منوعات

أمريكا تدمر نفسها (2-2): «ماضى المملكة المتحدة» ينتظر «مستقبل الولايات المتحدة»

فريد زكريا – باحث أكاديمي ومحلل سياسي

ترجمة: أحمد بركات

بعد أحداث 11 سبتمبر اتخذت واشنطن قرارات مهمة خلًفت ندوبا عميقة في جسدها السياسي. جاءت هذه القرارات على عجل، وتحت ضغوط هائلة بسبب حالة  الهلع الداخلي غير المسبوقة. كانت واشنطن ترى نفسها أمام معادلة صفرية متمثلة في خطر داهم ينذر بفنائها، وأن كل الخيارات مطروحة على طاولتها للدفاع عن صميم وجودها في مواجهة هذا الخطر، بدءا من غزو العراق ومرورا بإنفاق أموال لا حصر لها على الأمن الداخلي، ووصولا إلى استخدام التعذيب.

تحطيم السلطة الأخلاقية والسياسية

من ناحية أخرى كان العالم ينظر إلى الولايات المتحدة كدولة تعاني من الإرهاب الذي عانت منه قبلها دول كثيرة لسنوات عدة، لكنها تتخبط بشدة كأسد جريح، وتمضى  في تمزيق كل ما حولها من تحالفات وقيم ومعايير دون أن تلوي على شيء. ففي العامين الأولين فقط من اعتلائها سدة الحكم الأمريكي، انسحبت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش من عدد من الاتفاقات الدولية كما لم يحدث من قبل في عهد أي إدارة أمريكية سابقة (تحطم هذا ’الرقم القياسي‘ مؤخرا على يد إدارة الرئيس ترامب). وحطمت سياسات إدارة الرئيس بوش الخارجية السلطة الأخلاقية والسياسية للولايات المتحدة. على سبيل المثال، وجد حلفاء تاريخيون لواشنطن، مثل كندا وفرنسا، أنفسهم في خلاف حاد مع هذه السياسات.

Image result for ‫بوش وترامب‬‎

الهدف الأوحد

السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما السبب الحقيقي لحالة الضمور والتآكل التي أصابت ذراع الهيمنة الأمريكية؟ هل يُعزى ذلك إلى صعود قوى منافسة جديدة، أم إلى سياسات التمدد الإمبريالي التي انتهجتها الولايات المتحدة منذ مطلع هذا القرن؟ كما هو الحال في دراسة الظواهر التاريخية الكبرى والمعقدة، ستكون الإجابة: «السببان معا». فقد مثل صعود الصين أحد التحولات البنيوية في المشهد الدولي الذي من شأنه أن يؤدي إلى إسقاط أي قوة مهيمنة، مهما بلغت براعتها الدبلوماسية. كما مثلت عودة روسيا تحولا أكثر تعقيدا وأعمق أثرا. من السهل نسيان ذلك الآن، لكن في بداية التسعينيات كان القادة الروس عازمين على تحويل بلادهم إلى ديمقراطية ليبرالية، ودولة أوربية، وحليف غربي. لقد أيد إدوارد شيفرنادزه، وزير الخارجية في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفيتي، الحرب الأمريكية على العراق في عام 1990 – 1991. ولكن بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي تولى أول وزارة خارجية روسية أندريه كوزيريف، الذي كان ليبراليا متحمسا، وأمميا رافضا للهيمنة، ومدافعا قويا عن حقوق الإنسان.

اقرأ أيضا:

ربما يكون السؤال «مَن صنع روسيا؟» موضوعا لبحث آخر، لكن تجدر الإشارة الآن إلى أنه برغم أن واشنطن أبدت بعض الاحترام والتقدير لموسكو (على سبيل المثال وسًعَت واشنطن «مجموعة السبعة» إلى «مجموعة الثمانية»)، إلا أنها لم تحمل المخاوف الأمنية الروسية على محمل الجد. لقد اتجهت واشنطن إلى توسيع حلف الناتو بسرعة وبغضب، وهي عملية ربما كانت ضرورية لبعض الدول – مثل بولندا التي كانت غير آمنة ومهددة من قبل روسيا – لكنها استمرت بدون تعقل أو اعتبار للهواجس والمحاذير الروسية، ولا تزال مستمرة لتشمل الآن مقدونيا. واليوم، تبدو أي إجراءات ضد السياسات العدوانية التي ينتهجها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مبررة ومقبولة، لكن – قبل ذلك – يبقى السؤال: «مَن منح فرص الصعود للرئيس بوتين وسياساته الخارجية؟» بلا شك عوامل داخلية تتعلق بروسيا، لكن إلى الحد الذي سمحت به السياسات الأمريكية بتغذية وتأجيج قوى الانتقام والثأر في الداخل الروسي».

Image result for ‫بوتين‬‎

الإتجاه إلى الداخل

إن الخطأ الأفدح على الإطلاق الذي ارتكبته الولايات المتحدة أثناء ’لحظة القطب الأوحد‘، سواء على مستوى روسيا، أو بوجه عام، هو ببساطة ’التوقف عن الانتباه جيدا‘. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أراد الأمريكيون أن يتجهوا إلى الداخل، وهو ما التزموا به بالفعل، ليتخلوا بذلك عن دورهم الذي اضطلعوا به في سنوات الحرب الباردة عندما صرفت واشنطن جل اهتمامها إلى ما يحدث على الأرض في آسيا الوسطى وجنوب آسيا ومضيق تايوان، بل وفي أنجولا وناميبيا. وبحلول منتصف التسعينيات، فقدت الولايات المتحدة كل اهتمامها بالعالم الخارجي. وتراجع على إثر ذلك بث مكتب الخارجية على شبكة NBC من 1013 دقيقة في عام 1988 إلى 327 دقيقة فقط في عام 1996 (اليوم تخصص الشبكات الثلاثة الرئيسية مجتمعة نفس المساحة الزمنية التي كانت تخصصها كل شبكة على حدة في عام 1988 لأخبار مكتب الخارجية). كما لم تتوافر أي رغبة حقيقية لدى البيت الأبيض أو الكونجرس لبذل أي جهد طموح إزاء التحولات في روسيا، أو أي اهتمام لطرح نسخة جديدة من «خطة مارشال». وحتى في خضم الأزمات الاقتصادية الخارجية التي اجتاحت عددا من الدول إبان إدارة الرئيس كلينتون، وجد صانع السياسة الأمريكي نفسه مضطرا إلى الاندفاع والارتجال لعلمه أن الكونجرس لن يخصص أي أموال لإنقاذ المكسيك أو تايلاند أو إندونيسيا. وتوقف دوره عند إعطاء المشورة، التي راعت في المقام الأول تقليل حجم المساعدات الأمريكية، وإغداق الأمنيات الطيبة من بعيد، دون أي تدخل حقيقي كقوة عظمى.

Image result for ‫انهيار الاتحاد السوفيتي‬‎

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، تولدت لدى واشنطن رغبة قوية في إحداث نقلة نوعية في العالم. ومع حلول تسعينيات القرن الماضي، بدا ذلك ممكنا أكثر من أي وقت مضى. واتجهت دول من جميع أنحاء العالم إلى السير في الركب الأمريكي. في هذه الأثناء بدت حرب الخليج وكأنها علامة فارقة في أتون نظام عالمي جديد، حظي بتأييد الدول الكبرى وشرعنة القانون الدولي. لكن، في تلك الفترة من التطورات الإيجابية، فقدت الولايات المتحدة اهتمامها وشهيتها نحو الخارج. كانت الرغبة في تغيير العالم لدى صانع السياسة الأمريكي في تلك الفترة لا تزال مُلحة، لكن بأقل تكلفة؛ إذ لم يكن لديه رأس المال السياسي أو الموارد التي تدفع به دفعا إلى بذل الجهد لتحقيق الهدف، وهو ما أدى – إلى جانب أسباب أخرى – إلى تنميط النصيحة الأمريكية إلى جميع دول العالم: «العلاج بالصدمة الاقتصادية والديمقراطية الفورية». أما أي علاج آخر أطول أمدا أو أكثر تعقيدا، أو – بعبارة أخرى – يشبه الطريقة التي حول بها الغرب اقتصاده إلى الليبرالية وسياساته إلى الديمقراطية، فقد كان غير مقبول، أو بالأحرى غير مطروح من الأساس. في الغالب كان ’التكتيك‘ الأمريكي لمواجهة التحديات قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر هو الهجوم من بعيد، وهو ما تمخض عنه ثنائية العقوبات الاقتصادية والضربات الجوية الدقيقة. وكانت كلتا الاستراتيجيتين، كما كتب العالم السياسي إليوت كوهين عن القوة الجوية، تتميزان بخصائص المغازلة الحديثة: «الإرضاء دون الانخراط».

لم تنعتق السياسة الخارجية الأمريكية من هذه القيود التي كبلت رغبة واشنطن في دفع المقابل، وهو ما نتج عنه «هيمنة جوفاء». ولا يزال هذا الفراغ الأجوف مستمر حتى يومنا هذا.

Related image

الضربة القاضية

لم تأل إدارة الرئيس ترا مب جهدا في زيادة تفريغ السياسة الخارجية الأمريكية من محتواها وتعميق جوفائيتها. ويعد هوى ترامب ’جاكسونيا‘ بالأساس من حيث عدم اهتمامه بالعالم إلا فيما يتعلق باعتقاده أن الدول الأخرى تعمد إلى استغلال الولايات المتحدة بما يخدم مصالحها الخاصة. كما يعد ترامب قوميا شعبويا ينزع دائما إلى حماية بلده، ويعزم على وضع «أمريكا أولا». لكنه في واقع الأمر ترك الميدان بالكلية أكثر من أي شيء آخر. ففي ظل إدارة ترمب، انسحبت الولايات المتحدة من «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ»، ومن الانخراط في آسيا بوجه عام. كما أنها تنزع نفسها من شراكة مع أوربا يعود تاريخها إلى 70 عاما خلت. وتعاملت مع أمريكا اللاتينية فقط من منظور إما وقف تيارات المهاجرين أو حصد الأصوات في فلوريدا. واختزلت سياستها الخارجية في الشرق الأوسط في إسرائيل والمملكة العربية السعودية. إن الملمح الأساس للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب – مع وجود استثناءات قليلة متهورة، مثل محاولة تحقيق السلام مع كوريا الشمالية تلبية لرغبة نرجسية في الحصول على جائزة نوبل – هو الغياب الكامل.

Image result for ‫كوريا الشمالية‬‎

لغة المصالح الضيقة

في الوقت الذي كانت تحتل فيه المملكة المتحدة عرش العالم كقوة عظمى، تآكلت هيمنتها بسبب صعود قوى هيكلية أخرى (ألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي). لكنها أيضا فقدت السيطرة على إمبراطوريتها بسبب التوسع والغطرسة. ففي عام 1900، عندما كان ربع سكان العالم تحت الحكم البريطاني، لم تكن أغلب المستعمرات البريطانية الكبرى تطالب سوى بقدر من الاستقلال الذاتي المحدود («حالة السيادة»، أو «الحكم الذاتي»، كما نطلق عليه اليوم). مَن يعرف كم من العقود كان بإمكان بريطانيا إضافتها إلى تاريخها الإمبراطوري إذا ما بادرت إلى تلبية مستعمراتها إلى مطلبها؟ لكنها تقاعست، وأصرت – بدلا من ذلك – على الانصياع لصوت مصالحها الضيقة وأنويتها المحدودة على حساب مصالح إمبراطوريتها الممتدة. 

يمكن القياس هنا على الولايات المتحدة؛ ماذا لو انتهجت واشنطن سياسات أكثر اتساقا من أجل تحقيق مصالح أكبر وأفكار أرشد؟ ألم يكن بإمكانها حينئذ مد أمد نفوذها لعقود أخرى لاحقة (لكن بشكل مختلف)؟ إن معادلة تمديد الهيمنة الليبرالية تبدو بسيطة للغاية: «كن أكثر ليبرالية وأقل هيمنة». لكن في أغلب الأوقات وبوضوح أكبر، لم تر واشنطن سوى مصالحها الخاصة الضيقة، مما أدى إلى نفور حلفائها وتحفُّز خصومها. وعلى عكس المملكة المتحدة في نهاية عهدها الإمبراطوري، فإن الولايات المتحدة ليست مفلسة أو تعاني من التضخم الإمبريالي. وإنما تبقى أقوى دولة منفردة على سطح الأرض. وسوف تستمر في ممارسة نفوذ هائل يفوق أي دولة أخرى. لكنها لم تعد تمتلك مفاتيح تحديد النظام الدولي، أو الهيمنة عليه مثلما كانت تفعل على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود.

Image result for ‫التضخم الإمبريالي‬‎

ما تبقى الآن هو بالأساس الأفكار الأمريكية. لقد كانت الولايات المتحدة قوة مهيمنة فريدة ومتفردة لأنها مدت نفوذها لتدشين نظام عالمي جديد، حلم به الرئيس وودرو ويلسون، وآمن به الرئيس فرانكلين روزفلت. إنه العالم الذي تهيأ للخلق (ولم يُخلق كاملا) بعد عام 1945، فيما يُطلق عليه أحيانا «النظام الدولي الليبرالي» الذي انسلخ عنه الاتحاد السوفيتي ليخلق لنفسه مجاله الخاص. لكن العالم الحر استمر في سنوات الحرب الباردة، وبعد عام 1991 امتد ليشمل أغلب أجزاء العالم. لقد خلًفت الفكرة الكامنة وراءه حالة استقرار ورفاهية امتدت عبر ثلاثة أرباع قرن مضي. والسؤال المطروح الآن هو: هل يستطيع النظام العالمي الذي دشنته واشنطن (القيم والمعايير وأنظمة الحكم) البقاء في ظل تراجع القوة والنفوذ الأمريكيين؟ أم.. هل ستعاين أمريكا أيضا انهيار إمبراطوريتها الفكرية؟  

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق