فن

عبد المطلب.. صوت الحارة المصرية

حنجرة فخيمة، وصوت رخيم، وكلمات نابعة من الوجدان في عفوية وبساطة عرفت كيف تتخذ لها موضعا بين الكبار على خريطة الغناء العربي- على نحو ظلت معه تجربة المطرب الكبير محمد عبدالمطلب تتسم بالنضج والأصالة والطزاجة مع مرور الأيام.

  كانت البداية في كُتَّاب (شبراخيت) مسقط رأسه بالبحيرة التي ولد بها عام 1910، حفظ القرآن فساعده ذلك في ضبط مخارج حروفه، وإحكام ألفاظه، ولأن المسافة لم تكن واسعة في ذلك الزمن بين قراء القرآن وأهل الطرب الأصيل فقد أُغرم بسيد درويش وإبراهيم القباني والشيخ أبو العلا محمد وغيرهم من كبار المنشدين والموسيقيين، وربما ظلت حنجرته حائرة لبعض الوقت ما بين فنون الابتهال والموال والغناء وتلاوة القرآن، حتى ضمه الموسيقار داوود حسني إلى فرقته فواتته الفرصة لاكتشاف امكاناته الصوتية، وعرف فنون المقامات الصوتية وأساليب التغني والانتقال فيما بينها، ثم كانت المرحلة الثانية عندما انضم لفرقة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب الذي انتقل به فنيا من مدرسة الموال الشعبي بآلاته وأدواته البسيطة إلى مدرسة الغناء الحديث التي جمعت ما بين الموسيقى الشرقية والغربية، الأصالة والمعاصرة، العود والقانون إلى جانب البيانو والأورج والأوكارديون.

محمد عبد الوهاب

 شارك عبدالمطلب محمد عبدالوهاب في بعض اسطواناته ومنها أغنيات «أحب أشوفك كل يوم» حيث كان يردد مع عبدالوهاب (الفكر تاه من الجمال.. آه.. زودت وجدي) و «بلبل حيران»، ثم عمل مع مطلع الثلاثينيات بصالة «بديعة مصابني» 

نقطة تحول

وكان عام 1933 نقطة تحول فى حياة عبدالمطلب حين تعرف على المبدع محمود الشريف فكانت صداقة ورحلة عمر وإنتاج فنى عبقرى دام لعقود.

Related image

محمود الشريف

اقرأ أيضا:

جذب صوت عبد المطلب انتباه محمود الشريف بطريقته المميزة فى أداء الموال الشعبى، فقرر أن يلحن له واختار كلمات للشاعر الغنائى عثمان خليفة هى أغنية «بتسألينى بحبك ليه» فكانت أغنية جميلة بموسيقاها ولحنها المبدع ليعلن عن ميلاد موهبة فذة بإمكانات صوتية غير محدودة.. (بتسأليني بحبك ليه.. سؤال غريب مجاوبش عليه.. الدنيا ليل ساكن هادي.. وأنا غريب في الدنيا دي.. وانتي القمر، وانتي القمر لونك بادي)، ثم توالت الأعمال التي جمعت بين عبدالمطلب ومحمود الشريف من بينها «ودع هواك وانسانى» من كلمات محمد على أحمد و«اسأل مرة عليا» و«بياع الهوى راح فين» و«يلى سقيتنى الهوى» وغيرها العديد من الأغنيات التي خلدت في ذاكرة الغناء العربي.

كان للنجاح الكبير الذي حققه عبدالمطلب ومحمود الشريف، عامل أساسي في إغراء العديد من كبار الملحنين  كالسنباطي وسيد مكاوي ومحمد الموجي وكمال الطويل لتقديم أغاني بصوت (طلب) الذي تميز بقدرته على التغني على نحو جمع ما بين الأغنية العربية بموسيقاها المنتظمة، ولحنها الإحترافى المتمكن البعيد عن العشوائية، والمعانى العميقة في كلمات بسيطة أقرب ما تكون إلى الوجدان الشعبي – على نحو جعله حاضرا في أغلب مناسبات المصريين من حفلات الخطوبة، إلى استقبال موسم رمضان، إلى الحسد والعين وغيرها من المعتقدات الشعبية، لذلك يحلو للبعض تسميته (بصوت الحارة) ربما لكونه الأقدر على التعبير عن القضايا التي شغلت بال سكان الحارة المصرية.

ولعل ذلك هو ما دفع محمد فوزي إلى السعى لتلحين رائعة عبد المطلب الشهيرة (ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين) من كلمات الشاعر زين العابدين عبد الله في عام 1960، وهي الأغنية التي امتازت بثراء نغمي، استعرض من خلالها فوزى – مستفيدا من قوة حنجرة عبدالمطلب – أربعة مقامات موسيقية متنوعة هي على الترتيب: «الكرد» «الراست»، «الصبا»، «البياتي»، وهي مقامات تخصص عبدالمطلب «ملك الموال» في أدائها بكل سلاسة.

كما تعتبر أغنيته (يا حاسدين الناس) والتي أذيعت للمرة الولى عام 1951 واحدة من أهم الأغاني الشعبية التي مست وجدان المصريين، وعبرت عن مشاعر الخوف والقلق من زوال النعم لاسيما نعمة الحب الذي طال انتظاره، وهي من كلمات نجاح الغنيمي وألحان عبدالرؤوف عيسى.

  «يا حاسدين الناس.. ما لكم ومال الناس.. ده كل قلب في ألم ولكل واحد كاس.. يا حاسدين قلبين إيه قصدكم منهم.. يا مفرقين حبيبين فرقتوا ليه بينهم.. يكفينا شر العين واحرسنا من عينهم.. يا حاسدين والعين قاسية في نظرتها.. يا مشتتين شملين زودتوا قسوتها.. البخت نلقاه فين وندوق حلاوتها» .

أثرى عبدالمطلب المكتبة الغنائية العربية بالعديد من الأغاني والمووايل الخالدة والتي يأتي على رأسها ( ودع هواك)، (ياللي سقيتني الهوا)، (مين يحوش عني الرموش)، (يا لابسة الحلق)، (المرتاحين في الحب)، (مبيسألش عليا أبدا)، (الناس المغرمين)، كما شارك في تمثيل وإنتاج عدد من الأفلام السينمائية قبل أن تتوقف رحلة عطائه برحيله في الحادي والعشرين من أغسطس عام 1980.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: