منوعات

نهاية أمريكا الحرة(1): كيف قوّض ترامب الحريات الدينية في الولايات المتحدة؟

كتب: ستيفن والدمان

ترجمة وعرض: تامر الهلالي

يمتلئ التاريخ الأمريكي بنوبات من الاضطهاد الديني القبيح، والتي بدأت من الغوغاء البروتستانت حينما حرقوا الأديرة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وامتدت حتى نشر هنري فورد دعاية معادية للسامية في عشرينيات القرن العشرين، ثم وصلت إلى العنف ضد المسلمين بعد 11 سبتمبر 2001. لكن كان هناك شيء هام في هذا السياق، حتى عام 2016، فقبل  هذا التاريخ لم يربح أحد من قبل منصب الرئاسة في الولايات المتحدة من خلال حملة هاجمت أقلية دينية بشكل ملحوظ، ومستمر.

كمرشح، لم يزعج دونالد ترامب المسلمين بخطاب مشيطن بقدر تفعيل سياسات محددة تتعارض مع الإجماع التاريخي المشترك حول الحرية الدينية، حيث اقترح منع المسلمين من الهجرة إلى البلاد، مدعيا أن «اللاجئين المسلمين يحاولون السيطرة على أطفالنا وإقناعهم بمدى جمال داعش الرائع ومدى روعة إسلامه. للتسجيل في قاعدة بيانات خاصة لتسهيل تتبع الحكومة للمتطرفين، مصرحاً «ليس هناك أي خيار على الإطلاق سوى إغلاق بعض المساجد الأمريكية كوسيلة لمكافحة التطرف».

ظهير شعبوي

نما الشعور المعادي للمسلمين مع اقتراب انتخابات عام 2016، حيث اعتاد الناخبون الجمهوريون اتباع عظات ترامب. ثم قفزت النسبة المئوية للجمهوريين الذين يعتقدون أن ما لا يقل عن نصف المسلمين الذين يعيشون في أمريكا معادون للولايات المتحدة من 47 في المئة في عام 2002 إلى 63 في المئة في عام 2016، وفقا لمركز بيو للأبحاث. وقد كان الأمر الأكثر إثارة للصدمة، وفقًا لاستطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسات استطلاع السياسة العامة، أن نصف الجمهوريين فقط كانوا على استعداد للقول إن الإسلام يجب أن يكون ديناً معترفاً به قانونيًا في أمريكا.لذلك عندما وقع ترامب، بعد أسبوع من تنصيبه، على أمر تنفيذي يحظر على الرعايا الأجانب من سبع دول ذات أغلبية إسلامية دخول الولايات المتحدة، كان يفعل ذلك بدعم ساحق من الناخبين الذين صعدوا به إلى سدة السلطة.

Related image

أولويات الليبراليين

يمثل الحظر الذى يمارَس ضد الإسلام والمسلمين حقائق مزعجة عن مصادرة الحريات الدينية في أمريكا، منها أن مسألة الحرية الدينية تحديداً أصبحت موجودة في نظامنا السياسي ولكنها مختبئة، ذلك الحق الذي يُعتز به باعتباره أحد أكثر الحريات قداسة،. ومع ذلك فهي أيضا حرية هشة، حيث أن توافق الآراء يمكن أن يذوب بسرعة.

على مستوى ما، يدرك الليبراليون أن هذه مشكلة، لكن الحرية الدينية نادراً ما تكون في قمة أولويات اليسار. ويعكس هذا إلى حد ما نجاح اليمين في اعتبار الحرية الدينية قضية يحتكرها المحافظون اليمينيون، وهي عادة ما تتعلق بتوسيع دور المسيحية المحافظة في المجال العام ويُعزَى هذا أيضًا إلى أن التحالف الديمقراطي يضم نسبة كبيرة و متزايدة من الملحدين وغير المتدينين.

 من الخطأ أن يتجاهل الليبراليون الحرية الدينية لعدة أسباب.. أولاً، علينا أن نذكر أن الحركات التقدمية الأكثر نجاحًا في التاريخ كانت مدفوعة إلى حد كبير بالدين. فعلى سبيل المثال، كان إلغاء عقوبة الإعدام وحركات الحقوق المدنية في القرن العشرين إلى حد كبير حروبا تستمد أفكارها من الدين، واستمدت القوة من قدرة قادتها ومناصريها على استخدام اللغة والأفكار التي تخاطب المعتقدات الأساسية لمجموعة واسعة من الأمريكيين، وعلى رأس تلك المعتقدات، المعتقدات الدينية.

Image result for ‫الاضطهاد الديني في الولايات المتحدة‬‎

دولة أقليات دينية

الأهم من ذلك، عندما تنهار الحرية الدينية، فإن المهمشين هم الذين يعانون أكثر من غيرهم، حيث تتطلب الالتزامات الأخلاقية لليبرالية الدفاع عن حق العبادة بحرية. ولكن من أجل القيام بذلك، نحتاج أولاً إلى فهم النهج الأمريكي المحدد للحرية الدينية في أمريكا وهو نهج فريد من نوعه في تاريخ العالم.لقد احتارت المجتمعات لآلاف السنين حول كيفية الحصول على الدين والحرية.

 اليوم، لا تزال معظم الدول لا تجد التوازن الصحيح. يعيش أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم في بلدان ذات حرية دينية محدودة، حسب مركز بيو للأبحاث، ولا يزال 42 في المائة من الدول لديهم ديانة رسمية أو مفضلة.

في هذا السياق أيضاً،ازدهرت أنواع القمع: المسيحيون الأرثوذكس الشرقيون يضايقون البروتستانت في روسيا، والمسيحيون مضطهدون في الشرق الاوسط، البوذيون يهاجمون المسلمين في ميانمار، حتى الديمقراطيات الغربية تعثرت، كما في عام 2016، عندما أجبر رجال الشرطة الفرنسيات الشابات المسلمات على تجريد الأوشحة و أغطية الرأس من رؤوسهن لأن ملابسهن الدينية أظهرت عدم احترام للعلمانية.

بالمقارنة، كانت الولايات المتحدة، على الأقل حتى رئاسة ترامب، تدير تنوعها الديني بشكل جيد. أمريكا هي موطن لـ 350،000 بيت عبادة، من الأدفنتست إلى الزرادشتية، من واجهات المتاجر الحضرية إلى الكنائس الكبرى المسيحية التي تستوعب 40.000 شخص. 

علاوة على ذلك، فإن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأمريكيين يقولون إنهم يصلون مرة واحدة على الأقل في الأسبوع. والجدير بالملاحظة أن الثراء لم يثبط تديننا كما حدث في البلدان الأخرى. حدد مركز بيو للأبحاث مؤخرًا العلاقة بين الثروة والممارسة الدينية. توجد في الجزء العلوي الأيسر من العالم مجموعة من البلدان المتدينة والفقيرة – أفغانستان ونيجيريا وجواتيمالا. في أسفل اليمين توجد دول ثرية وعلمانية، بما في ذلك النرويج وسويسرا وألمانيا. أمريكا استطاعت الابتعاد بمفردها على الحافة اليمنى من خريطة العالم، حيث جمعت الأثرياء والتدين ونجحت أمريكا في السيطرة على الاضطهاد الديني دون إخضاع العاطفة الدينية.

في الفترة من 1986 إلى 2012، كانت ثلاث من الدول الخمس الكبرى التي أرسلت المهاجرين – الصين والهند وفيتنام – ذوات أغلبية غير مسيحية. قدر مركز بيو للأبحاث أنه في الفترة من 1992 إلى 2012، اتبع 25 في المائة من المهاجرين الأديان غير المسيحية، وكانت أكبر المجموعات من المسلمين (10 في المائة) ، والهندوس7 في المائة)، والبوذيين (6 في المائة).بناء على تلك الأرقام، فإن أمريكا ليست مجرد دولة مهاجرين. نحن أمة الأقليات الدينية. كانت الغالبية الأمريكية الأصلية تتألف من الانجليكانيين والتجمعات. وتشكل هذه الطوائف الآن 1.7 في المائة فقط من سكان الولايات المتحدة. ينحدر معظم هولاء من مجموعات كانت تُعتَبَر أقلية دينية ذات يوم.

Image result for ‫دور العبادة في الولايات المتحدة‬‎

بداية التمييز ضد المسلمين

لقد شكل الهجوم الإرهابي الذي وقع في 11 سبتمبر 2001 تحديا كبيرا لثقافة التعددية الدينية الأمريكية. أرجأ الرئيس جورج دبليو بوش ظهور الإسلاموفوبيا، لكن في غضون عام أو عامين، بدأ التعصب الديني في الظهور، بقيادة الإنجيليين المحافظين – وتلك مفارقة، لأن الإنجيليين كانوا في غالب الأحيان في طليعة توسيع الحرية الدينية في ماضي أميركا. ففي حين أن بيلي جراهام أشاد بالإسلام في عام 1997، إلا أن ابنه فرانكلين في عام 2002 وصف الإسلام بأنه «دين شرير وعنيف». بينما قال قطب الإعلام الشهير بات روبرتسون، «سيداتي وسادتي، علينا أن ندرك أن الإسلام ليس دينًا. إنه حركة سياسية عالمية مصممة على الهيمنة على العالم».

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق