فن

سيد عبد الكريم: إبن البلد.. الأكاديمى

ملامحه تختصر تاريخ أولاد البلد الأصلاء، صوته يرفع حمولة من الود والشجن والحنين في نبرته هادئة وعالية، هو أحد أساتذة مدرسة التشخيص الذين لم تتوفر لهم مساحات الأداء المناسبة. ومع ذلك فقد استطاع الفنان سيد عبد الكريم، بما أتيح له من أدوار، أن يترك أثرا واضحا فى عالم التمثيل لا تخطئه عين..

 لكن الرجل الذي تعلّم التضحية وإنكار الذات منذ الصغر؛ رضي بما قسمه الله له، وبما عوضه به من حب حقيقي كان يراه جليا في عيون الناس.. وربما كان هذا كافيا جدا لشخص في نبل وقيمة الفنان وأستاذ الجامعة الأكاديمي المرموق سيد عبد الكريم.

درس الطفولة

في حي زيزينيا بشرق الإسكندرية نشأ سيد عبد الكريم ابنا لصاحب مقهى شهير يَؤمه الوجهاء ورجال وشباب الحركة الوطنية المصرية.. تفتح وعي الصبي على نقاشات وحوارات رواد المقهى في أوائل أربعينيات القرن الماضي حين كانت المدينة العريقة في حركة دؤوب لا تهدأ مع تواتر أنباء الحرب العالمية واجتياح الألمان للعديد من دول أوروبا.. بينما الإيطاليون-وهم غالبية الأجانب بالمدينة- أسكرتهم انتصارات «الدوتشي» فصاروا يستعلون على أصحاب الجنسيات الأخرى، وسط هذه الأجواء المليئة بالمشاهد الدرامية عاش الطفل سيد عبد الكريم الذي صار شغوفا بالفن بعد ارتياده تياترو محمد علي الكائن بنفس الحي.. ورغم أن شخصية الوالد كانت قوية إلا أن ذلك لم يمنعه من ارتداء ملابسه وتقليده في حضور عدد من أفراد الأسرة.

وكما هي الحياة في الثغر في تلك الفترة تمور بالتقلبات، يتحول الصبي إلى الاهتمام بكرة القدم، ثم إلى الانشغال التام بها وإهمال ما دونها حتى الدراسة.. أراد والده أن يعلمه درسا؛ فمنعه من الذهاب إلى المدرسة لمدة أسبوع قضاه في العمل المضني بالمقهى.. ثم حانت ساعة الحقيقة عندما خيره بين العمل والتعليم المشروط بالابتعاد عن كرة القدم؛ فرضخ الصبي حبا في التعليم الذي كان متفوقا فيه.

للقدر رأى آخر

في مدرسته الابتدائية بالرمل التحق «كيمو» كما كان يناديه زملاؤه بفريق التمثيل وبرع في تقديم كثير من الأدوار حتى أنه قدَّم شخصية البطل «أحمس الأول» بأداء حماسي أبهر الحضور.. وواصل نشاطه الفني بالمدرسة الثانوية التي قام فيها ببطولة عرض مسرحي حضره السيد كمال الدين حسين وزير التعليم آنذاك.. وفي أثناء دراسته بكلية الزراعة كوَّن «عبدالكريم» فريقا للتمثيل ضم: سمير غانم ومحمود عبد العزيز ومدحت مرسي والمخرج محمد فاضل الذي صار صديق العمر؛ برعاية وتشجيع المخرج نور الدمرداش، وكان «عبد الكريم» قد أخرج بعض العروض وكان ينوي التفرغ للإخراج إلا أن الدمرداش نصحه بعدم ترك التمثيل لأنه صاحب موهبة حقيقية.. قدم الفريق عدة عروض جيدة كان أفضلها عرض بعنوان «قلوب تحترق» والذي عرض على مسرح جامعة الإسكندرية.

فور حصوله على بكالوريوس الزراعة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف سارع «عبد الكريم» بالانضمام لفرقة المسرح الحديث واشترك في عدة عروض مأخوذة من روايات عالمية منها «تلميذ الشيطان» لـ «برنارد شو» و«الجريمة والعقاب» لـ «دوستويفيسكي» وكانت هذه العروض تذاع في إذاعة الإسكندرية.. وفي ظل هذه الأجواء التي كانت توحي بأن مبدعنا على وشك اتخاذ القرار بالتفرغ للعمل بالفن، كان للأقدار رأي آخر إذ جاءته منحة لاستكمال دراسته بألمانيا حتى الحصول على الدكتوراه.. ولم يكن بمقدور «عبد الكريم» الرفض، لأن الخبر أسعد الأسرة جميعا وعلى رأسهم الأب الذي أوصاه بأن يكون خير ممثل لمصر بالتزامه وتفوقه.

ممثل مصرى فى ألمانيا

استطاع «عبد الكريم» بما حباه الله من موهبة فطرية وقدرة وعزيمة إتقان اللغة الألمانية في فترة وجيزة، فكان يقضي أوقات الفراغ في قراءة الأدب الألماني؛ فأعجب بالعديد من المسرحيات وقرر تقديمها على مسارح الجامعة.. لم يصدق الألمان أن شابا مصريا يستطيع فعل ذلك خاصة أن الأعمال التي اختارها كانت صعبة نذكر منها «في المياه العادية» للكاتب «جونتر جراس» و«في عرض البحر» للكاتب البولوني «سلافومير مروجيك» و«الملك» لـ«ألفريد هنري جاري» وكتبت الصحف الألمانية عن الشاب الآتي من ضفاف النيل الخالد كيف استطاع أن يسطع بنور آخاذ في تلك الليلة، فيبدع ويلهم الآخرين أيضا التألق والإبهار.

كانت هزيمة يونيو بمثابة زلزال هز كيان الشاب النابه؛ لكنه لم يستسلم للحزن، فاجتمع بزملائه المبعوثين داعيا إياهم إلى التبرع بمخصصاتهم المالية للمجهود الحربي، والعمل لكسب عيشهم وقرر أن يكون قدوتهم في ذلك فتبرع بخاتم زواجه.. وفور حصوله على الدكتوراه عاد إلى مصر عازما على إدراك ما فاته في عالم الفن.. فالتحق بمعهد السينما قسم إخراج وسيناريو، وعندما تخرج كان الأول على دفعته التي ضمت محمد كامل القليوبي وعبد اللطيف زكي وأحمد صالح وآخرين.

انهمك د. سيد في تقديم عدد من العروض المسرحية منها «حسن ونعيمة» و«وصية رجل مسطول»، و«البرواز» على مسرح وكالة الغوري.. ثم أتيحت له الفرصة للمشاركة في مسلسل تليفزيوني بعنوان «النصيب» في دور «عربجي» ونصحه مقربون بأن تقديم هذا الدور يهدد مستقبله في الجامعة؛ لكنه قدم الدور ومر الأمر بسلام.. وقد توقف فناننا كثيرا عند هذا التعارض بين العمل بالفن والتدريس بالجامعة.. وظل لأيام منقطعا للتفكير في الأمر، إلى أن اهتدى إلى أنه ممثل يؤدي دور أستاذ بالجامعة، وكان هذا التفسير مريحا، ودافعا له على الاقتراب من طلابه وإشراكهم في اختياراته الفنية.. وذات مرة عُرض عليه عمل مسرحي من بطولة راقصة؛ فوجد في نفسه شيء من قبول العمل؛ فعرض الأمر على طلابه فكان رأيهم رفض العمل.. ونزل الأستاذ على رأي تلاميذه.

المعلم زينهم

شارك د. سيد في أعمال عديدة في فترة السبعينيات؛ إلا أن الدور الذي صنع شهرته هو دور رجل العصابات «زعفراني» في مسلسل «أحلام الفتى الطائر» من تأليف وحيد حامد وإخراج محمد فاضل، وكان لنجاحه أسباب منها طريقة نطق رئيس العصابة رشوان بك «جميل راتب» لاسمه، والسبب الثاني هو أن الحكاية ملخصها لعبة القط «زعفراني» والفار «الطاير» والسبب الثالث هو ملابس وإكسسوار الشخصية الذي اختاره «عبد الكريم» بنفسه، وأضاف إليه «بِشْلَة» في الوجه لتخفي ملامح الطيبة والسماحة وتدلل على الإجرام.

واستمرت المسيرة الفنية لسيد عبد الكريم على مدى أكثر من أربعين عاما، قدم خلالها نحو مئة وستين عملا كان أهمها في الدراما التليفزيونية مثل «أبواب المدينة» مسلسل من جزأين في شخصية «الورداني عزيز الورداني» من إخراج فخر الدين صلاح  وتأليف عملاق الدراما أسامة أنور عكاشة.. ثم توالت أعمالهما سويا فقدما «الشهد والدموع» وأبدع «عبد الكريم» في دور «عبودة أفندي» ثم قدم شخصية المعلم «زينهم السماحي» في مسلسل ليالي الحلمية وهي الشخصية التي حققت نجاحا كبيرا وصارت نموذجا لابن البلد الوطني النبيل، قال الفنان عن هذه الشخصية بعد ذلك أنه استلهم تفاصيلها من شخصية والده.. ثم قدم المعلم«حنفي البحر» الذي تدفعه مصالحه للتحالف مع المعلمة «فضة المعدَّاوي» في الراية البيضا، ثم يشارك في نهاية عقد الثمانينيات مع عاطف الطيب في رائعته «كتيبة الإعدام» من تأليف «عكاشة» أيضا.

وتتوالى الأعمال إلى أن يعيد المخرج رضوان الكاشف اكتشاف بطلنا في «ليه يا بنفسج» في دور «مسعود العربجي» الذي يعيش مأساة فقد أبنائه واحدا تلو الآخر، ويقاسي شظف العيش لكنه لا يبخل على أصدقائه رغم أنهم يستغلونه ويستنزفون ماله بلا هوادة، وهو في صراعه المحتدم مع الموت الذي يخطف أولاده يهرب إلى الخمر، ويستجيب لنصيحة بطل الفيلم «أحمد» بأن يربي كلبا مع طفله يلازمه كظله، حتى إذا جاء ملك الموت ليقبض روح الصبي، قبض روح الكلب، بدلا منه.. وعندما يموت الصبي.. يقدم «عبد الكريم» مشهدا بالغ الروعة يجسد ألم فقد الابن واللوعة على فراقه في أداء مبهر.

وفي العام التالي يشارك بدور محوري في فيلم «المهاجر» من إخراج يوسف شاهين، وفي عام 1996، يقدم  واحدا من أهم أدواره «المقدس بشاي» في رائعة بهاء طاهر «خالتي صفية والدير» من إخراج إسماعيل عبد الحافظ، وفي العام التالي يشارك في مسلسلين من تأليف أسامة أنور عكاشة هما «أهالينا» و«زيزينيا» في دور «عزوز أبو شامة» وهو أحد العلامات البارزة في مشواره الفني.

ويستمر الإبداع في الألفية الجديدة من خلال أعمال سينمائية وتليفزيونية كان آخرها فيلم قصير بعنوان «الغرفة رقم 12» وفي مطلع ربيع عام 2012، يرحل عن عالمنا الفنان سيد عبد الكريم بعد أن ترك لنا رصيدا فنيا رائعا كنا نطمع أن يزيد بأعمال تليق بتلك الموهبة الفريدة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: