منوعات

الضحية حين يصبح جلادا: هل يصنع العنف المنزلي إرهابيا؟

راشمي روشان لال – كاتبة حرة ورئيس التحرير السابق لصحيفة Sunday Times of India

ترجمة: أحمد بركات

ما المشترك بين القتلة الجهاديين ونظرائهم اليمينيين المتشددين بخلاف ارتكاب الفريقين أعمال عنف عام؟ وهل توجد علاقة حقيقية بين هؤلاء الذين نفذوا هجمات إرهابية باسم الإسلام في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وبين أولئك الذين قاموا بعمليات قتل جماعي ضد المسلمين في الغرب؟

تقول الناشطة في مجال حقوق الإنسان، جوان سميث في هذا الصدد: «جميعهم لديهم تاريخ من العنف المنزلي.. في الغالب كجناة، لكن أحيانا كضحايا».

جوان سميث

تاريخ من العنف

فكثيرون كانوا ممن يضربون زوجاتهم، أو من أعداء المرأة وكارهي النساء الذين يتسببون في إرهاب المرأة بوجه عام. وبعضهم – مثل الأخوين كواشي، الفرنسيين من أصول جزائرية اللذين قتلا العاملين في مجلة «تشارلي إبدو» في عام 2015 – كانوا يعانون من قسوة آباء مارسوا ضدهم صنوف العنف. لا شك أن هناك «علاقة وثيقة بين العنف الخاص والعام»، كما توضح سميث في كتابها Home Grown: How Domestic Violence Turns Men into Terrorists (صناعة منزلية: كيف يحول العنف المنزلي الرجال إلى إرهابيين) (2019).

يقدح عنوان الكتاب – شأنه شأن الفرضية التي تطرحها كاتبته – زناد فكر القارئ بشكل عميق. فإذا كان للقارئ أن يقبل بطرح سميث، فإن هذا يعني أن الوقت قد حان لإعادة التفكير بشأن استراتيجيات مكافحة الإرهاب، حيث لا ترقى أهمية الأيديولوجيا أو الدين الذي يؤمن به الفرد – أو عدم إيمانه بدين أو أيديولوجيا من الأساس – إلى أهمية سجله التاريخي الخاص بممارسة العنف ضد المرأة.

تبني سميث فرضيتها على أساس دراسة حوادث إرهابية متنوعة بدءا من عام 2013. ففي هذا العام، نفذ الأخوان الأمريكيان من أصول شيشانية، جوهر وتامرلان تسارناييف، عمليتي تفجير متتاليتين قرب خط نهاية ماراثون بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، مما أودى بحياة ثلاثة أفراد وجرح مئات آخرين. في هذا السياق، تؤكد سميث أن تامرلان كان قد قام بممارسة العنف ضد المرأة، حيث قام بضرب إحدى صديقاته، كما عرف عنه سوء معاملته لزوجته.

Image result for ‫عمليات دهس‬‎

وفي العام التالي لتفجيرات بوسطن، قام أحد الأفراد بمحاصرة مقهى في مدينة سيدني الاسترالية فيما تم التعامل معه على أنه حادث إرهابي. واستطاع منفذ العملية، وهو أسترالي من أصول إيرانية، الصمود في مواجهة قوات الشرطة الاسترالية على مدى 16 ساعة، لكن المواجهة انتهت بقتل العديد من الأفراد بمن فيهم منفذ العملية. وقد أطلق منفذ العملية بعض العبارات التي عكست آراءه المنحرفة فيما يتعلق بواجباته الدينية؛ لكن سميث تؤكد أن ما تشي به هذه العبارات حقيقة هو «سجله التاريخي الحافل بالعنف المنزلي والجنسي».

تُميز سميث هذا النمط لدى العديد من الجهاديين، فقد تقدمت زوجة التونسي محمد لاهويج بوحليل – الذي قام بدهس حشد من الجماهير بشاحنة على «ممشى بروميناد ديز أنجلي» في مدينة «نيس» الفرنسية أثناء الاحتفالات بيوم الباستيل في عام 2016، مما أودى بحياة 85 فردا – بدعوى طلاق سردت وفصّلت فيها كثيرا من حوادث العنف التي تعرضت لهاعلى يد زوجها، وذلك. كما يمتلك خالد مسعود، البريطاني الذي اعتنق الإسلام، وقام بدهس عدد من المشاة بسيارته على «جسر ويستمنستر» بالعاصمة لندن، قبل أن يسدد طعنة نافذة ضد أحد أفراد الشرطة البريطانية في مارس 2017، «تاريخا طويلا من العنف المنزلي».

Image result for ‫عمليات دهس‬‎

وكان سلمان العبيدي – البريطاني من أصول ليبية الذي قام بتفجير إحدى قاعات الاحتفالات في مدينة مانشستر في مايو 2017، مما أودى بحياة 22، أغلبهم من المراهقات – قد اعتدى بالضرب المبرح على إحدى زميلات الدراسة لارتدائها تنورة قصيرة. كما اتهمت زوجة المغربي رشيد رضوان – أحد الثلاثة الذي نفذوا الهجوم على مشاة على جسر لندن في يونيو 2017 –  اتهمته بالاعتداء المتكرر عليها.

تدريب مفيد

تلفت سميث أيضا إلى السجل التاريخي المشوَش والمشوِش لهؤلاء الذين يقفون على الطرف الآخر من الطيف الديني والإثني؛ على سبيل المثال، الإسلاموفوبيين المسيحيين البيض الذين يستخدمون العنف، مثل دارين أوزبورن. ففي يونيو 2017، قام أوزبورن بدهس حشد من المصلين بسيارته خارج «مسجد فينزبيري بارك» بالعاصمة البريطانية لندن؛مما أدى إلى مقتل وإصابة 9 أفراد. لم يكن أوزبورن – كما تكتب سميث – سوى «مستبد منزلي وشخص سيئ المعشر يمتلك سجلا حافلا من جرائم العنف» ضد المرأتين اللتين تزوج بهما، إضافة إلى أخريات كثيرات.

Image result for ‫دارين أوزبورن‬‎

يمكن القول بأن قائمة الأسماء المفصلة أعلاه، من بين أسماء أخرى كثيرة،متكررة بما يكفي لإثبات وجهة نظر سميث ووجاهة طرحها الذي يؤكد على وجود علاقة طردية وثيقة تربط بين أعمال العنف في الفضاء العام ونظيراتها داخل جدران منازل عائلية غير سعيدة كان يقطنها إرهابيون، أيا كانت انتماءاتهم الدينية والأيديولوجية وخلفياتهم الإثنية والسياسية. رغم ذلك، ربما يخالج القارئ شعور جازم بالتهويل في الدعوة إلى النظر إلى العنف المنزلي باعتباره جرس إنذار لا يتخلف لفظائع ومذابح قادمة في الفضاء العام.

تؤكد سميث أن العنف المنزلي يمثل «تدريبا مفيدا» للأفراد الذين يقدمون بعد ذلك على أعمال من قبيل «سحق المارة تحت عجلات مركباتهم، أو طعن الغرباء بسكين المطبخ».. ربما؛ لكن الثابت هو احتمال استمرار شخص عنيف في ممارسة سلوكه بالطريقة نفسها؛ ومن ثم فإن هذه الدراسة تكرر شيئا أكدته دراسات كثيرة سابقة بأن من يتعرضون للعنف غالبا ما يجنحون إلى ارتكابه. لا ينطبق هذا على الأفراد وحدهم، وإنما يتعداهم إلى المجتمعات والثقافات بوجه عام.

تقول العبارة الدارجة «العنف يولد العنف». لست على يقين من أن هذه استراتيجية فاعلة في مواجهة الإرهاب، لكنها بلا شك تضيف بعدا جديدا للجدل الدائر حول جذور العنف الإرهابي.

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق