ثقافة

المجتمع في مسرح سعيد حجاج.. من «قفص» الفقر إلى «طاحونة» السياسة

«فنان فقير على باب الله.. والجيب مافيهشي ولا سحتوت.. والعمر فايت بيقول آه.. والقطر فايت بيقول توت.. صحتني ليه يا شاويش يا شاويش.. أنا كنت سارح في الملكوت.. لما بانام باحلم وباعيش.. لما أفوق ما بافوقشي باموت.. وتقول عليَّا كبير السن.. وأنا في قلبي ولد كتكوت.. وتشوفني بانعي وابكي وائن.. والدنيا لسه بنت بنوت» من أشعار فؤاد حداد التي رددتها الجوقة بمسرحية «مقامات الرحيل» للكاتب والمؤلف المسرحى سعيد حجاج.

ارتبط فن المسرح منذ القدم بطرح القضايا المجتمعية على إختلافها حتى رأى البعض أن المسرح يعد أحد  وسائل الإصلاح الإجتماعي  فى أى مجتمع.  في هذا الإطار جاءت رسالة الماجستير للباحثة أروة ممدوح حسانين بعنوان «تشكلات البنية الدرامية في مسرح سعيد حجاج.. الرؤية والأداة» والتى تمت مناقشتها مؤخرا بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم جامعة المنيا.

الباحثة «أروة محمد حسانين»

 تتناول الدراسة التشكيل الدرامي في أعمال  الكاتب المسرحي سعيد حجاج، في محاولة للتعرف على تجربة الكاتب الدرامية ومراحل تطورها والموضوعات التي عالجتها بكافة ملامحها المتنوعة وكيفية توظيف الكاتب للتراث الشعبي.

 ووفقا للدراسة فإن تجارب سعيد حجاج المسرحية تتميز بميلها إلى القصر واعتمادها على عدد محدود من الشخصيات، وتشكل فكرة الإستلهام أو التضمين ملمحا بارزا بمجمل أعماله، كما تكشف أعماله عن وعيه وإهتمامه بالعديد من القضايا التي تمس الفرد والمجتمع على حد سواء ،حيث استندت في مجملها إلى موضوعات وأحداث متنوعة مستقاة من الواقع حينا ومن التاريخ حينا آخر.

قفص الفقر

شغلت قضية الفقر اهتمام  الكاتب المسرحي سعيد حجاج، ومن أبرز مسرحياته التي تناولت تلك القضية مسرحية «القفص» التي تُعدُّ دراما عائلية ذات ملامح مأساوية خلَّفها الفقر والبؤس الاجتماعي، وتظهر هذه الملامح جليَّةً على شخوص المسرحية أو أبطالها، وهم «الأب، الأم، والابن».

الإبن: أمي سأنتحر.

الأم: وهل حدثت والدك في هذا الأمر؟ هل استشرته مثلًا؟

الإبن: لم أخبره بعد

الأم: إفرض أنه لا يملك نقودًا .. فماذا يفعل من أجلك؟ لا أحد سوف يقرضه جنيها واحدًا ..  

الإبن: إنهم جميعًا كانوا يحبونني عندما كنت صغيرًا، ولن يبخلوا على جنازتي بشئ”.

تجري أحداث تلك المسرحية في حجرة ضيقة تم فيها عزل هذه الأسرة الصغيرة، وأغلقت نوافذها وحُجِبت بالأستار، فجاء الفضاء المكاني ضيقا «الحجرة/ القفص» بما يحمله من دلالات الحبس، التقييد، العزل، الأسر، والإعتقال؛ لكنه يقود إلى دلالات أوسع وأعمق، حيث صار ذلك الحيز المكاني الضيق هو البطل الرئيس في المسرحية وفقا لرؤية الباحثة.

تضيف أروة: إن الكاتب أراد أن يقف القارىء أمام الأحداث المأساوية التي تتعرَّض لها هذه الأسرة الفقيرة في المجتمع على يد هؤلاء المسئولين، ويأتي الاستهلال على لسان الكاتب مُجسِّدًا لتلك الأحداث في قوله: «قال لي صاحبي ذات يوم: هل تعرف أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت المنازل والنوافذ مغطاة بالسواتر القماشية الملونة؟ قلت فليكن، لكنني كتبت ما كتبت حين رأيت الجنود ذات مرة يغطون المنازل جميعها في الحي العشوائي خشية أن تتأذى أعين السادة المسئولين الكبار في حكومتنا الرشيدة، وهم يعبرون المكان ليقصوا شريط أحد إنجازاتهم العملاقة».

هنا تؤكد أروة على أن الكاتب لم يقتصر عمله على تناول قضية الفقر كقضية إجتماعية ملحة فقط، بل أن مسرحية «القفص»  انطلقت من تناول الفقر لتلتحم مع غيرها من القضايا الإجتماعية، لِتشكل مظلة لعدة قضايا اجتماعية، منها قضية القهر الاجتماعي الذي تعرَّضت له هذه الأسرة بسبب الفقر، وغياب الحرية، وصولا لتعرضها للنفاق الاجتماعي من قِبل المسئولين.

 بين القفص والطاحونة

إذا كان الفقر سببا رئيسا للقهر الاجتماعي في مسرحية «القفص»، فإن ملامح القهر الإنساني عند الكاتب أخذت بُعدًا آخر في مسرحية «القرابين» حيث تمتزج الظروف والأحوال الاجتماعية البائسة والأهداف السياسية لِتشكل ملامح هذا القهر الإنساني، فنجد الفقر المدقع الذي يعد نمطا من أنماط القهر. ومن جانب آخر تتشابه شخصيات مسرحية «القرابين» مع شخصيات مسرحية «القفص» في عدد شخصياتها الثلاث «الأب، الأم، الإبن فى «القفص» والابنة فى «القرابين»، إلا أن بارقة الأمل ورمز الخلاص تجسَّدت في شخصية الابنة «القربان».

تدور فكرة مسرحية «القرابين» حول «الطاحونة المقدسة» التي تعد رمزا للخديعة والأكذوبة الكبرى التي يحاول الملك من خلالها أن يحتال على الرعية، ليقدم من يشاء من رعيته ومتى شاء قربانا لها؛ لكن وسط هذا الواقع المؤلم لابد أن تكون هناك إشراقة أمل تُبشِّر بالخلاص من براثن هذا القهر، تأتي شخصية «الابنة» رمزًا للعقل الواعي المستنير من بين أبناء الرعية لا لتخلص نفسها من هذه المذبحة التي تنتظرها حينما تُقدَّم قربانا للطاحونة المقدسة فحسب؛ وإنما لتمثل خلاصًا نهائيا لمجتمعها.

هكذا استطاع الكاتب وفقا للباحثة أن يكشف ويعرِّي تلك الأدوات القمعية التي يستخدمها ذوو السلطة والنفوذ ضد الإنسان المقهور، هذا مع حرص الكاتب على حضور النزعة الثورية التحررية، تلك النزعة التي هيمنت على شخصيات مسرحياته وتجلت فيما يقومون به من أفعال في مواجهة القهر.

يوتوبيا.. فانتازيا الموت

تبحر الباحثة فى عالم الكاتب لتنتقل من أزمة الإغتراب في مسرحية «ألم الوقت» إلى عالم اليوتوبيا، غير أن المفارقة الدرامية الفادحة التي تواجه الباحثة تتمثل في لحظة مطالعة «يوتوبيا» سعيد حجاج حيث تكتشف أن عمله هذا يحمل خلفه الكثير من «فانتازيا الموت» على حد وصف الباحثة، أو عالم القبور.

تدور مسرحية «يوتوبيا» حول مدينة المثال التي يقيمها أحد الأشخاص من وحي خياله بعدما ضاقت عليه الدنيا بما فيها، فراح يبحث عن تلك المدينة الفاضلة، وبعد أن اهتدى إليها أعلن عنها في إحدى الصحف، فتهافت الناس إليها هروبًا من الواقع المتردي، بحثًا عن الخلاص من هذا الحزن المُطبق.

الباحثة ترى أن إدانة الكاتب للواقع أتت نتيجة عدم الشعور بالانتماء لهذا الواقع: «ما استطعت إدراكه جيدًا أن كل المؤرخين خونة.. يزيفون حتى رائحة الهواء المحيط بهم.. بل ويصنعون أرضية متينة من الزيف.. أما الدراميون أيها السادة.. فهم أس فساد التاريخ.. وحين يمسكون بتلابيبه يزيفونه أكثر مما هو عليه.. نعم أنني ابتعد عنه كي لا أقع.. في مثل هذا الفخ.. وما استطعت إدراكه جيدا أيضا.. أن الصحافة مزايدة ذلك لأن أصحابها.. يبيعونك عند أول اختلاف للرماد.. نعم مزايدون.. نعم»

تجمل الباحثة أسباب الإغتراب عند الكاتب في الشيخوخة وفي ظروف وأحوال المجتمع القاسية، إضافة إلى الشعور بالاغتراب النفسي الفردي.

قضايا الهوية والوطن

تتناول الباحثة نوعا آخر من تلك القضايا التي شغلت الكاتب، يتمثل في قضايا الإنتماء للوطن وتحديد الهوية الوطنية والصراع ما بين الحضارات، وتستشهد  في هذا السياق بمسرحية «فانتازيا العالم الرابع» التي تدور أحداثها مستندة إلى فكرة عزل الحضارات المعاصرة بعضها عن البعض ضمن نزعة عنصرية واضحة ومتعمَّدة من أصحاب هذه الحضارات «الدول الغربية والشيوعية».

من جانب آخر تجسد مسرحية «عرشك يا مولاي» الممارسات الاستبدادية القهرية من قِبل  الأنظمة السياسية العربية تجاه شعوبهها، حيث استعار الكاتب في هذه المسرحية كثيرًا من تقنيات المسرح الكوميدي السياسي وتقنيات ما يُسمَّى بالمسرح الفقير، معتمدا على الجوقة التي تقوم بالتشخيص، عبر عرض أحداث تاريخية مُتخيَّلة بأسلوب حكائي ارتجالي ذي طابع كوميدي عبر لغة عامية وبسيطة عن فترة زمنية قديمة تحمل إسقاطات سياسية على العصر الراهن. كما طرح الكاتب عدة قضايا أخرى مثال مصادرة حرية الإعلام والرأي، وتشجيع الإعلام الزائف.

جوقة القرن العشرين

من الظواهر التراثية الفنية في مسرح سعيد حجاج ظاهرة الحكواتي تلك الظاهرة التمثيلية التي عرفها العرب قديما وما زالت مستمرة حتى الآن، وهو شخصية ذات سمات خاصة. فشخصية المعلم «مسعود» رئيس جوقة القرن العشرين في مسرحية «عرشك يا مولاي» بصحبة فرقته تشبه شخصية الحكواتي أو شاعر الربابة في الفولكور الشعبي التراثي.

كما استفاد الكاتب من التراث «الأسطوري، التاريخي» ومن الشخصيات الأسطورية التي حظيت بحضور فاعل عند سعيد حجاج مثل شخصيتى «إيزيس وأوزوريس» في مسرحية «التميمة والجسد» حيث تجسِّد الشخصيتان صراع الخير والشر منذ القدم، فالكاتب يتخذ من شخصية «إيزيس» رمزًا لمصر، ومن شخصية «حورس» رمزًا لأبناء مصر الأوفياء، ومن شخصية «أوزوريس» رمزًا للماضي العريق الذي يستجلب الهمم والعزائم.

اختتمت الباحثة رسالتها بالتأكيد على أن تجربة سعيد حجاج لم تقف عند حدود كتابة الأعمال المسرحية، ولكن تجربته تعدت ذلك من خلال مسرحة عدد من التجارب الإبداعية، مثل مسرحية «خالتي صفية والدير» المأخوذة عن رواية بهاء طاهر، ومسرحية «ليلة عرس» عن رواية ليوسف أبو رية، إضافة لمسرحية «الرجل الصلصال» عن قصة لعزة عدلي، وغيرها من الأعمال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق