ثقافة

المشروع الفكرى لمحمد السيد سعيد: سنوات النشأة الأولى وعوامل التكوين

يحاول الدكتور أحمد منيسي الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عبر كتابه «المشروع الفكري للدكتور محمد السيد سعيد» الصادر عن دار النخبة، ومن خلال خمسة أبواب تلخيص المشروع الفكري للراحل محمد السيد السعيد، بداية من نشأته كسيرة ذاتية مختصرة، والعوامل التي أثرت في ذلك المشروع، والإسهامات النظرية التي قدمها الراحل، والقضايا الوطنية والإقليمية والدولية التي ناقشها محمد السيد سعيد على مدى سنين تطور مشروعه الفكري.

يرى المؤلف كما يقول في مقدمة كتابه الذي يقع في قرابة 800 صفحة، أن محمد السيد سعيد «كان المنظّر الأكثر عمقا وإحاطة للتطورات المختلفة التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود الستة الأخيرة، وكان صاحب مدرسة فكرية متميزة، وهو أستاذ لجيلين على الأقل من الباحثين في العلوم السياسية»، وأن من السمات الكبرى لمشروعه الفكري  «إيمان صاحبه المطلق بقيمتين أساسيتين، وهما، كرامة الإنسان وحريته».

 وقد خصص الدكتور أحمد منيسي، الباب الأول من الكتاب للتعريف بالدكتور محمد السيد سعيد والعوامل التي أثرت في مشروعه الفكري، مشيرا إلى مشاركة الراحل الفاعلة في المجال السياسي العام طوال أربعين عاما، بداية من دوره في الحركة الطلابية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي وحتى نهاية تلك المشاركة بدوره في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية».

د. أحمد منيسي

المسيرة المهنية للدكتور سعيد قسمها الكاتب لثلاثة مراحل أو محطات أساسية، هي العمل في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام والذي امتد لنحو أربعة عقود، والعمل في مجال حقوق الإنسان والمشاركة في بناء منظمات المجتمع المدني، وأخيرا العمل في صحيفة البديل التي شارك في تأسيسها ورئاسة تحريرها عام 2007، وقسم الكاتب المشاركة السياسية لسعيد إلى ثلاث مراحل أيضا، الأولى هي مرحلة الحركة الطلابية، بداية من عام 1968، ثم مرحلة المشاركة في مجال حقوق الإنسان في نهاية الثمانينات من القرن الماضي مع تأسيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وأخيرا المشاركة في الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» عام 2004.

Image result for ‫الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية»‬‎

طفل بور سعيدى

أما عن العوامل التي كان لها تأثير واضح في المشروع الفكري للسيد سعيد، فقد قسمها الكاتب إلى، «عوامل خاصة بالنشأة الأولى وسنوات التكوين، وتأثير التحولات المجتمعية في مصر، و تأثير التحولات الإقليمية والدولية»., فقد ولد الدكتور محمد السيد سعيد بمدينة بورسعيد في 28 يوليو 1950 لأسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، ولأب يعتز بكونه عاملا بهيئة قناة السويس، وأم كان يحلو له ربط الحديث عنها بمصر، مشبها كليهما بـ «الحلم الكبير الذي يجب أن يعيش ويموت الإنسان من أجله».. وعن ذلك يقول الكاتب: «وقد تركت التطورات التي مرت بها مدينة بورسعيد مسقط رأس الدكتور محمد السيد سعيد خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، تأثيرها الكبير على وعيه وفكره، فعندما وقع العدوان الثلاثي عام  ً 1956 كان مايزال طفلا ولكنه شاهد كيف أن بورسعيد قاومت ببسالة هجمات القوات البريطانية والفرنسية المعتدية بما جعلها مثالا للصمود في التاريخ المصري. وهو يقول إنه كان شاهدا على هذه الحرب «كطفل بوسعيدي» وما زلت أذكر كيف كان أبي يلاحق الطائرات البريطانية جريا في شارع 100 في أول وثاني أيام العدوان. حيث كان يجري ومعه مئات الأشخاص ببنادق بسيطة ودون أي ساتر. ولربما لم يكن لهذه الملاحقة الطريفة أي أثر سوى إثبات الحضور وقوة الروح. وعندما وقعت هزيمة يونيو 1967 واحتلت قوات العدو الإسرائيلي سيناء كان سعيد طالبا في المرحلة الثانوية، حيث شاهد بعينيه كيف دمر العدوان الإسرائيلي مسقط رأسه مرة أخرى».

الثورة واسترداد الوطن

ومن العوامل الخاصة التي أثرت في وعي وفكر محمد سعيد أيضا ثورة يوليو عام 52، وهنا  يشير أحمد منيسى فى كتابه  إلى ما كتبه محمد السيد سعيد عن تلك الفترة يقول الدكتور محمد السيد سعيد: «كانت ثورة الضباط الأحرار عام 1952، في طزاجتها الأولى تعبيرا عن هذا المعنى للوطن. ولذلك توحد معها الناس في لحظة الرعد الذي أضاء فجرها، فمع الثورة كان كل شيء يبدو مهيئا لاسترداد الوطن وانتزاع الحلم من براثن لعنة تاريخ دموي وبربري في مهانته وبؤسه… فسريعا ما غادر الإنجليز مصر بعد أن جثموا على صدرها لمدة سبعين عاما. والثورة جاءت بمصريين في ريعان الشباب، لأول مرة منذ ثلاثة آلاف وخمسمائة عام إلى قمة الحكم. وكانت عُصب من الإعلاميين والمفكرين الذين تحولقوا حول مدرسة أخبار اليوم قد حضروا ذهن الناس وخاصة الطبقة الوسطى والدنيا لفكرة البطل المخلص. وتلبس عبد الناصر هذه الفكرة بالفعل عندما أمم قناة السويس وخاض معركة العدوان الثلاثي 1956. وكان لدى الضباط الشباب شعارات مبهرة على سذاجتها وبساطتها الذهنية. وكانت الصحف تنشر أخبار مشروعات تنبت في كل مكان. وكان كل مشروع يتخذ شكل المعركة الوطنية التي تشحذ الهمم وتستنفر عزيمة البلد وإصراره على النهوض بعد سبات طويل فعلا. ورغم سوء استخدام السلطة والغطرسة البادية في هيئة وسلوك الضباط الشباب كانت البلد متفائلة».

اقرأ أيضا: 

وبالطبع كان لهزيمة 67 وقعها على تكوين محمد السيد سعيد، يظهر جليا عليه وعلى أبناء جيله في محاولاتهم لإنتاج معنى جديد للوطن عبر الحركة الطلابية، والعمالية، وهنا نأتي لعامل جديد يذكره الكاتب وهو «العامل الجيلي والحركة الطلابية»، فيقول «كان لدى جيل السبعينيات حلم كبير، أكبر من أن تتحمله قدرات الوطن، وحلم هذا الجيل كان في الحقيقة خليطا من الحلم الفكري (التبشيري) والسياسي، والقضية لم تكن فقط الإصلاح السياسي أو المطالبة بتعبئة قدرات الأمة من أجل الحرب ضد إسرائيل إنما كان وراءها حلم أكبر بتغيير مصر والمنطقة والعالم، وكان بريق الماركسية في ذلك الوقت حاضرا بقوة في أحلام قطاعات كبيرة من أبناء هذا الجيل حتى لو لم ينتموا جميعا إلى تنظيماتها أو نصوصها الأيديولوجية الضيقة».

ينتقل الكاتب بعد ذلك للعوامل الخاصة بالتكوين العلمي والخلفية المهنية التي أثرت في الدكتور محمد السيد سعيد، «التحق الدكتور محمد السيد سعيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في ظروف تاريخية كانت الحركة الطلابية فيها مزدهرة وتقوم بدور كبير في الحياة السياسية، ورفدت الكلية الحركة بعدد من أبرز رموزها، ومنهم الدكتور محمد نفسه والدكتور أحمد عبد الله رزة والدكتور محمد السعيد إدريس وغيرهم. لكن ما يجب التأكيد عليه في هذا السياق أن الدكتور محمد السيد سعيد دخل كلية الاقتصاد وهو صاحب اهتمام كبير بالشأن العام وكان في هذه السن المبكرة قد قرأ الكثير من النظريات الفكرية الكبرى وكانت لديه قراءات عديدة في علوم ومجالات مختلفة، مثل التاريخ والآداب والجغرافيا وعلوم الأديان والسينما والثقافات المختلفة وغيرها، فتدعم هذا الاهتمام بشكل أكبر وطور من قراءاته في المجالات المختلفة ذات الصلة بدراسته للعلوم السياسية والاقتصاد»..

د. محمد السعيد إدريس                               د. أحمد عبد الله رزة

ويشير الكاتب إلى سنوات دراسة سعيد في أمريكا «على صعيد آخر، فإن الدراسة في الولايات المتحدة كانت فرصة للدكتور محمد السيد سعيد ليعايش الغرب ويتفاعل مع المجتمع الأمريكي الذي كتب عنه كثيرا وعن صراع الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي، وكانت فرصة له لينفتح بشكل مباشر على ثقافة الغرب والثقافة الأمريكية ويعرف عن قرب الاتجاهات العامة لهذه الثقافة، واللافت أن الدكتور محمد السيد سعيد لم يكن كغيره من اليساريين الذين ذهبوا إلى الغرب أو الولايات المتحدة فانبهروا بالعالم الرأسمالي وتحولوا بشكل فج عن أفكارهم ليصبحوا دعاة «الليبرالية المتوحشة» و«التطبيع معً إسرائيل» لأنه لم يكن أبدا كهؤلاء هشا فكريا، بل كان غاية في التماسك المعرفي، وكان لديه تمييز رائق بين السياسات الأمريكية من ناحية والشعب الأمريكي من ناحية أخرى، فقد كتب كثيرا عن أخلاق هذا الشعب المتميزة وتحضره وتعاطفه مع القضايا العربية إذا تبينت له الحقيقة، ومن هنا دعا كثيرا إلى التواصل مع المنظمات الشعبية والمدنية الأمريكية لتكوين رأي عام أمريكي داعم للقضايا العربية ومضاد للسياسات والمواقف الأمريكية المنحازة ضد الحقوق العربية المشروعة».

(يتبع)

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق