منوعات

طه حسين.. رائد التنوير يواجه «حراس الماضي» في ميدان «الشعر الجاهلي» (2-2)

لم تنته معركة كتاب «فى الشعر الجاهلي» إلا فى جبهة القضاء فقط، ففي الوقت الذي قرر فيه رئيس نيابة مصر محمد نور حفظ البلاغات التي قُدمت ضد طه حسين بعد نشر كتابه عام 1926، اشتعلت ساحات البرلمان والصحافة وشكك رجالهما في عقيدة الأزهري العائد من باريس.

كان رئيس النيابة المثقف محمد نور أكثر انفتاحا من رجال السياسة والفكر الذين رموا طه حسين بالكفر والزندقة والإلحاد، فأصدر قراره بعد جلسات تحقيق استمرت لنحو 6 أشهر بحفظ البلاغات إداريا نظرا لأن مؤلف الكتاب «لم يكن غرضه الطعن والتعدى على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل البحث العلمى مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها».

كان حسين قد أثار من وُصفوا حينها بـ «حراس الماضي» بعد أن شكك في الشعر الجاهلي وخلص إلى أنه نُحل وكُتب بعد ظهور الإسلام ونُسب لشعراء الجاهلية لتثبيت أمور دينية وسياسية اعتقد المسلمون أنه لن يستقر الإسلام إلا بعد تثبيتها، وبلغت عاصفة الاحتجاج ذروتها بعد أن شكك حسين في حقيقة وجود نبييْ الله إبراهيم وإسماعيل، «حديث القرآن والتوراة عنهما لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى». 

المعركة في ميدان السياسة

استغل الخصوم السياسيون الفرصة للطعن في الحزب الذي انتقل إليه طه حسين، وكان حزب «الوفد» قبل تلك المعركة قد شهد عدة انقسامات وخرجت عليه مجموعة وكونت «حزب الأحرار الدستوريين» الأقرب الى ملاطفة المستعمر وملاينته، وكان حسين قد اختار أن يقف فى جبهة «الأحرار» ويكتب فى جريدتهم «السياسة»، مهاجما الوفد وزعيمه سعد زغلول، مشككا فى زعامته منذ عام 1922 حتى 1926.

ويقول الأستاذ رجاء النقاش في مقال عن عميد الأدب العربي إن طه حسين فضل الارتباط بحزب الأحرار الدستوريين رغم اشتهار الحزب بأنه يحفل بأصحاب المصالح الذين يهمهم مهادنة الإنجليز، لكن ارتباطه بهذا الحزب كان ارتباطا فكريا بالدرجة الأولى عن طريق علاقته بالأستاذ أحمد لطفي السيد الذي كان نافذة مفتوحة على الحضارة الغربية وكان يؤمن أيضا بالمنهج العقلي.

رجاء النقاش

كان طه حسين، بحسب النقاش، يبحث عن بيئة ثقافية تستطيع أفكاره أن تنمو داخلها، ولم تكن هذه البيئة تتوفر الإ في حزب الأحرار الدستوريين، وكانت هذه البيئة بالفعل تتيح لأفكار طه حسين الثورية المتحررة فرصة للانطلاق دون أية معوقات وهي فرصة لم تكن تتوفر له لو أنه انضم إلى  الوفد الذي يضم أغلبية شعبية كلها محافظة ولم يكن من المتوقع أن تسمح لطه حسين بانطلاقاته الفكرية المتطرفة في نظرها.

قبل صدور «فى الشعر الجاهلي» كان طه حسين قد أصدر كتابه «ذكرى أبى العلاء» وهو الرسالة التى حصل بها على الدكتوراه من الجامعة المصرية عام 1914، وقد رأى بعض أعضاء الجمعية التشريعية «البرلمان» التى كان يرأسها سعد زغلول أن كتاب طه حسين يتضمن ما يسئ للإسلام لهذا طالبوا بوقف دعم الحكومة للجامعة التى وافقت على هذه الرسالة، لكن سعد زغلول وقف بحنكته إلى جانب طه حسين، وقال: لو منعنا الدعم عن الجامعة فيجب أن نمنعه عن الأزهر أيضا، لأن المؤلف تعلم فيه قبل أن يتعلم فى الجامعة، وهكذا تم سحب الطلب وانتهى الموضوع.

 

بعد صدور «فى الشعر الجاهلي» تغيرت الأمور، واختار طه حسين الانحياز لجبهة الأحرار الدستوريين المناوئة لـ«الوفد»، بعدها شكل الملك فؤاد الحكومة من ائتلاف ضم «الوفد» و«الأحرار الدستوريين»، وتولى عدلي باشا يكن من «الأحرار» رئاسة الحكومة، بينما اختير سعد زغلول رئيسا للبرلمان الذى تحول إلى منصة إطلاق نار على كتاب «في الشعر الجاهلي».

تصاعد الجدل في إحدى جلسات البرلمان حول كتاب طه حسين، وثار نواب الأغلبية وطالبوا الحكومة باتخاذ موقف ضد صاحب الكتاب، فتصدى رئيس الحكومة عدلي يكن للنواب وهدد بالاستقالة إذا مس المؤلف أى مكروه، أما سعد زغلول الذى كان يخشى انفجار الائتلاف الحاكم فلم يجد أمامه غير أن يهدئ من روع النواب الثائرين، فقال كلمته الشهيرة: هبوا أن رجلا يهذى فى الطريق فماذا علينا إذا لم تفهم البقر؟.

Image result for ‫عدلي يكن‬‎

عدلي يكن

«السياسة» تواجه «كوكب الشرق» و«الأهرام»

على جبهة الصحافة كانت المعركة أكثرا اشتعالا، وقفت جريدة «السياسة» لسان حال حزب «الأحرار الدستوريين» إلى جوار طه حسين وساندت حقه فى التعبير عن رأيه  وعبر عن ذلك كُتّاب مثل محمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد وأحمد لطفى السيد ومنصور فهمى وغيرهم، وفى المواجهة تبنت جريدة «كوكب الشرق» الوفدية حملة ضارية ضد المؤلف وكتابه وأفكاره واتهمته بالإلحاد والكفر.

اللافت في الأمر أن جريدة «الأهرام» التي كانت في ذلك الوقت تدعي الحياد والتوجه الليبرالي شنت معركة ضارية ضد طه حسين، وقاد رئيس تحريرها داود بركات حملة للهجوم على كتاب «في الشعر الجاهلي» وصاحبه، بحسب ما أورده الدكتور يونان لبيب رزق في كتاب «الأهرام ديوان الحياة المعاصرة».

 وأشار رزق إلى أن «الأهرام» أفردت صفحاتها للنيل من طه حسين وأفكاره «الإلحادية»، ونشرت لمشايخ الأزهر ومدرسي دار العلوم مطولات في ذم طه حسين وكتابه، «اتخذت الأهرام موقفا معاديا من طه حسين وهو ما فطن إليه بعد ما جاء في افتتاحية الجريدة في عددها الصادر يوم ‏30‏ سبتمبر 1926، والتي كان يكتبها رئيس التحرير من نعوت له لم تعتد جريدتنا علي استخدامها‏، فهي تصف (في الشعر الجاهلي) بأنه كتيب تعيس تافه نقله صاحبه عن أحد المستشرقين»‏،‏ وتكتب عنه في موقع آخر بأنه «كتاب تافه لا يستحق الذكر».

أرسل طه حسين ردا إلى «الأهرام» في اليوم التالي لنشر الافتتاحية، ووفقا لرزق، فقد جاء الرد علي شكل أسئلة طرحها صاحب «في الشعر الجاهلي» على داود بركات، خاطب حسين رئيس تحرير «الأهرام» قائلا: هل تستطيع أن تنبئني عن الصلة بين هذه الألفاظ وبين الكتاب؟.. وهل تستطيع أن تنبئني عن الصلة بين هذه الألفاظ وبين كرامتك وما ينبغي لك من طهارة اللفظ ونقاء اللسان؟.. إذن ففيم هذه الألفاظ وفيم هذا الشتم الذي لم تكن في حاجة إليه لولا أنك تريد أنت أيضا أن تتملق عواطف السواد وأن ترضي هذه الشهوة المنكرة‏..‏ شهوة الكيد والإغراء والانتقام.‏

ولوح الدكتور طه حسين في نهاية رده بأن القانون يخول له أن يدافع عن نفسه ضد الصحف التي هاجمته «إني وقد رأيت من إسرافك ما رأيت أريد أن استمتع بهذا الحق‏».

ولعل هذا التهديد الخفي هو الذي دفع داود بركات إلي نشر رد صاحب كتاب «في الشعر الجاهلي» كاملا.‏ وليس من تفسير لهذا الموقف من «الأهرام» تجاه عميد الأدب العربي بحسب تفسير الدكتور يونان لبيب رزق، سوي أن الرجل كان قد كف عن الكتابة في الجريدة فجأة في أواخر عام ‏1922‏ دون أن يخطر رئيس تحريرها ثم اتجه بقلمه إلي جريدة منافسة وهي «السياسة».

اقرأ أيضا:

اتهامات الإلحاد تلاحق العميد

فى مواجهة «فى الشعر الجاهلي» صدرت أيضا كتب عديدة منها: «نقد كتاب فى الشعر الجاهلي» لمحمد فريد وجدى، و«الشهاب الراصد» لمحمد لطفى جمعة، و«محاضرات فى بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التى اشتمل عليها كتاب فى الشعر الجاهلي» للشيخ محمد الخضرى.

أما الأديب مصطفى صادق الرافعي الذي اشتهر بمعاركة مع أهل الأدب فلم يفوت الفرصة فاشتبك مع «مزاعم طه حسين» التي أوردها في كتابه ونشر سلسة مقالات تم تجميعها في كتاب تحت عنوان «تحت راية القرآن» اتهم فيه حسين بالتشبه بالشيعة في اتهامهم لصحابة الرسول، ووصف الرافعي كتاب «في الشعر الجاهلي»، بأنه «سخيف».

واتهم الرافعي طه حسين بأنه «أداة أوروبية استعمارية، غرضه توهين عرى الإسلام»، وشكّل الأزهر لجنة من العلماء لمراجعة كتاب طه حسين، خلصت في النهاية، بحسب ما ورد في كتاب «تحت راية القرآن» للرافعي، إلى أن «الكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه». كما قام الشيخ محمد الخضر حسين بتأليف كتاب «نقض كتاب في الشعر الجاهلي»، انتقد فيه نظريات طه حسين وشرح تبيان «خطئها وزيفها».

انقسم نقاد طه حسين إلى فريقين، فريق موضوعى يقارع الحجة بالحجة ويفند موضوع الكتاب وفروضه ومنهجه ونتائجه ويخلص إلى أن ما ذهب إليه طه حسين يفتقر إلى الأدلة العلمية والحجج المنطقية، وينتهى إلى فساد النتائج التى توصل إليها الكتاب دون أن يوجه اتهامات شخصية للمؤلف،وقد تزعم هذا الفريق محمد فريد وجدي.

أما الفريق الثانى فقد ركز هجومه على الاتهامات الشخصية للمؤلف بالكفر والالحاد والزندقة والعمالة للغرب ،دون أن تواجه منطقه بمنطق مخالف ،وحججه بحجج مناقضة، وضم هذا الفريق عددا كبيرا من «حراس الماضي» ومنهم الرافعي والشيخ محمد الخضر حسين.

 اقرأ أيضا:

 

الدكتوراه الفخرية ليست للأعيان

ورغم أن طه حسين عدّل ما جاء في كتابه وأعاد نشره من جديد بعنوان «في الأدب الجاهلي»، إلا أن القضية لم تنته، فبعد نحو 6 سنوات عاودت النار الاشتعال ضد عميد الأدب العربي، وأصدر وزير المعارف حلمي عيسى قرارا في 3 مارس 1932، بنقل طه حسين من الجامعة إلى وزارة المعارف، فاحتج رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد وقدم استقالته لأن القرار صدر دون استطلاع رأي مجلس الجامعة.

طه حسين                                                         أحمد لطفي السيد

وقبل أن ينتهي الشهر صدر قرار جديد بفصل طه حسين من وزارة المعارف، وكان ذلك إمعانا في الانتقام من الأستاذ الجامعي الذي انتصر لاستقلال الجامعة ورفض ضغوط وزارة إسماعيل صدقي.

ويفسر طه حسين، استدعاء القضية بعد 6 سنوات كاملة، لرفضه منح بعض الأعيان الدكتوراه الفخرية من كلية الآداب بصفته عميدها آنذاك، ويقول العميد للكاتب الصحفي الراحل محمود عوض في كتابه «أفكار ضد الرصاص»: في هذه السنة ظهرت أسباب جديدة إلى جانب السبب القديم القائم، قاصدا قضية «في الشعر الجاهلي».

ويضيف حسين لعوض: «طلب وزير المعارف العمومية حينذاك حلمي عيسى، أن أزوره في مكتبه.. ذهبت ومعي عبدالوهاب عزام وفي أثناء الزيارة قال: باعتبارك عميداً لكلية الآداب، نريد منك أن تقدم اقتراحاً للجامعة بمنح الدكتوراه الفخرية لعدد من كبار الأعيان، يحيى إبراهيم وعلي ماهر وعبدالحميد بدوي وعبدالعزيز فهمي وآخرين». فرفض طه حسين طلب الوزير، لأن «عميد كلية الآداب ليس عمدة تصدر إليه الأوامر من وزير.. والدكتوراه الفخرية لا تمنح لأحد لمجرد أنه من الأعيان».

اللافت أنه بعد إقالة طه حسين من الجامعة طرح أمر «الدكتوراه الفخرية» على مجلس الكلية، ورفض المجلس منح الدكتوراه للأعيان.

عاش طه حسين حياته مقاوما للتخلف والرجعية والجمود والفكر المتحجر، انتصر للتنوير والحداثة، وأدرك أن هذه الأمة لن تصلب قامتها إلا بالتعليم والحرية، فالشعوب لن تنتصر على الفقر والمرض والجهل إلا بالمعرفة والعدالة والديمقراطية.

الفيديو جرافيكس

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق