منوعات

حكاية طومانباي آخر سلاطين المماليك كما رواها «ابن زنبل الرمّال»

هو آخر السلاطين الجراكسة، وهو السلطان الوحيد الذي مات مشنوقا على باب زويلة، إنه طومانباى الذى بدأت ملحمته بعد هزيمة السلطان قنصوه الغوري على يد السلطان العثماني سليم الأول في موقعة مرج دابق.. فعندما توجه قنصوه الغوري بجنده لملاقاة جيش العثمانيين، أصدر مرسوما بتعيين طومانباي نائبا للغيبة (أي يتولى إدارة شئون السلطنة في غياب الغوري). ونعلم أن الخيانة لعبت دورا مهما في هزيمة السلطان الغوري، فقد كان من رجاله المقربين خاير بك، وجانبردي الغزالي، الجاسوسان اللذان تحالفا سرا مع السلطان العثماني.

الجاسوسان

كان لخاير بك (قائد ميمنة جيش الغوري) دور مهم في مساعدة العثمانيين على غزو مصر، وسقوط دولة المماليك، فعندما قام السلطان الغوري بملاقاة العثمانيين في مرج دابق، أبدى المماليك شجاعة نادرة وكادوا أن ينهوا المعركة لصالحهم، حتى أن السلطان سليم الأول فكر في الانسحاب، لولا أن حدث خلل كبير في جيش المماليك، حيث انسحب خاير بك بقواته وانضم إلى جيش العثمانيين، بعد أن أشاع هو ومماليكه أن السلطان الغوري قد قُتل، مما تسبب في انكسار جيش المماليك، وسقط السلطان الغوري صريعاً تحت سنابك الخيل، ولم يعثر له على أثر بعد ذلك. وكمكافأة له ولاّه السلطان سليم الأول حكم مصر بعد أن ضُمت إلى الدولة العثمانية، وقد سخرت منه بعض المصادر وسمته «خاين بك». وقد حكم مصر لمدة خمس سنوات وثلاثة شهور.

أما «جانبردي الغزالي»، وهو أحد الأمراء الذين فروا من «مرج دابق» وخان السلطان الغوري فعرض جنده للهزيمة دون أن يقاتل قتالا جديا، فبعد أن هزت أخبار انتصارات سليم الأول القاهرة، حيث كان طومانباي نائبا عن عمه السلطان قنصوه الغوري، ورأى أن يسرع بالزحف لمقاتلة العثمانيين بجنوب الشام، فأرسل حملة بقيادة جانبردى الغزالي لملاقاة العثمانيين في شمال غزة،. فخرج جانبردي على رأس الجيش المصري إلى غزة، وبمجرد أن تراءى له جيش السلطان سليم حتى أسلم له «جانبردي» جنده ورايته، وعاد إلى القاهرة مسرعا كأنه منهزم أفلت من الموت، ودخل على السلطان طومانباي يصف له ما لقي من شدة بأس ابن عثمان وقوة عسكره. ففتح الغزالي الطريق أمام عسكر السلطان سليم الأول، وبذا وصلت جنود العثمانيين إلى غزة في طريقها إلى مصر، وكمكافأة له ولاّه السلطان سليم الأول حكم دمشق.

ابن زنبل الرمال

 حظيت الفترة ما بين أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن السادس عشر، بمجموعة من المؤرخين مثل ابن إياس، وابن طولون الدمشقي، كما يمكننا بسهولة أن نتعرف على أسماء عشرة مؤرخين كبار على الأقل عاشوا في تلك الفترة. ومن بين هؤلاء كان الشيخ ابن زنبل الرمال الذى كان يعمل في الأساس في مجال ضرب الرمل وقراءة الطالع، لذا جاءت روايته للأحداث التي عاصرها أقرب إلى الحكي الشعبي منها إلي التأريخ. كما كان ابن زنبل شاهد عيان عاصر تلك الأحداث، وشاهد وقائع المعارك الحربية التي دارت في الشام ومصر قبل أن يحكم العثمانيون قبضتهم علي مصر.

اقرأ أيضا:

يقول الدكتور عماد ابو غازي: «ومن بين هؤلاء الذين اتجهوا لكتابة التاريخ رمّال عاش في القرن السادس عشر، والرمّال أو ضارب الرمل هو قارئ للطالع أو للبخت عن طريق قراءة الرمل….. وكان اسم هذا الرمال أحمد بن علي المحلي، أي أن أصوله من المحلة، وقد اشتهر باسم ابن زنبل الرمال، وكانت مهنته الأساسية قراءة الطالع لأمراء المماليك(..)، ومن سوء حظ ابن زنبل هذا أنه كان رمالا في جيش المماليك في الأيام الأخيرة لدولتهم،وكان شاهدا على هزيمة السلطان المملوكي قنصوه الغوري في موقعة مرج دابق بالقرب من مدينة حلب بشمال سوريا، ثم على هزيمة خلفه السلطان الأشرف طومانباي في موقعة الريدانية، بالقرب من الجبل الأحمر شرق القاهرة، ومقاومته للغزاة بعد ذلك لمدة ثلاثة شهور تقريبا، ثم إعدامه على باب زويلة. وإذا كان هذا من سوء حظه، فقد كان هذا من حسن حظنا، فقد دفعت الأحداث الجسام التي عاشها ابن زنبل الرمال به إلى التحول إلى مؤرخ لتلك الأحداث، فترك لنا حكاية تاريخية سجل فيها (واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني)، وهو الاسم الذي أطلقه ابن زنبل على كتابه، وإن كان قد اختار له عنوانا ثانيا (آخرة المماليك)، والكتاب هو العمل الوحيد الذي وصل إلينا منسوبا إلى أحمد بن زنبل الرمال».

Image result for ‫الدكتور عماد ابو غازي‬‎

د. عماد ابو غازي

آخرة المماليك

 يقول ابن زنبل الرمّال في كتابه «آخرة المماليك»: «وبعد أن فتح جانبردي الغزالي الطريق إلى القاهرة للسلطان سليم وجيشه، ظل سائرا حتى دخل قطيا (وهي مدينة في شبه جزيرة سيناء كانت الجيوش تتخذها نقطة ارتكاز وتموين)، فلم يجد بها أحدا من عسكر المماليك، فأقام بها ثلاثة أيام.،. ثم إن السلطان سليما أمر بإحضار خاير بك ووزرائه (وزراء السلطان سليم)، وقال: ما تقولون في حيلة يكون بها تفريق شمل الجراكسة؟.. قالوا: وما هي؟.. قال: ائتوني بفلان الكاتب. وكان هذا الرجل يكتب بالسبعة أقلام، ويحاكي جميع الخطوط، فحضر، فقال له السلطان: أريد منك أن تكتب كتبا تحاكي فيها خطوطا مختلفة على لسان أمراء مصر، بأنهم معي في الباطن، ويحرضونني على المجيء إلى مصر، ويكونون معي، ويساعدونني على طومانباي..».

وبعد ذلك تولى خاير بك إرسال المكاتيب مع رجل من رجاله، فرماها بالقرب من مجلس السلطان طومانباي، فلما قرأ المكاتيب جمع الأمراء وأخبرهم بذلك، فأنكروا جميعا، فتحير طومانباي، وكاد العسكر أن يقتل بعضهم بعضا. 

ويضيف ابن زنبل: «ونادى السلطان طومانباي في عسكره: كل من جاء برأس رومي له ما يريد من كل شيء ،فساء ذلك جانبردي الغزالي. فلما دخل الليل دخل خيمته، وكتب كتابا، وختمه، وذكر فيه جميع ما فعله طومانباي، وأنه أخرج المدافع الكبار التي أودعوها في الجبل هناك، وجعل آلات الحرب في الريدانية، وقد أشرت عليهم بدفنها في الرمال، لئلا ينظرها أحد من الجواسيس فيخبرهم بذلك. فقبلوا مني ذلك بعد جهد عظيم مني، خشيت على عسكر السلطان من هذا البلاء العظيم، والصواب أن السلطان يدور ويأتي من جانب الجبل فيصيرون إذا رموا لا يفيد رميهم شيئا. وأرسل الكتاب إلى خاير بك. فأوصله إلى السلطان سليم. فسر بذلك، وأجزل عطاء القاصد به».

وبطبيعة الحال انهزم طومانباي في معركة الريدانية، ولعبت الخيانة دورا مهما، فقد جاء عسكر سليم من جانب الجبل، وعندما ضرب عسكر طومانباي مدافعهم ذهبت إلى الفضاء الخالي. ويقول ابن زنبل: «أما السلطان طومانباي، فإنه لما رجع من الحرب لم يجد أحدا من عسكره إلا وقد ولى منهزما من كثرة البندق والضرب بالزانات…. فطلع من وراء القلعة، وقصد ناحية طرا، وتبعه بعض العسكر، سرية بعد سرية إلى أن سار معه سبعة آلاف فارس». وبعد أن اطمأن السلطان سليم، وأخبره خاير بك بما حصل، شكره السلطان على ما فعله من مساعدته لتمكينه ملك مصر، وبدأ في إرسال العسكر في اثر طومانباي بحثا عنه، فلم يجدوه ولم يجدوا بمصر جركسيا واحدا.

أما طومانباي فقد قرر العودة إلي مصر بمن معه من الجراكسة، وقوامهم سبعة آلاف جركسي، ليحاربوا عدوهم حتى يفنوهم عن آخرهم. نزل طومانباي عند جامع شيخون بشارع الصليبة، وتفرقت العساكر في الطرقات، فقتلوا من عساكر السلطان سليم نحو عشرة آلاف أو أكثر في ليلة واحدة. وفي الصباح جاءت عسكر الروم (عسكر السلطان سليم) لملاقاة عسكر طومانباي، فوقع بينهم القتال لمدة ثلاثة أيام، وفي كل مرة يرجع الروم منهزمين، حتى يقال إن الجراكسة قتلوا من الروم أكثر من خمسة عشر ألفا.

 ويمضى ابن زنبل الرمّال في روايته عما جرى فيقول: «فعند ذلك اقتضى رأي السلطان سليم أن يركب هو بنفسه ويأتي من جانب القرافة (المقابر الموجودة حول مسجد الإمام الشافعي بالقاهرة)، ويلقى طومانباي، فإما له وإما عليه، ونوى إن وقعت الكسرة عليه يرجع سائرا إلى بلاد الروم.فلما فعل ذلك وجاء برجاله وزاد ضرب البنادق على حين غرة، فلما سمع الجراكسة ذلك هرب غالب العسكر بعد أن كانوا غالبين مستبشرين بالنصر».

شجاعة نادرة

وقال ابن زنبل: «وأما طومانباي فانه لم يهرب، وحط عليهم حطة الأسد الغضبان، وقتل فيهم قتلا حتى كل ساعده، ولكن ماذا يفعل الواحد في مائتي ألف وأكثر. ثم رجع، فلم ير خلفه أحدا من عسكره. وكان قد تواعد مع عسكره أنهم إن حصل لهم هزيمة يكون موعدهم الجيزة. فتوجه إليها هو وبقية مماليكه وبعض العساكر حتى صاروا نحو الألفين».

ويستمر ابن زنبل الرمال في سرد ما كان بين السلطان طومانباي والسلطان سليم الأول من معارك ومنازلات، وكيف ان طومانباي لم يستسلم وراح ينظم الصفوف، ويشرك أهل البلاد مع مماليكه في المعارك، حتى كاد أن يقتل السلطان سليم في إحدى الغارات في بولاق.

وقال ابن زنبل الرمال: «إن السلطان سليم كاد ينفلق قلبه من شدة الغيظ، وأرسل خلف خاير بك وقال له: لقد غررت بنا وأدخلتنا في بلاد هؤلاء(..)،أنت أغررتني وطمعتني في اخذ هذا الإقليم، فانظر كيف تفعل ودبر نفسك، وإلا فهيا برأسك(..).والله لو سمعت قول وزيري بأن أنادي على عسكري بالرحيل، وارجع إلى بلادنا وأوطاننا، لكنك لأجل غرضك وكراهيتك لأبناء جنسك، جونتنا بين هؤلاء الملاعين، وأبعدتنا عن بلادنا».

ظل طومانباي يقاتل من حي إلى آخر، حتى المعركة الأخيرة بمنطقة وردان (إمبابة حاليا) حيث انكسرت شجاعة المقاومة أمام القوة الهائلة والعتاد الضخم. فلجأ طومانباي إلى شيخ من العربان بالبحيرة، كان قد أطلق سراحه من السجن بعد توليه منصب نائب الغيبة، وهو الشيخ حسن بن مرعي، لكن هذا الشيخ غدر به وأبلغ عنه سليم الأول. فألقى العثمانيون القبض على طومانباي.

وفي يوم الاثنين الثالث عشر من أبريل سنة 1517 ميلادية، تحرك موكب طومانباى للمرة الأخيرة من معسكر سليم الأول بإمبابة، عابرا إلى بولاق مخترقا القاهرة، وانتهى الموكب الأخير لـطومانباى عند باب زويلة، شق شوارع القاهرة من الشرق إلى الغرب، وهو يسلم على أهل القاهرة المصطفين على جانبي الطريق، ولم يعلم أنه سيُشنق إلا عندما وصل، فوقف على قدميه وقال للناس من حوله: «اقرأووا سورة الفاتحة ثلاث مرات»، وقرأ الناس معه، ثم قال للمشاعلي: «اعمل شغلك»، حيث شُنق هناك وسط صراخ الناس وعويلهم، فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف.وظلت جثته معلقة على باب زويلة ثلاثة أيام.

الوسوم

تعليق واحد

إغلاق