فن

فى مئويته.. فتحى قورة.. الفلاح الشرقاوى الذي كتب 4000 أغنية ومات حزينا

حفل العام الحالي 2019 بالعديد من المئويات الهامة مثل مئوية ثورة 19 و مئوية الجامعة الأمريكية، وغيرهما من مناسبات أخري كثيرة، ولعلها مناسبة لأن ينظر المهتمون بأمر هذا الوطن إلي أحواله و مصائره بعد قرن كامل من بدايات أحداث كثيرة كيف انتهت وإلي ماذا صارت..

مثلا كيف صارت الجامعة الأمريكية بعد قرن من تأسيسها في مصر «أقوي» و أكثر تأثيرا، و كيف صار الوفد بعد مرور نفس المائة عام أضعف و أكثر خروجا من مسار الأحداث، نفس الحال بالنسبة للعديد من الشخصيات التي يفترض أن مرور مائة عام علي ميلادها هو حدث كبير يستدعي التوقف والتأمل، و إثارة أسئلة حول ما قدمته هذه الشخصيات من فن و إبداع و إنتاج.. وهل ما قدموه مقدر.. محفوظ.. محاط بفهم و تقدير.. أم أن بلدا مثل مصر يتحرك خارج تاريخه وهو يبني مستقبله و تلك هي المعضلة.. أو لنقل تلك هي أزمة الأزمات؟!

دقو المزاهر «رئيسة عفيفي» كلمات «فتحي قورة»

كنت أريد أن أكتب عن الشاعر فتحي قورة بمناسبة ذكري وفاته فى 18 أغسطس عام 1977، لكنني إكتشفت أن هذا الشاعر الكبير، والفنان المتوهج، من مواليد عام 1919 أي أن ذكري مئوية ميلاده تمر هذا العام بلا حس.. و لا خبر!

و لعلها من المفارقات الكبري أن تحاول الكتابة عن فنان كتب أكثر من 4 آلاف أغنية، و كتب أغنيات أكثر من ألف فيلم فلا تجد عنه سوي قرابة 350 كلمة مكررة في كل ما كتب عنه لا تحوي أية معلومة عن حياته أو فنه و ما حدث له وجعله يموت فى هذه السن المبكرة و فى ظروف قاسية.

خطابك كتير وقالولي «شادية» كلمات «فتحي قورة»

و علي الرغم من أن فتحي قورة إسم ليس مجهولا بالطبع لدي غالبية المصريين إلا أنه فى الوقت نفسه ليس معروفا ولا مقدرا بقدر تفرد موهبته و ما أفاض به علي وجدان المصريين من إبداع قل نظيره بين شعراء الأغنية الكبار

ولد فتحي قورة في 19 إكتوبر عام 1919 و توفي في 18 أغسطس عام 1977 وخلال حياته القصيرة تلك، حيث توفي فى الثامنة و الخمسين، ملأ الدنيا فنا، و الحياة صخبا، و أخلص لفنه فنسي حياته، و اهتم بأن يضع «علامات فارقة» في مسيرة المطربين الذين غنوا كلماته ونسي أن يضع أموالا فى حسابات تؤمن حياته، لم يكن بوهيميا، لكنه لم يكن من المحظوظين الذين كان لديهم قليل من الفن وكثير من الإدعاء والمنافسه علي حصد كل شئ، كان لدي الرجل فائض من الموهبة و في الإخلاص لروح و ثقافة هذا الشعب.. وربما كان هذا سر ما جري له حيا و بعد مائة عام من ميلاده!

تعب الهوى قلبي «محمد فوزي» كلمات «فتحي قورة»

مكان بين «الكبار»

ولد فتحي قورة في قرية «العلاقمة» بمحافظة الشرقية، و هي واحدة من القري التي يتميز أهلها – حتي اليوم – بمحبة فنون الشعر و الإنشاد، و يطوفون علي كل الموالد فى القري المجاورة لسماع المنشدين، و يتميز أهلها أيضا بالصراحة الشديدة، و بعض الإندفاع، وقد كان والده الحاج «محمد أبو قورة» مزارعا بسيطا، و كل ما يروي عن علاقته بنجله «فتحي» أنه كان يصطحبه إلي ساحات الإنشاد، و أنه كان يتمني أن يصبح مزارعا مثله ليساعده في أعمال شاقة كان يقوم بها فى أرض بسيطة كان يمتلكها، لكن فتحي قورة وفي سن مبكرة جدا قرر أن يترك الجميع.. قرية العلاقمة.. و أسرته، و أن يذهب الي القاهرة من أجل الشعرو الفن.. و بالفعل ذهب الي القاهرة وتمكن سريعا من دخول أجواء الفن المبهرة فى قاهرة أواخر الثلاثينات وأوائل أربعينات القرن الماضي، و علي عكس الكثير من الفنانين والشعراء الذين يمرون بمراحل طويلة من الضياع الفني إلي أن يعرفوا طبيعة موهبتهم وما المختلف الذي يمكن لهم تقديمه، كان فتحي قورة مدركا بشدة لدوره وما يمكن له تقديمه، فى هذه المرحلة كان بديع خيري هو سيد المسرح الغنائي، وأبو السعود الإبياري هو شاعر المونولوج الأول، وحسين السيد هو شاعر الموسيقار محمد عبد الوهاب وكاتب أغلب أغنياته، و بيرم التونسي هو المعلم و الأستاذ الذي أخرج نفسه من كل المعادلات ليفعل ما يحلوله.. نقد سياسي أو هجاء أو كتابة أغاني «علي مزاجه هو بعيدا عن أي معايير سوق و إنتاج» و فى وسط هذا كان الدور الذى اختاره فتحي قورة لنفسه و أهلته له مواهبه الفائقة و هو كتابة الأغاني للسينما التي كانت فنا قد بدأ ينتشر سحره و تأثيره بين المصريين منذ أواخر الثلاثينات.

شمس وقمرين «صباح» كلمات «فتحي قورة»

علامات فارقة

 منذ أول افلامه التي كتب أغنياتها «نور الدين و البحارة الثلاثة» بطولة علي الكسار و المطرب إبراهيم حمودة و إخراج توجو مزراحي، مرورا بألف فيلم كتب أغانيها، شكلت أغنيات فتحي قورة علامات فارقة فى مسيرة المطربين الكبار الذين تعامل معهم، فهو من كتب «أمانة عليك يا ليل طول» لكارم محمود – الأغنية التي يعتبرها الناقد الفنى عصام زكريا «أجمل أغنية فى الغناء العربي كله» – و قد ظهر فى الأغنية إستخدام قورة لمفردات لم تكن مألوفة قبله، علي سبيل المثال «يا ريتني عشقت عامنويل»، عامنويل كلمة من قلب محافظة الشرقية، كلمة ريفية جدا، تعني «عامنا الأول»، ينطقها الفلاحين – حتي اليوم – هكذا و بالعامية هي «السنة الي فاتت»، ثم إن فتحي قورة أيضا هو من كتب «منديل الحلو» لعبد العزيز محمود ، و«ودع هواك» و «ما بيسألش علي أبدا» لمحمد عبد المطلب، و «تعب الهوي قلبي» لمحمد فوزي، و «عشان بحبك أنا» لفايزة أحمد، و «شمس و قمرين» لصباح و «ألو» لشادية وفاتن حمامة، و غنت له شادية العديد من الأغنيات من بينها وأهمها «سيد الحبايب»، و غني فريد الأطرش من كلمات قورة عشرات الأغنيات من بينها «يا سلام علي حبي و حبك / دقوا المزاهر / يا قلبي كفاية دق»، و بالإضافة لـ 4 الأف أغنية في ألف فيلم فقد قدم قورة مئات المونولوجات، و فى تراث الإذاعة المصرية عشرات البرامج و الصور الغنائية التي كتبها قورة لقامات غنائية و فنية مثل عباس البليدي و سيد مكاوي و عبد الغني السيد، تحتاج الي من يوثقها و إلي من يعيدها الي جمهور غناء أرهقته موجات عاتية من الإبتذال تضرب وجدان المصريين بقسوة!

أمانة عليك يا ليل طول «كارم محمود» من كلمات «فتحي قورة»

لماذا لم يكتب لأم كلثوم؟

عكس الكثيرين من شعراء جيله الكبار لم يعرف عن فتحي قورة إنتماء سياسي محدد، فلم ينضم مثل شعراء هذه المرحلة لأي تنظيمات، و المؤكد أنه كان من المؤمنين بشدة بثورة يوليو ومن المؤمنين بأحلامها الكبري، قبل يوليو كانت له العديد من المقالات السياسية الساخرة فى مجلات «البعكوكة» و «الصاروخ» تنتقد الأوضاع فى ظل الحكم الملكي، و بعد يوليو كان قورة هو من كتب «يا سيدي أمرك» التي غناها عبد الحليم حافظ في عام 1955 للتهكم علي الغناء والباشا التركي، كانت الأغنية مرحة، واثقة، مبشرة بأن عهدا جديدا جاء وقد أصبح فيه المصريون أكثر ثقة بأنفسهم و بمستقبلهم، وفى مرحلة لاحقة  إختارت المطربة العظيمة ليلي مراد فتحي قورة ليكتب لها أغنية عن الجيش المصري وكانت هي أغنية ” «يا رايح صحراء سينا»، و يبدو لي من خلال رحلة شاقة لتتبع حياة و مسيرة قورة أن الرجل الذي ملأ الدنيا فنا و نجاحا و كان «المطلوب الأول» دائما لدي المنتجين و الملحنين قد دخل فى مرحلة شبيهة بتلك التي دخلها صلاح جاهين فى أعقاب رحيل عبد الناصر و إنهيار مشروع سياسي حمل معه أعظم سنوات المجد لمصر، إذ ما السبب الذي يمكن أن يجعل فنانا مثله، يتوقف عن الكتابة، و يرفض حتي قراءة سيناريوهات أي فيلم، ثم يكتب فقط أغنيات خفيفة لمطربين جدد من بينهم المطربة الشعبية «ليلي نظمي» التي غنت من كلمات قورة «من الثانوية للكلية» و غيرها من أغنيات خفيفة نجحت نجاحا كبيرا، و هو نفس ما فعله جاهين الذى كتب أغنيات خفيفة ساخرة من كل شئ غنتها سعاد حسني فى عدة أفلام، و المثير أنه فى هذه المرحلة – أوائل السبعينات – ألحت أم كلثوم على فتحي قورة لكي يتعاون معها، كانت تريد منه كتابة أغنيات قصيرة، لا تتجاوز مدة الأغنية ثلاث أو أربع دقائق، كانت تريد لونا جديدا و موضوعات جديدة تناسب عصرا جديدا صاخبا بلا مذاق إندفع فيه المصريون – فيما بعد الإنفتاح – إلي سنوات من العبث، كانت «الست» تريد إثبات أنها ستصنع معجزات مبهرة جديدة تضاف الي تاريخها الذى لا يضاهي، لكن قورة لم يكتب، رغم أنه كان فى بداياته يحلم برؤية أم كلثوم و تقبيل يدها لا الكتابة لها، كان الشاعر الذى بلغ الخامسة و الخمسين فى هذه الأثناء عازفا عن الكتابة، و قد تزاحمت عليه الأحزان و فقد بصره فى آخر عامين من عمره، و قد إضطر لكي يسدد إيجار شقته أن يبيع 40 أغنية كان يحتفظ بها لشاعر كبير آخر هو حسين السيد الذي وضع اسمه علي هذه الأغنيات «!» مسترشدا بما كان يفعله أستاذه فى الفن محمد عبد الوهاب الذي وضع إسمه هو الآخر أكثر من 40 مرة على ألحان وضعها الملحن رؤوف ذهني و هو ما أثبتته المحاكم في وقتها بعد رفع ذهني دعاوي قضائية يطالب فيها بحقه.

البحث عن ابنة «فتحى قورة»

ليست فقط المعلومات عن حياة فتحي قورة هي القليلة إلي حد لا يتناسب أبدا مع إبداعه الكبير، أيضا لا توجد رسائل دكتوراه عنه فى أي أكاديمية موسيقية فى مصر، لكن الغريب للغاية أنه لا توجد صورة واحدة لفتحي قورة فى أى كتب أو مجلات أو مواقع إليكترونية، و كل الصور المنشورة و تحتها إسمه هي صور لفنانين أو شعراء آخرين، لقد حاولت البحث عن أي صورة والمزيد من المعلومات، وعرفت أن له إبنة هي «همت فتحي قورة» من خبر نشر فى كل الصحف المصرية عن تكريم الشاعر فتحي قورة فى بيت السناري بحضور إبنته، إتصلت بهيثم مهيب مدير بيت السناري و أرسلت له رابط الخبر طالبا منه رقم هاتف «همت فتحي قورة» و كان رده أنه لا يعرف شيئا عن هذه الإحتفالية التي نشر عنها فى كل الصحف فضلا عن أنه لا يعرف فتحي قورة من الأساس و سأل بوضوح كامل «هو دا كان شاعر»! .. سألت الناقدة الموسيقية الدكتورة ياسمين فراج «أهم أكاديمية متخصصة فى الغناء حاليا» عن إبنته فقالت أنها لا تعرف شيئا عنها، و هو نفس ما قاله إبراهيم داوود «أهم سميع فى الوسط الثقافي المصري»، و عندما وجدت فيديو لها علي منصة «watch» – منصة فيديو فيس بوك – كانت تشكو فيه من جمعية المؤلفين والملحنين قمت بالحصول علي هاتف من قام برفع الفيديو، و هو شاعر إسمه هاني الصغير الذى قال لي أنه قام بتسجيل الفيديو فى الجمعية لكنه لا يعرف «همت فتحي قورة» ولم يشاهدها إلا هذه المرة فقط، كل المصادر فى جمعية المؤلفين و الملحنين الذين قمت بالإتصال بهم قالوا أنهم لا يعرفون لها رقما محددا و أنها تقوم بتغيير أرقامها كثيرا مثل الفنانين.. اين همت فتحي قورة.. لا أحد يعرف.. هل هناك «سوء حظ» لازم فتحي قورة في حياته و أصاب كل من يريد تأريخ حياته أو البحث عن المجهول فى مسيرته شديدة الغموض، الحقيقة أنني لا أؤمن لا بسوء حظ و لا بحسن طالع أؤمن فقط بأنه هناك دائما ما يمكن فعله.. و في مئوية هذا الشاعر العظيم، و المبدع الفذ، و المصري الفنان، و الزاهد المرح، لابد من أن تقوم الدولة بإحتفال يليق، و بكتب تذكارية، و بتذكير للجميع بأن هذا البلد الذي تضربه موجة تغريب و أغاني مهرجانات و مهرجانات أغاني لديه الكثير و العظيم من الفن الذي لابد من الحفاظ عليه.  

همت فتحي قورة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق