منوعات

فن «الأفيش» السينمائي.. تاريخ من الإبداع والجدل

الأفيش هو محاولة تعبير مختزلة عن مضمون العمل الفني، أو استعراض لشخوص أبطال ونجوم العمل السينمائي، ويعد واحدا من أهم الوسائل الترويجية للعمل الفني  لاسيما في مرحلة ما قبل (التريللر) الذي يجمع أكثر لقطات العمل إثارة وتشويقا في مدة تتراوح ما بين دقيقة أو دقيقتين على أكثر تقدير، – بما يحتويه من فن في التصميم ونقل حيوي لرسالة الفيلم وتحقيق للغرض الأساسي منه في جذب المشاهد لرؤيته. وهو  فن خالص يستحق المتابعة والتقدير و يتناسب مع ما صار للبوسترات من محبين ومدمني جمع النوادر منها، وعادة ما يُعَلّق في واجهة دور العرض أو في الشوارع بهدف التعريف البصري بالفيلم.

مشاهد ومشاكل

عادة ما ترتبط فكرة الأفيش في ذهن المشاهد التقليدي بعدد من بوسترات (ملصقات) الأفلام السينمائية التي أثارت جدلا بايحاءاتها أو مصارحاتها الجنسية، وقد تكون هذه من أهم المشاكل التي يثيرها الأفيش السينمائي، حيث ظهور الأبطال في مشاهد غير لائقة على الملصق مثل إظهار ممثلة عارية كما حدث في فيلم (شهر عسل بدون ازعاج) إنتاج عام 1968 حين ظهرت ناهد شريف وهي تعري ظهرها تماماً، وفيلم (النوم في العسل) إنتاج 1997 عندما ظهرت دلال عبد العزيز وعادل إمام وشيرين سيف النصر وقد اختفوا وراء ملاءة طويلة بينما ظهرت أجزاء من سيقان دلال وشيرين، وأيضا في فيلم (عمر وسلمى) حيث تم رفع دعوى قضائية بسبب احتضان تامر حسني لمي عز الدين في الملصق.

وعادة ما يحتوي بوستر الفيلم على موجز لكل ما فيه سواء فكرته أوأبطاله، ومخرجه ومؤلفه, وتقاس قوة البوستر أو الأفيش بقدرة صانعه على إيصال رسائل الفيلم بأكبر قدر من التعبيرية وعدم المباشرة.

تاريخ

كانت البوسترات بالأساس توضع خارج دور العرض السينمائي الخاصة بكل فيلم. وكان المورد لها هو في الأغلب هو (موزع الفيلم)، وكان الموزع يسترد البوسترات الدعائية لكل فيلم مع انتهاء دورة عرضه في السينما. حتى يتمكن من اعادة استخدامها في دور عرض الفيلم التالية. بعض البوسترات تم تداولها بين صالات العرض لسنوات طويلة باستمرار عرض الفيلم، أما الآن فتتعدد أماكن وضع الملصقات فهي تنتشر في الشوارع وفي السينمات وفوق الجسور وفي الصحف والمجلات والتلفزيون ووسائل النقل وتنقسم الملصقات إلى ثلاثة أنواع، رسوم توضيحية أو رسوم كاريكاتيرية أو صور.

قديما كانت الأفيشات ترسم بالأيدي على واجهات السينمات لاسيما سينمات الترسو كسينما «الكورسال»، وسينما «علي بابا» بحي بولاق أبو العلا العتيق، وقد بقيت سينمات الترسو بأفيشاتها ذات الألوان الفاقعة والرسم المبتذل تنتشر في الأحياء الشعبية بالقاهرة حتى نهاية التسعينيات، تٌبرز خطوط أفيشاتها وألوانها الملامح الأنثوية المبالغ فيها لبطلات الأفلام كـ“ليلى علوي“ و«نادية الجندي»، وملامح القوة للأبطال أمثال «سلفستر ستالون» و«أرنولد شوارزينجر»، تنقل لقطات مشحونة بالمتعة والإثارة لجذب الجمهور، أما العناوين المكتوبة عليها فلا تخلو أحياناً من الأخطاء الإملائية. أمام هذه السينمات كان يتزاحم جمهور من الطلبة والمراهقين و«الصنايعية» للاستمتاع والبحث عن بعض مشاهد الإثارة الجنسية بعرض متصل يضم ثلاثة أو أربعة أفلام بسعر زهيد.

كانت صناعة الأفيش في البداية نوعاً من الاجتهاد الشخصي والرؤية الفنية الذاتية لأشهر الرسامين في وقتها، وغالبا ما كانوا من الإيطاليين والأرمن والعرب الشوام مثل حسن جسور مصمم أفيشات أفلام الثلاثية لنجيب محفوظ «السكرية/ قصر الشوق/ بين القصرين»، ثم توالى بعدها ظهور أجيال ومدارس من الرسامين ومصممي الأفيش، وظهرت العديد من الورش في هذا المجال مثل ورشة إعلان الثغر (وصاحبها خميس الثغر) وورشة محمد مفتاح، وورشة عبده محمد، وورشة على جابر، وورشة المصري لوحيد شعير، و«مطابع السينما العربية» للفنان جسور، وهي مؤسسة أهلية عملت عشرات الأعوام على تنفيذ ملصقات لمئات الأفلام.

في السنوات الأخيرة تعد أفيشات أو بوسترات الأفلام، أهم جزء في تقديم الفيلم للجمهور، ويتوقف عليها جذب وتشويق المشاهد، للإقبال على الفيلم المعروض، فمع نهاية تصوير كل فيلم، يستعين المنتج بمصممي الجرافيك من أجل إخراج بوستر جذاب ومبهر قدر الإمكان، ويجب أن يتضمن البوستر رسالة الفيلم، وكل شيء يلفت انتباه المشاهد.

«البوستر الناجح»، هو القادر على جذب انتباه الجمهور من خلال الألوان المستخدمة في العرض البصري، وتصميمه واخراجه، وقدرته على إبراز الشخصيات الأساسية في الفيلم (الأبطال)، وطريقة كتابة الأسماء، حتى لا يرهق العين، كما أن نجاح الأفيش يتوقف على علاقة الحب أو الإعجاب، التي تنشأ بين العين والصورة المقدمة.

تبلغ أهمية الأفيش بالنسبة لصناع العمل السينمائي حد رفض بعض الممثلين الاتفاق على التعاقد دون معرفة  موضع اسمه على البوستر، ويعد ترتيب أسماء الممثلين على الأفيش من أكثر المشاكل التي تواجه منتج العمل، فالمنتج هو الذي يتحكم في طريقة وضع أسماء وصور وحجم بنط أبطال الفيلم، وقد يلجا مصمم الملصق إلى التلاعب بأسماء الممثلين عبر تعليتها أو تغيير الخط، وأحيانا يلجأ إلى وضع صورهم فقط من دون وضع أسماء مثل ما حدث في فيلم ملاكي إسكندرية.

وما يزال المنتجون يتنافسون في تقديم أفضل (أفيشات) الأفلام باعتبارها نقطة النجاح الأولى للعمل، وبوابة القبول للفيلم لدى الجمهور، وينعكس بشكل أساسي على إقبال الجمهور على السينمات لمشاهدة هذا الفيلم او ذاك، ففي العام 2019 كانت اللحظة الأولى لنجاح فيلم (كازبلانكا) لأمير كرارة قد بدأت من البوستر القوي للفيلم على الرغم مما أثاره غياب بعض النجوم من البوستر كالفنان (محمود البزاوي) من تحفظات، ويأتي في المرتبة الثانية بعده أفيش فيلم (حملة فرعون) والذي جمع بين الفنان عمرو سعد والفنانة روبي، بالإضافة إلى أفيش فيلم الممر للفنان أحمد عز.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق