنادق واقامة المتاريس هناك.

اقرأ أيضا:

كان الرسالة أيضا تحمل تلميحاً للوالي ألا يراهن على جند والي مصر محمد علي باشا، حيث أن هذا الأخير كان منهمكا في قتال المماليك في الصعيد، والأخطر من هذا هو ألا يراهن على الضباط والجنود العثمانيين الموجودين في القاهرة، فقد لاذوا بالفرار بمجرد سماعهم بأنباء وصول حملة إنجليزية إلى الاسكندرية فهرب أغلبهم إلى الشام عن طريق البحر.

بدا تحذير مكرم للسلانكي واضحاً من سطور رسالته: لن يدافع عن رشيد سوى أهلها.

حملة الإنجليز لإنقاذ الحليف

كان السلانكي يدرك تماماً أن هذه الحملة الإنجليزية ليست وليدة اليوم وإنما هي تطور طبيعي لما حدث منذ عامين على أرض مصر.

ففي شهر مايو من عام 1805، وبعد أن ضاق المصريون ذرعاً بمظالم والي المحروسة العثماني خورشيد باشا واعتداءات جنوده على الأهالي وانعدام الأمن والأمان في القاهرة، عزم كل من مشايخ الأزهر وعلمائه وشيوخ طوائف الحرف على عزل خورشيد.

Image result for ‫خورشيد باشا‬‎

خورشيد باشا

واستقر رأي قادة الجماهير على اختيار قائد ألباني هو محمد علي باشا واليا جديداً للبلاد، خاصة بعد أن انحاز هذا القائد بقواته إلى صفوف الشعب.

وكان من الطبيعي أن يرفض خورشيد من مقره بالقلعة مطلب الشعب بتنحيته وأن يهزأ بالجماهير قائلاً أنه مُعيَّن بأمر السلطان العثماني ولا ينزل عن عرشه بأمر الفلاحين.

فما كان من الفلاحين الذين إستهزأ بهم خورشيد إلا أن ضربوا حصاراً على القلعة، وحمل أبناء الشعب السلاح في مشهد وصفه صحفي فرنسي بقوله إن القاهرة بدت كنسخة من باريس إبان الأيام الأولى من الثورة الفرنسية.

وتكلل نضال الشعب بتحقيق مطالبه حين جاء فرمان من قِبل السلطان العثماني يُثبِّت محمد علي والياً على مصر ويرضخ لارادة المصريين.

Image result for ‫عمر مكرم‬‎

محمد علي

وبطبيعة الحال، ما كانت بريطانيا، التي كانت تسعى جاهدة لتعيين حليفها المملوكي محمد الألفي والياً على مصر لتقبل بأن يختار المصريون واليهم بأنفسهم، وهو سيناريو سيتكرر فيما بعد، فجهزت حملة عسكرية أبحرت من صقلية ووصلت الاسكندرية في 16 مارس 1807.

كان هدف قائد الحملة الجنرال ماكينزي فريزر واضحاً منذ البداية، الوصول إلى القاهرة وإقامة نظام حليف، أو بمعنى أصح تابع لبريطانيا في مصر.

Image result for ‫ماكنزي فريزر‬‎

ماكينزي فريزر

لم تصمد الاسكندرية طويلاً أمام الجنرال الإنجليزي نظراً لضعف حاميتها، فاستولى مع قواته عليها سريعاً، ثم بدأ تقدمه نحو رشيد.

خدعة حربية

أدرك السلانكي مدى ضيق الوقت أمامه، فعقد إجتماعاً عاجلاً جمع فيه أعيان ووجهاء رشيد وعلى رأسهم نقيب أشرافها حسن كريت، وجاء قراره موافقاً لرأي الجميع: لا بد من الدفاع عن المدينة بما يتوافر فيها من إمكانيات.

اعتمد السلانكي وكريت على حامية المدينة التي بلغت نحو 550 جندياً إضافة إلى كل من يستطيع حمل السلاح من الرجال، ووضع السلانكي خطة دفاعية تقضي بأن تتراجع الحامية وتعتصم مع الأهالي داخل المدينة، وألا يبدأ الاشتباك مع الجنود الإنجليز إلا عند التأكد من توغلهم داخل المدينة.

اقرأ أيضا:

وفي يوم 31 مارس، دخل الإنجليز رشيد فوجدوها خاوية، بدت رشيد أشبه بمدينة أشباح، فالبيوت قد هجرها سكانها والحوانيت مغلقة ولا شيء يشي بأنهم سيواجهون أي مقاومة فعلية تذكر.

هنا بدأ الغزاة يتخففون مما يحملون من سلاح وعتاد واستراح بعضهم ظناً أن الأمر لن يعدو كونه نزهة لطيفة، غير مدركين أن هذا تحديداً ما أراده السلانكي وكريت.

ففي تلك اللحظة، أطلق السلانكي إشارته، فخرج أهل المدينة وحاميتها من كل صوب يهاجمون الإنجليز الذي صدموا أيما صدمة، ولم يجد بعضهم الوقت الكافي ليحمل سلاحه ويدافع عن نفسه حيث أحاط بهم الأهالي إحاطة السوار بالمعصم، فلاذ بعضم بالفرار بما فيهم قائدهم «ويكوب».

وحين انقشع غبار المعركة لاحقاً، تكشفت خسائر الإنجليز التي بلغت 170 قتيلاً و250 جريحاً ناهيك عن 120 أسيراً سيقوا إلى القاهرة في موكب مذل، حيث أحاط بهم الأهالي و«زفوهم» وهم يغنون ويرقصون فرحاً بالنصر.

ولم يستطع فريزر أن يواري أخبار هزيمة قواته، فاعترف في تقرير رفعه لقادته في لندن أن هذه الخسارة تمثل ضربة قاسية غير متوقعة.

حاول فريزر أن يمحو هذا العار، فأرسل حملة أخرى إلى رشيد في أبريل 1807، لكن المدينة صمدت مجدداً أمام الغزاة الذين ظنوا أن قصفها بالمدافع من شأنه أن يرهب أهلها ويدفعهم إلى التسليم.

اقرأ أيضا:

ولما تعذر عليهم اقتحام مدينة رشيد، سعى الانجليز لتطويقها عبر احتلال قرية أبو حماد القريبة منها، فأرسل كريت إلى عمر مكرم يطلب المدد، فلبى أبناء القاهرة وأهالي البحيرة والمناطق المجاورة لرشيد النداء وتدفق عليها المتطوعون.

كما وصل الوالي محمد علي إلى مشارف رشيد بعد أن هادن المماليك في الصعيد، وبدأت الأمور تميل لصالح أبناء رشيد بعد معركة خاضها الطرفان في أبو حماد في 21 أبريل أسفرت عن تقهقر الإنجليز وإضطرارهم لرفع الحصار.

انتصرت رشيد للمرة الثانية على التوالي، وسعى فريزر للتحصن في الاسكندرية إلا أن حكومته أجلَتْه عنها بعد إخفاق حملته العسكرية، ولم يجد أمامه سوى توقيع معاهدة للصلح مع محمد علي في 14 مايو 1807.

ومن اللافت حقا أن المدافعين عن رشيد وعلى رأسهم السيد عمر مكرم لم يلقوا ما يستحقون من تكريم من قبل محمد على والي مصر، بل حدث العكس تماماً، حيث خشي الوالي من تنامي هذه القوة الشعبية، فسعى إلى إبعاد وإقصاء قادتها وحصر حمل السلاح في الجيش الذي أسسه لاحقاً.

وبقيت رشيد –رغم ذلك- رمزاَ لقدرة الشعب على قهر الغزاة، وحفر السلانكي وكريت ومكرم وغيرهم من القادة أسماءهم في ذاكرة شعبنا كرموز للمقاومة ورفض الاستسلام.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق