فن

«ولاد الأرض».. أيقونة السويس التى «عمَّدت» المقاومة بالغناء

«غني يا سمسمية .. لرصاص البندقية .. ولكل إيد قوية .. حاضنة زنودها المدافع .. غني للجنود .. سمير وعلي ومسعود .. وغباشي لجل يعود .. وفي إيده النصر ليا .. غني ودقي الجلاجل .. مطرح ضرب القنابل .. راح تطرح السنابل .. ويصبح خيرها ليا» من تراث فرقة «ولاد الأرض».

جاء ميلاد فرقة «ولاد الأرض» من رحم هزيمة يونيو 1967، في أعقاب الهزيمة تبارى أهلي مدينة السويس الباسلة في حمل السلاح دفاعا عن الوطن، غير أن حمل السلاح لم يكن كافيا لشحذ الهمم وتضميد الجرح، كان لابد من أن تعلو الكفوف وتصفق على نغمات السمسمية لتشحذ الهمم ويعود اليقين بحلم النصر المبين.

الكاتب الصحفي ابن مدينة السويس محمد حسن مصطفي أولى إهتماما كبيرا بجمع تراث فن المقاومة الشعبية بمدينة السويس، حيث أجرى العديد من الحوارات الصحفية مع كابتن «غزالي» مؤسس فرقة «ولاد الأرض» ومن ثم أصدر كتاب يحمل عنوان «كابتن غزالي .. شاعر المقاومة وذاكرة الوطن» صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، عام 2018.

 

مقاتلون ومنشدون

«هيلا .. هيلا .. هيلا .. هنا في السويس تلاقينا .. في الخنادق بالبنادق .. على كل شبر عنينا»

استعان «محمد أحمد غزالي» الشهير بكابتن «غزالي» بشباب المقاومة الشعبية عند تأسيسه لفرقة «ولاد الأرض» وهو الرجل الرياضي الذي لم يكن له أي علاقة بالفن وكتابة الشعر، غير أن مرارة الهزيمة أشعلت بوجدانه مشاعر حب الوطن والشوق للنصر والحرية، فانطلق يحمل السلاح ويشدو عشقا في تراب الوطن.

ارتدى أعضاء فرقة «ولاد الأرض» منذ اللحظات الأولى الملابس العسكرية «الكاكي»، حملوا السلاح مشاركين في أعمال الدفاع المدني طوال فترات النهار وخلال ساعات القصف الذي كانت تتعرض له المدينة على نحو متواصل.

في المساء يتجمع أفراد الفرقة في الخندق وهم يغنون ويشدون على نغمات السمسمية أجمل أغنيات المقاومة الشعبية التي هزت وجدان الوطن وشحذت الهمم.

اقرأ أيضا:

مسحراتي الوطن

«أنا صاحي يا مصر .. أنا صاحي .. سهران وف حضني سلاحي .. إللي يكسر عزيمتي .. وإللي يقلل من قيمتي .. يحرم عليه صباحي»

مرت سنوات حرب الإستنزاف محملة بالكثير من الانتصارات والتشكيك في تحرير الأرض في آن واحد، فكان رد «ولاد الأرض» حاسما «عضم إخواتنا .. نلموا نلموا .. نسنوا نسنوا .. ونعمل منه مدافع وندافع .. ونجيب النصر .. هدية لمصر».

طافت الفرقة للمشاركة بحفل «أضواء المدينة»، وبعض العروض على مسرح الجمهورية بالقاهرة، كما طافت بعدد من الجامعات المصرية في القاهرة والأسكندرية، والعديد من التجمعات العمالية.

احتفت بعض وسائل الإعلام وفي مقدمتها إذاعة الشعب بتجربة «ولاد الأرض» فتحت أبوابها أمام هذا الصوت الفريد، لعبت فرقة «ولاد الأرض» دور مسحراتي الوطن، على نغمات آلة السمسمية وعلى دقات كفوف شباب المقاومة، كان النداء قويا أن هبوا لنصرة الوطن.

مثقفون وفنانون على درب المقاومة

«إحنا ولاد الأرض .. ولاد مصر العظيمة .. تارنا حناخده بحرب .. ولا نرضى الهزيمة .. للنصر غناوينا .. شباب ثوار .. منسبش التار .. إحنا ولاد الأرض» بهذه الكلمات العفوية سهلة التركيب والإيقاع تغنت فرقة «أولاد الأرض»، كانت تلك العفوية والسلاسة  سببا فى احتفاء كثير من المثقفين المصريين والعرب بتلك الفرقة، كان من بينهم الأديب جمال الغيطاني الذي تعرف على الفرقة أثناء عمله كمراسل حربي لصحيفة الأخبار على الجبهة، والشاعر أمل دنقل الذي تابع بشغف شديد أعمال فرقة «ولاد الأرض» والذي روي عنه الراحل «كابتن غزالي» كيف أنه كان يتجول بشوارع السويس منشدا «عضم خواتنا .. نلموا نلموا .. نسنوا نسنوا …».

تحلق حول فرقة «ولاد الأرض» العديد من الشعراء الذين وجدوا فيها ضالتهم المنشودة، جذبت الفرقة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الذي كتب كلمات أنشودة «يابيوت السويس» التي تغني بها الفنان محمد حمام، وتغنت الفنانة فايدة كامل بأنشودة فرقة «ولاد الأرض»، «فات الكتير يا بلدنا» التي كتبها كابتن غزالي، كما تغنى الفنان محمد قنديل بأنشودة «ياريس البحرية» من كلمات كامل عيد، وتغنت المجموعة بأغنية «أشجع جنود» للشاعر عطية عليان.

حين زار الشاعر الفلسطيني محمود درويش مدينة السويس برفقة عدد من المثقفين المصريين، وكان خلافا حادا قد نشب بين عدد من المثقفين العرب حول تباين موقف كلا من سميح القاسم الذي فضل البقاء داخل الأرض المحتلة، وبين محمود درويش الذي فضل حينها النضال من خارج أرض الوطن، استقبلت الفرقة محمود درويش بأنشودة.. «أهلا يا درويش كيف سميح وايش حاله .. وايش حال عروبتنا .. وكيف الأهل تعيش .. في القهرة إللي صابتنا .. إحنا ولاد الأرض .. للنصر غنوتنا .. أهلا يا درويش .. يا بلبل سهرتنا» .. فيرد عليهم درويش بصوت جهوري موجها حديثه إلى رفاقه من المثقفين المصريين «كيف قلتم لي أن هذه الفرقة شعبية؟ أنها فرقة مثقفة تمتلك وعيا ثوريا ونضاليا عاليا.. أنها أكثر وعيا منا».

وحرص مبدع العامية فؤاد حداد حين التقى بفرقة «ولاد الأرض» بحديقة الأزبكية على التأكيد على أهمية أن تحافظ الفرقة على الخط الوطني النضالي الثوري، وعلى ألا تستمع لرأي النقاد بالقاهرة، وأن تعود إلى مدينة السويس حيث مكانها الحقيقي على الجبهة.

ساهم العديد من شعراء السويس إلى جانب كابتن غزالي في كتابة أغنيات وقصائد فرقة «ولاد الأرض» كان من بينهم الشاعر عطية عليان، والشاعر كامل عيد، والشاعر عبد العزيز الظاهر، كما شهدت الفرقة حالة من التوافد شبه اليومي لأفراد من عامة الشعب أو الجنود المتواجدين داخل مدينة السويس، يحملون الأشعار التي كتبوها تفاعلا مع أغاني «ولاد الأرض». كما ساهم الشاعر زين العابدين فؤاد بخمس أغنيات للفرقة من بينها أنشودة «يابرتقال أخضر وجديد».

جاءت تجربة «ولاد الأرض» محملة بمكانة خاصة لجنودنا على الجبهة، فتغنوا بـ «الفاتحة للعسكري .. سبع السباع الفللي .. واقف وحاضن مدفعه .. بطل وحارس موقعه» وتمتد الأنشودة لتوجه التحية لحراس الوطن على امتداد الأرض العربية .. «الفاتحة لكل فدائي .. فلسطيني مصري عراقي .. سوري لبناني بيلاقي .. حتفه في قدسه وسينائي .. الفاتحة»

 التراث الشعبي.. منبع ومعين

استقت «ولاد الأرض» تجربتها مستندة على التراث الشعبي فعلى إيقاع إحدى أغنيات التراث الشعبي «هلا بالورد .. يايامه هلا بالورد» التي أوردها أحمد رشدي صالح في كتابه المعنون «فنون الأدب الشعبي»

أتت أجمل ما تغنت به فرقة «ولاد الأرض».. «غني يا سمسمية» حيث جاءت الكلمات الجديدة على إيقاع الأغنية التراثية تحمل نفس الوزن مع كلمات جديدة تتغني بالجنود وطلاب العلم والسخرية من العدو ووحشية وقسوة ضربه للمدينة.

كما استفادت الفرقة من تراث الأغنية السياسية والمربعات والعديد والبكائيات حيث وظفت ذلك التراث الشعبي وحققت نوعا من العلاقة الحميمة بين السياق الفردي والسياق الشعبي والمأثور بالإزاحة والإحلال والتضمين واستعارة دلالات النص التراثي بما يخدم الفكرة الجديدة.

 ورغم أن إذاعة الشعب قدمت «أولاد الأرض» واحتفت بها لكن أعضاء الفرقة كانوا ينتظرون احتفاء أكبر من بقية المحطات الإذاعية والتليفزيونية ومن الصحافة لذا نالت كل من الإذاعة والتليفزيون والصحافة الرسمية نصيبا من سخرية وانتقاد الفرقة.. «مدد يا إذاعة يا تليفزيون .. يا صحافة قومي صح النوم .. دي المعركة تنطق الأخرس».

تجاوزت أغنيات فرقة «ولاد الأرض» الـ 500 أغنية» محدثة حالة من التفاعل والتواصل بين التراث الشعبي لمدن القناة «السويس، بورسعيد، الاسماعلية» وبين مختلف المدن المصرية.

«عطشان يا رفاقة .. للتار من اسرائيل .. عطشان والجرح .. ملح .. م الوقفة في الهجير .. ياعدان غيطانا .. اطلع .. قوم فتش ع السبيل .. أنا راضع غل طينها .. موالي من أنينها .. مصر يا ضحكة غلابة .. يا عشق الشقيانين».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق